كشفت المشاورات الدولية الاخيرة التي احتضنتها العاصمة الاثيوبية اديس ابابا عن تباينات حادة بين القوى السودانية حول ملامح المرحلة القادمة، حيث اتضح ان المسار نحو وقف الحرب لا يتوقف عند حدود البنادق فقط، بل يصطدم بتعقيدات سياسية عميقة تتعلق بمن يحق له المشاركة في رسم مستقبل الدولة بعد توقف النزاع المسلح الذي ينهش البلاد منذ فترة طويلة.
واظهرت النقاشات التي ادارتها الآلية الخماسية الدولية ان محاولة بناء توافق مدني واسع تواجه تحديات وجودية، لا سيما مع انقسام الفاعلين السياسيين حول ملفات حساسة ابرزها مستقبل الحركة الاسلامية وحزب المؤتمر الوطني في المشهد القادم.
وبينت المعطيات ان هذه الاجتماعات مثلت اول محاولة جدية لجمع اضداد القوى السياسية حول طاولة واحدة، لكنها افرزت في المقابل انقسامات حادة كادت تعصف بالوثيقة التوافقية قبل توقيعها.
جدل الاقصاء والمشاركة السياسيةواكدت الوثائق المسربة من الاجتماعات ان الخلاف الاكثر اثارة للجدل تمحور حول استبعاد الاسلاميين، حيث سعت قوى معينة لفرض نص صريح يقصي المؤتمر الوطني وواجهاته من اي ترتيبات مستقبلية، وهو ما قوبل برفض من اطراف اخرى رأت في ذلك تعقيدا لمسار السلام.
واضافت المصادر ان تحالفات مثل الكتلة الديمقراطية ابدت تحفظات على الصيغ الاقصائية، بينما تمسكت قوى اخرى بضرورة اجتثاث جذور الازمة التي قادت البلاد الى الحرب، مشيرة الى ان التوافق السياسي يتطلب ضمان عدم عودة القوى التي تسببت في انهيار النظام السابق.
وشدد مراقبون على ان هذا التباين يعكس صراعا خفيا حول هوية الدولة التي يريدها كل طرف بعد توقف القتال.
واشار التيار الثوري الديمقراطي وقوى اخرى الى ان حذف بنود استبعاد الاسلاميين من المسودات النهائية يثير شكوكا حول مصداقية العملية السياسية برمتها، معتبرين ان السماح لهم بالعودة يمثل مكافأة على الحرب.
واوضح ممثلو حركة تحرير السودان ان موقفهم المتشدد ينبع من ادراكهم لخطورة عودة النظام القديم، مستندين في ذلك الى قرارات دولية سابقة صنفت تنظيمات اسلامية كجهات متطرفة، مما جعل ملف الاسلاميين حجر عثرة امام اي توافق وطني شامل.
وبينت الاحداث ان الخلاف لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل اصبح معركة حول من يمتلك شرعية التمثيل في مستقبل السودان.
تصدعات داخل معسكرات الحلفاءواكدت التطورات ان الانقسام لم يقتصر على الخصوم، بل امتد لداخل الكتلة الديمقراطية نفسها، حيث شهدت الاجتماعات انسحاب ورفض بعض المكونات للمشاركة، معتبرين ان الوفد المشارك لا يمثل كافة اطياف التحالف.
واضافت التقارير ان استقالة بعض القيادات البارزة عقب اللقاءات عكست حجم الاحتقان السياسي داخل المعسكر المؤيد للجيش، مما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذه الكتل على تقديم رؤية موحدة امام المجتمع الدولي.
واوضح محللون ان هذه التصدعات تخدم في جوهرها حالة عدم اليقين التي تسيطر على العملية السياسية، وتجعل من الصعب التنبؤ بشكل التحالفات التي ستشكل الحكومة القادمة.
وتابعت تنسيقية القوى الوطنية تحركاتها لفرض حضورها كطرف رئيسي، رافضة في الوقت ذاته مساواة الجيش بقوات الدعم السريع، ومؤكدة ان اي حل سياسي يجب ان ينطلق من قاعدة وطنية لا تقصي القوى التي وقفت مع الدولة.
وبينت ان المشهد السياسي السوداني بات اكثر تعقيدا من اي وقت مضى، حيث تتقاطع المصالح الشخصية مع الاجندات الحزبية في ظل غياب رؤية وطنية موحدة.
واكدت ان التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان لا يكمن في توقيع اتفاقيات وقف اطلاق النار، بل في ادارة الصراعات السياسية التي ستنفجر فور صمت المدافع.
واظهرت المشاورات رغم كل التباينات وجود ارضية مشتركة فيما يخص ضرورة ايصال المساعدات الانسانية ووقف التدهور المعيشي، وهو ما اعتبره البعض بارقة امل ضئيلة في نفق مظلم.
واضافت ان النجاح في جمع هذه الاطياف المتناقضة في اديس ابابا يعد خطوة اجرائية مهمة، لكنها تظل هشة امام عواصف الخلافات الايديولوجية والسياسية التي تضرب القوى المدنية.
وخلصت النقاشات الى ان معركة السلام في السودان ستكون اصعب بكثير من معركة الحرب، نظرا لتداخل الملفات وتعدد اللاعبين الذين يسعون لضمان مكان لهم في خارطة الحكم الجديدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك