تشهد الساحة الجنوبية اليوم واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ سنوات، نتيجة التدهور المتواصل في الأوضاع المعيشية والخدمية التي باتت تثقل كاهل المواطنين وتدفعهم إلى حافة اليأس.
وفي ظل هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: إلى متى يمكن للشارع الجنوبي أن يتحمل هذا الكم من الأزمات دون أن ينفجر غضبه في وجه الجميع؟لقد تحمل المواطن الجنوبي سنوات طويلة من المعاناة أملاً في أن تقود التضحيات الكبيرة إلى واقع أفضل.
غير أن ما يعيشه اليوم من انهيار اقتصادي متسارع، وتراجع مستمر في قيمة العملة، وارتفاع جنوني في الأسعار، وانقطاعات طويلة للكهرباء والمياه، جعل الكثيرين يشعرون بأن أحلامهم تتبدد أمام واقع يزداد قسوة يوماً بعد آخر.
ولا يمكن قراءة هذا التدهور بمعزل عن مسؤوليات ” حكومة الشرعية”، و الأطراف الإقليمية المؤثرة في مسار الملف.
فاستمرار التعويل على إدارة الأزمة بدل حلها، وتقديم الحسابات السياسية الضيقة على حساب احتياجات الناس، ساهم في تعميق الهوة بين الدولة كفكرة والدولة كواقع.
التاريخ يعلمنا أن الشعوب قادرة على الصبر لفترات طويلة، لكنها عندما تصل إلى مرحلة تفقد فيها الثقة بوجود حلول أو إرادة حقيقية للتغيير، فإنها تتحول إلى قوة ضغط لا يمكن تجاهلها.
فالاحتجاجات الشعبية والانفجارات الاجتماعية تأتي نتيجة تراكم طويل للإحباطات والمعاناة والشعور بالظلم والعجز.
وفي الجنوب، تبدو مؤشرات الاحتقان الشعبي واضحة للعيان.
فالأحاديث اليومية للناس تتركز حول كيفية تأمين متطلبات الحياة الأساسية.
وعندما يصبح الحصول على الكهرباء أو المياه أو القدرة على شراء الاحتياجات الضرورية تحدياً يومياً، فإن الغضب الشعبي يتحول تدريجياً إلى حالة عامة يصعب احتواؤها بالشعارات أو الوعود.
لقد كان الهدف المعلن هو استعادة الدولة، لكن استمرار هذا التدهور يفرض سؤالاً أكثر إلحاحاً: كيف يمكن الحفاظ على ما تبقى من مقومات الاستقرار قبل أن يتحول حلم الدولة إلى مجرد ذكرى، ويصبح هاجس الفوضى هو العنوان الأبرز للمرحلة؟إن التحذير من غضب الشارع قراءة واقعية لمؤشرات تتراكم يوماً بعد يوم.
فالشعوب قد تتحمل الفقر، وقد تتكيف مع الأزمات، لكنها لا تستطيع أن تعيش إلى ما لا نهاية في ظل غياب الأفق وانعدام الحلول.
وعندما يشعر المواطن بأن معاناته لا تجد من يصغي إليها، وأن أزماته تتحول إلى أمر اعتيادي لدى أصحاب القرار، فإن حالة السخط قد تنتقل من مرحلة التذمر الصامت إلى مرحلة الفعل الجماهيريالواسع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك