مع تصاعد موجات السينما النوعية الجديدة التي تركز على الغريب وغير المألوف من الموضوعات والقضايا، ظهرت أفلام تعتني كثيراً بالمضمون أكثر من اعتنائها بالشكل والصورة وعناصر الجذب التقليدية.
لكن ثمة مسافة تفصل الجمهور العادي عن هذه الأفلام لخصوصيتها الشديدة وارتباطها بعوالم أخرى غير العوالم السينمائية المُعتادة.
ولأن الأفكار الفلسفية والإنسانية لا تُناسب في الغالب ميول العامة والسواد الأعظم من الناس، فهي تختص عادة بالأفلام القصيرة والتسجيلية فقط، لذا فإن فمعظم ما يتم تناوله داخل سياق الفيلم الروائي الطويل من هذه النوعية يُقابل بالرفض ولا يُكتب له النجاح.
وهناك أمثلة كثيرة لعدم التآلف بين القاعدة الجماهيرية العريضة وتلك الأفلام التي يُطلق عليها أفلام مُثقفين، من بينها على سبيل المثال وليس الحصر فيلم «أسماء» بطولة هندي صبري وفيلم «كليفتي» للمخرج الراحل محمد خان، بطولة باسم سمرة ومؤخراً فيلم «ضي» للسيناريست الشاب هيثم دبور والمخرج كريم الشناوي، وهو التجربة الأولى من نوعها تقريباً التي تتعرض لفئة من البشر يُسمون أهل الضي، وهم أولئك الذين يُعانون من مرض نادر يجعلهم شديدي البياض لا يستطيعون مواجهة الشمس والضوء ويُعرف المُصاب منهم بالشخص الأمهق.
الفيلم ناقش بحساسية أزمة المرضى المعنيين من خلال مسيرة طفل نوبي يُعاني من التمييز العنصري والنبذ، لكنه يُقاوم الواقع المرير ويُحاول إثبات ذاته عن طريق موهبة الصوت الجميل التي حباه بها الله دون أقرانه.
وفي مسعى من جانبه لاستغلال حلاوة صوته يخوض تجربة الترحال من النوبة إلى القاهرة بحثاً عن وجوده كفنان، مُقتدياً بمثله الأعلى المطرب محمد منير ابن النوبة وصاحب اللون الفريد في الغناء بطريقة مُبتكرة ومُختلفة لم يسبقه إليها أحد غير القليلين من الرواد القُدامى، كحمزة علاء الدين ومحمد حمام اللذان يسير على دربهم أيضاً المطرب كرم مراد.
«ضي» فيلم يُمكن اعتباره استثناءً حقيقياً بين موجة الأفلام الكوميدية وأفلام الأكشن التي هيمنت على السوق في المواسم السابقة وحققت نجاحات كبيرة وإيرادات ملحوظة في شباك التذاكر، ولهذا احتفت به جمعية الفيلم بالقاهرة إذ قامت بعرضه للأعضاء وبعض جمهور النخبة من السينمائيين والمُثقفين المُهتمين بالحركة السينمائية.
وبعد انتهاء العرض أقيمت ندوة للمناقشة خلصت إلى تأييد الأغلبية من الحضور للفكرة المحورية كونها تعكس حالة إنسانية بالغة التأثير وداعمة للتفاعل، غير أنها تطرق باباً ظل موصداً لسنوات على الأزمة والمُشكلة التي تعاني منها شخصيات مريضة فُرضت عليها العزلة أو فرضتها هي على نفسها تجنباً للتنمر والأذى النفسي المجاني الذي يلحق بهم مع كل احتكاك بأفراد المجتمع العاديين من غير المؤهلين نفسياً للتعامل برقي مع النوعيات المأزومة.
الندوة التي أقامتها جمعية الفيلم حضرها صُناع العمل المذكور مع عدد من الصحافيين والنُقاد وأدارها الصحافي طارق مرسي، وقد أتاح السجال الذي دار بين المنصة والحضور مجالاً واسعاً للحديث عن أزمة الأمهق في بعض المُجتمعات الشرقية وعدم تمكنه وأمثاله من الانخراط في صفوف الفئات الطبيعية من الأصحاء، الأمر الذي يحرمهم من التعبير عن قُدراتهم ومواهبهم بالشكل الموازي لبقية الأفراد الطبيعيين الحاصلين على فرص الظهور والنبوغ والشهرة.
الفيلم شارك في بطولته عدد من المُمثلين الشباب، أسيل عُمران وحنين سعيد، وبالطبع كان ضيف الشرف والبطل المُطلق والداعم القوي للفيلم فنياً وإبداعياً وتجارياً محمد منير، ابن النوبة ونجم الأغنية المصرية وأحد أشهر مُطربي جيل السبعينيات والثمانينيات وصاحب القاعدة الجماهيرية العريضة.
منير سبق أن شارك في بطولات سينمائية عديدة ومهمة من بينها، بطولة فيلم «يوم مر ويوم حلو» مع فاتن حمامة من إخراج خيري بشارة وفيلمي «اليوم السادس» و«المصير» للمخرج يوسف شاهين و«توت عنخ أمون» للمخرج يوسف فرنسيس وبطولة حسين فهمي والفنانة المُعتزلة جيهان نصر، كما قام ببطولة فيلم «حكايات الغريب» للمخرجة إنعام محمد علي مع محمود الجندي وشريف منير وحسين الإمام، بالإضافة إلى أعمال أخرى متميزة وقوية.
فيلم «ضي» واحد من الأفلام التي تهتم المنصات الإلكترونية بعرضها لاختلاف ثقافة المُتفاعلين الإلكترونيين عن ثقافة الشاشات، فعلى المنصات تُروج هذه النوعية من الأفلام وتجد من يشجعها وهذا ما يعول عليه كاتب الفيلم هيثم دبور ومخرجه كريم الشناوي في إنصاف إبداعهما الخاص والاستثنائي والمتميز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك