على مدار عقود طويلة، حرصت جماعة الإخوان الإرهابية على تقديم نفسها باعتبارها حركة دعوية واجتماعية تسعى إلى الإصلاح والتغيير السلمي، إلا أن العديد من الشهادات والوثائق التاريخية كشفت وجود مسار موازٍ داخل الجماعة، ارتبط بتنظيم سرى عرف باسم «التنظيم الخاص».
ومن بين أبرز الشهادات التي تناولت هذا الملف، تأتي مذكرات أحمد عادل كمال، أحد أبرز أعضاء التنظيم الخاص السابقين، والتي صدرت تحت عنوان «النقط فوق الحروف»، لتقدم رواية من داخل الجماعة حول طبيعة هذا الجهاز السري وآليات عمله ودوره في عدد من الأحداث التي شكلت منعطفات خطيرة في تاريخ مصر السياسي.
من شاب عادي إلى عضو في التنظيم الخاصيكشف أحمد عادل كمال في مذكراته كيف انتقل من شاب يمارس حياته بصورة طبيعية إلى عضو فاعل داخل جماعة الإخوان، ثم إلى أحد كوادر التنظيم الخاص.
ويشير إلى أن عملية الانضمام لم تكن تتم بصورة مباشرة، وإنما عبر مراحل متدرجة من الاستقطاب والتأهيل الفكري والتنظيمي، وصولًا إلى دوائر أكثر سرية لا يعرف طبيعتها سوى عدد محدود من الأعضاء.
وتوضح المذكرات أن التنظيم الخاص لم يكن مجرد لجنة داخل الجماعة، ولكن جهازًا مستقلاً نسبيًا يمتلك هيكلًا تنظيميًا خاصًا، وقواعد صارمة للعضوية، ودرجات عالية من السرية، وهو ما جعل كثيرًا من أعضاء الجماعة أنفسهم لا يعرفون تفاصيله أو طبيعة مهامه.
«السيارة الجيب».
الواقعة التي كشفت التنظيم السريتمثل قضية «السيارة الجيب» عام 1948 إحدى أهم المحطات التي تناولها أحمد عادل كمال في مذكراته، باعتبارها الواقعة التي كشفت للمرة الأولى وجود جهاز سري منظم داخل جماعة الإخوان.
ويعترف كمال بأنه كان ضمن المجموعة التي تولت نقل أوراق ووثائق التنظيم الخاص، والتي احتوت على أسماء وعناوين وخطط تنظيمية ووثائق داخلية، إلى جانب أسلحة ومتفجرات.
لكن تعثر العملية وضبط السيارة أدى إلى وقوع هذه الوثائق في يد السلطات، لتبدأ واحدة من أكبر القضايا السياسية والأمنية في ذلك الوقت.
ولم تكشف القضية عن وجود أسلحة فحسب، بل أظهرت أيضا وجود بنية تنظيمية موازية تعمل بعيدًا عن النشاط الدعوي والسياسي المعلن للجماعة، وهو ما دفع الحكومة لاحقًا إلى اتخاذ قرار حل الإخوان في ديسمبر 1948.
من قرار الحل إلى اغتيال النقراشيبحسب رواية أحمد عادل كمال، شكل قرار حل الجماعة نقطة تحول كبرى داخل التنظيم الخاص، ففي أجواء الغضب والتوتر التي أعقبت القرار، تصاعدت حالة المواجهة بين الدولة والجماعة، لتصل إلى أخطر مراحلها باغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا في 28 ديسمبر 1948.
وتكشف المذكرات تفاصيل دقيقة حول عملية الاغتيال، بداية من متابعة تحركات النقراشي ورصد أماكن وجوده وخطوط سيره، وصولًا إلى اختيار منفذ العملية وتجهيزه.
ويصف كمال كيف تمكن عبد المجيد أحمد حسن، بعد ارتدائه زي ضابط شرطة، من دخول مبنى وزارة الداخلية والانتظار داخل البهو الرئيسي، قبل أن يباغت النقراشي بإطلاق النار عليه أثناء توجهه إلى المصعد.
وتبرز هذه التفاصيل مستوى التنظيم والتخطيط الذي كان يتمتع به الجهاز السري للجماعة آنذاك، وهو ما جعل حادث الاغتيال يمثل واحدة من أخطر وقائع العنف السياسي في تاريخ مصر الحديث.
اغتيال الخازندار.
بداية المسار الدمويلم يكن اغتيال النقراشي أولى العمليات التي ارتبط اسم التنظيم الخاص بها، فالمذكرات تتناول أيضًا قضية اغتيال القاضي أحمد الخازندار، التي سبقت حادث النقراشي بعدة أشهر، باعتبارها واحدة من أبرز المحطات التي كشفت انتقال بعض عناصر التنظيم من دائرة النشاط السياسي إلى دائرة استخدام العنف ضد الخصوم.
ورغم أن أحمد عادل كمال عاد لاحقًا واعتبر هذه العملية خطأ، فإن شهادته تظل كاشفة لطبيعة المناخ الذي كان سائداً داخل التنظيم الخاص في تلك المرحلة، ومدى القناعة التي ترسخت لدى بعض أفراده بإمكانية اللجوء إلى العنف لتحقيق أهداف سياسية أو تنظيمية.
أحد أهم الجوانب التي تكشفها مذكرات «النقط فوق الحروف» يتمثل في الحديث عن الازدواجية داخل الجماعة، ففي الوقت الذي كان فيه الإخوان يمارسون نشاطهم الدعوي والاجتماعي بصورة علنية، كان هناك جهاز آخر يعمل في الخفاء وفق قواعد مختلفة، ويخضع لاعتبارات أمنية وتنظيمية خاصة.
وتشير المذكرات إلى أن هذه الازدواجية خلقت حالة من الغموض بشأن طبيعة العلاقة بين القيادة الرسمية للجماعة والتنظيم الخاص، كما أثارت تساؤلات مستمرة حول حدود الصلاحيات التي كان يتمتع بها الجهاز السري ومدى استقلاله في اتخاذ بعض القرارات.
تكمن أهمية مذكرات أحمد عادل كمال في أنها لا تنطلق من موقف الخصومة السياسية مع الجماعة، ولكن من تجربة شخصية عاشها أحد المشاركين في بناء التنظيم الخاص والعمل داخله.
ولهذا ينظر العديد من الباحثين إلى كتاب «النقط فوق الحروف» باعتباره واحدًا من أهم المصادر التي توثق تاريخ الجهاز السري للإخوان، وتكشف جانبًا من الأحداث التي أسهمت في رسم العلاقة المتوترة بين الجماعة والدولة خلال النصف الأول من القرن العشرين.
وبين أوراق «السيارة الجيب»، وطلقات اغتيال النقراشي، وشهادات أحد رجال التنظيم الخاص، تظل هذه المذكرات واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل حول تاريخ الجماعة، لما تتضمنه من تفاصيل تكشف جانبًا خفيًا من بنيتها التنظيمية ومسارها السياسي في تلك المرحلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك