في مثل هذه الأيام من شهر يونيو (حزيران) عام 1951، حطّت بالرياض طائرة داكوتا قادمة من القاهرة، نزل من بين رُكّابها زعيم الحركة الوطنية التونسية الحبيب بورقيبة، مرافقاً كلاً من القياديين في حزبه محمد المصمودي وعلي الزليطني، أمضى الوفد أياماً من شهر رمضان المتزامن مع صيف الرياض القائظ في دار للضيافة، لم تكن عرفت التكييفَ قبل خمسة وسبعين عاماً، في انتظار لقاء الملك عبد العزيز، كان لقاءً مفصليّاً في سياقه التاريخي وظروف صراع الشعب التونسي مع الاستعمار الفرنسي، وانصراف الجامعة العربية وأمينها العام عبد الرحمن عزّام باشا عن مساعدة بورقيبة بدعوى انشغالها بالقضية الفلسطينية، حيث رد الأمين العام المساعد أحمد الشقيري حرفيًّا على رغبة بورقيبة في الحصول على دعم الجامعة لقضية وطنه، بالقول إن «المشغول لا يُشغل، وعندما ننتهي من القضية الفلسطينية فسنحل القضية التونسية».
ضاقت أمام بورقيبة ورفاقه السبل بسبب عنجهية فرنسا وشدة قسوتها تجاه مستعمراتها إثر انتصارها في الحرب الكبرى، حيث أطبقت بعنفها الشديد على الشعوب المستعمَرة، وارتكبت عشرات المجازر في الجزائر ومدغشقر.
فوجئ الزعيم التونسي ومرافقاه بغزارة معرفة الملك عبد العزيز بأساليب الاستعمار، وبقراءته العميقة للخريطة السياسية في المنطقة، وبرؤيته لكيفية المواجهة باعتماد «سياسة المراحل» والضربات النوعية المتفرقة لإرهاق المحتل.
شكّل لقاء الرياض تحولاً حاسماً في المسيرة السياسية لبورقيبة المحامي خريج جامعة باريس ومعهد الدراسات السياسية في باريس في 1927، الذي انبهر بشخصية الملك عبد العزيز، حتى إنه توجه إلى المصمودي بالقول «C'est formidable, ce monsieur là»، أي إن «هذا الرجل مذهل وعظيم، لم يرتد (السوربون) ولا (هارفارد)، لكنه علّمني أمراً كنت أجهله».
لقد آمن الملك المؤسس بعدالة القضية التونسية وبحق الشعب التونسي في التحرر، ووجّه بدعم القضية سياسياً في المحافل الدولية، ليس هذا فحسب، ولكن ما إن وصل الوفد إلى مقر إقامته في دار الضيافة، حتى وجد في انتظاره هدايا كانت عبارة عن أزياء سعودية كاملة وثلاثة أكياس صغيرة من الجنيهات الذهبية لتسليح المقاومة ودعم رحلة بورقيبة عبر دول العالم للتعريف بقضية وطنه.
كانت تلك المكرمة الملكية المنطلق لتسليح المقاوِمين في تونس.
صُرف الذهب عند محمد صلاح الدين باشا، وزير خارجية مصر حينذاك، وتولى علي الزليطني شراء قطعة أرض في طرابلس أُقيم فيها معسكر للتدريب وتسليح الثوار، ومن هناك انطلقت الثورة في 12 يناير (كانون الثاني) عام 1952، حيث أرهق «الفلاقة» (المقاومون) السلطات الاستعمارية، وفق استراتيجية الملك عبد العزيز.
حفظ بورقيبة الودَّ للملك عبد العزيز وأبنائه من بعده حتى وفاته، لكن قصة مثل هذه لا تجد لها مكاناً في كتب التاريخ، ولا تلقى اهتمام الباحثين، وقد عمل كُتّاب التاريخ الفرنسيون والمتفرنسون على طمسها لقطع علاقة المغرب العربي بالجزيرة العربية، والتسويق لسرديات ترى أن سكانه من البربر، وأنَّ العرب طارئون عليه وفرنسا أقرب إليه جغرافياً وثقافياً، ورغم صمود الهوية المغاربية بتنوعها أمام الهويات القاتلة في المشرق، لم تصمد أمام الحرب الثقافية.
إنَّها حرب طويلة شنّتها فرنسا الاستعمارية بوسائل مختلفة على القبائل العربية التي تتحدر من نجد والحجاز من بني هلال وبني سليم وقبائل أخرى، ويُعدّ أفرادها اليوم بالملايين.
صادرت السلطات الاستعمارية في الجزائر وتونس أراضيهم، وأحرقت خيامهم وشحنت أنعامهم إلى ميناء مرسيليا، ونفت شيوخ القبائل ووجهاءها وعلماءها إلى مستعمراتها في أصقاع الأرض، وغيّرت ألقابهم وسجّلت أسماءهم في سجلاتها بأسماء أخرى؛ لتقطع أغصان انتمائهم إلى عرب الجزيرة العربية، وأطلق مستشرقوها أوصافاً تحط من ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم التي يشاركهم فيها حتى اليوم إخوة الدم في الجزيرة العربية، وهو ما فعلته ذاته إيطاليا في ليبيا من خلال احتلالها الاستيطاني الذي حاولت من ورائه طمس الهوية العربية للشعب واستعادة التاريخ القديم بتحويل البلاد إلى ساحل رابع لروما الاستعمارية.
لم تكن فرنسا ومثقفوها وحدَهم من أنشأوا هذه السدود والموانع الثقافية والحضارية بين الأصول والفروع، ففي مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
عملت الآلة الإعلامية الناصرية والبعثية بأقصى طاقتها لتقسيم العالم العربي إلى معسكرَين؛ تقدمي يلهج بشعارات القومية والأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة، ودول تقليدية لا تنتمي إلى عالم الحداثة والتحرر، فرزٌ سياسي بامتياز عمّق الحواجز النفسية والثقافية بين الشعوب، تفوّقت فيه الآيديولوجيا العابرة للقارات والعقول على صياغة رؤية تفصل بين شعوب المغرب العربي وامتدادهم، بل تعمّقت لتفصل بين شعوب المنطقة ذاتها، ومع التراكمات الثقافية والكتابات والخطابات الشعبوية التي سيطر اليسار على جزء كبير منها، مُركزاً على الفوارق الاقتصادية مع دول المغرب العربي والقوميين الذين يرون في ثروات الخليج حقّاً واجب المشاع لكل العرب، دون تقدير لجهود الخليجيين في تحقيق ذلك النجاح.
ترسّخت في المخيال العام القطيعة التي تقطعت معها أواصر انتماءات الدم والدين واللغة والثقافة، ورسمت صورة في المخيال الجمعي للخليج لا تخرج عن الناقة والخيمة وبرميل النفط والتبعية للغرب ولأميركا على وجه التحديد.
من ناحية ثانية عملت المناهج التعليمية في دول المنطقة على تسطيح الفهم لدول الخليج؛ إذ اختزلت تاريخه في الجانب الديني ومعالمه في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وصوّرت للأجيال المتعاقبة صحراء خالية وشعوباً تتحرك على الجِمال وتنشد الشعر كما كان قبل البعثة النبوية، فيما قدم التاريخ المعاصر دول الخليج العربي بوصفها كيانات مسلوبة الإرادة والفعل، تحرّكها القوى الكبرى وتوجهها حيث تشاء مصالحها.
أما في الجغرافيا فيتم التركيز على موضوع النفط مع إغفال التاريخ الاجتماعي لما قبل اكتشافه واستخراجه وتصديره إلى العالم.
ورغم العلاقات الثنائية بين الدول على المستوى السياسي فإنَّه لا يوجد في دول المنطقة أي مركز للدراسات متخصص في الشأن الخليجي، رغم وجود عشرات الأطروحات في الجامعات التي يركز أغلبها على الهجرات العربية من نجد والحجاز إلى المنطقة المغاربية وعموم الشمال الأفريقي.
هذه الجدران السميكة التي قدّر لها أن تكون مانعاً بين جناحَي الوطن العربي، بدأت خلال السنوات الأخيرة في التآكل شيئاً فشيئاً، نافضةً الغبار عن حقائق التاريخ والجغرافيا من ملاحم وبطولات وحروب خاضها أهل الخليج بقدرة مكّنتهم من الثبات قروناً في رمال الشرق الأوسط المتحركة، لم يكونوا شهود زور في قضايا العرب، وإنما أداروا اللعبة السياسية المعقدة بحكمة وحنكة، وواجهوا التحديات بصبر وعزيمة شهد بهما العالم، كما ولّوا وجوههم شطر تنمية شعوبهم.
استثمروا في الإنسان وحقوقه الأساسية في الصحة والتعليم والنقل والحياة الكريمة.
وجّهوا مقدراتهم إلى التنمية المستدامة التي تسابق المستقبل، بنوا قوة ناعمة مؤثرة في القرار العالمي الاقتصادي والسياسي في الوقت الذي حوّلت فيه الشعارات والهتافات دولاً أخرى في المنطقة إلى مجتمعات كسيحة طاردة لأبنائها، إما عبر قوارب الموت، وإما عبر طوابير الهجرة إلى أوروبا وإلى دول الخليج، حيث وجد الجيل الجديد المتحرر من الإرث الاستعماري والتلوث الأيديولوجي والحزبي واقعاً مخالفاً لتصوراته المسبقة.
نحن اليوم إزاء جيل نشأ في مناخات مغاربية تآكلت فيها الثقافة الفرنسية، وتراجع حضورها بشهادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه، وتلاشت حتى كادت تختفي الكتابة والنشر باللغة الفرنسية أمام سياسات التعريب التي انتهجها كلّ من تونس والجزائر والمغرب، والرغبة في اللحاق بالتطور العالمي ولسانه الإنجليزي بلا منازع، واعتماد أدوات امتلكها الجيل الجديد منفتحاً على العالم وعلى دول الخليج العربي التي فتحت أبوابها وفرصها لعشرات الآلاف من الكفاءات المغاربية.
هو جيل محظوظ بلا منازع؛ لأنه يرى الخليج العربي بلا نظارات معتمة وستائر سميكة تخفي الحقائق التي تُقدَّم إلى الجمهور وفق قاعدة «ما أريكم إلا ما أرى».
إنَّه جيل تجاوز الحواجز المصطنعة والوهمية، وبات يرى الأشياء على حقيقتها، ومعه جيل من المثقفين والكتاب والمؤرخين يعملون على إصلاح ما فسد من روايات وما زُوِّر من تاريخ، يدرك الملايين فيه أن العلاقة مع الجزيرة العربية ليست علاقة انتماء إلى الجامعة العربية فحسب، بل تمتد إلى روابط دم فعلية.
وهو جيل يُؤمَل منه إعادة فهم السياسة وفق الدرس الذي أبهر بورقيبة من الملك عبد العزيز قبل خمسة وسبعين عاماً، حينما فهم وأفهم مضيفه أن مواجهة الكبار حرب طويلة تتطلّب صبراً وحكمة والتقدم خطوة خطوة، وهي السياسة التي تبناها الزعيم التونسي مؤسس دولة الاستقلال في بلاده وسمّاها في خُطبه «سياسة المراحل».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك