في السنوات الأخيرة، شهدت المجتمعات الحديثة تحولاً لافتاً في نظرتها إلى بعض الحيوانات، وعلى رأسها الكلب، حتى تلاشت لدى البعض الحدود الفاصلة بين الإنسان والحيوان في مشهد لم يكن مألوفاً لدى معظم الحضارات القديمة.
وساهمت السينما والإعلام الغربيان في ترسيخ صورة «الكلب الصديق الوفي» بوصفها حقيقة مطلقة، بينما يرى آخرون أن هذه الصورة حجبت جوانب أخرى تتعلق بالتاريخ والسلوك البيولوجي والنظرة الدينية والثقافية لهذا الحيوان.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل الكلب هو حقاً ذلك الصديق الوفي الذي لا مثيل له، أم أن الصورة المعاصرة له تختلف كثيراً عن النظرة التي سادت لدى أمم وحضارات متعددة عبر التاريخ؟
يرى منتقدو الصورة الرومانسية للكلب، أن سلوكه الاجتماعي لا يختلف في جوهره عن سلوك كثير من الحيوانات التي تحكمها الغرائز البيولوجية.
فالكلاب لا تعرف مفاهيم الأسرة أو الزواج أو الأنساب بالمعنى الإنساني، بل تتحرك وفق دوافع التكاثر والبقاء.
ويشير هؤلاء إلى أن أنثى الكلب قد تنجب جراءً من أكثر من ذكر في الحمل الواحد، وأن دور الذكر غالباً ما ينتهي بعد عملية التزاوج، بينما تتحمل الأنثى مسؤولية الرعاية.
كما أن مجموعات الكلاب قد تُظهر سلوكيات عدوانية تجاه الأفراد الضعفاء أو المرضى داخل القطيع، وهي ظواهر يراها البعض دليلاً على أن مفهوم «الوفاء» المنسوب إليها لا ينبغي تفسيره وفق المعايير الأخلاقية البشرية.
ومن أكثر النقاط التي يستند إليها منتقدو تربية الكلاب داخل المنازل ما يتعلق ببعض السلوكيات البيولوجية المعروفة لديها، مثل أكل الجيف أو الفضلات أو العودة إلى أكل القيء في بعض الحالات، وهي سلوكيات موثقة لدى الكلاب وبعض الحيوانات الأخرى.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن هذه السلوكيات تتناقض مع الصورة المثالية التي تُرسم للكلب في الإعلام الحديث، خاصة عند مقارنته بحيوانات أخرى اشتهرت بسلوكيات مرتبطة بالنظافة الذاتية.
حظي الكلب بحضور واضح في النصوص الدينية، لكنه غالباً ما استُخدم في سياقات العبرة أو التشبيه.
ففي القرآن الكريم ورد قوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾، كما ورد ذكره في قصة أصحاب الكهف.
وفي السنة النبوية جاء التشبيه المعروف: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه».
أما في التراث المسيحي، فقد ورد في إنجيل متى: «لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير»، في سياق التحذير من وضع الأشياء المقدسة في غير موضعها.
ويستدل أصحاب هذا الرأي بأن الكلب لم يكن رمزاً للتشريف أو النبل في أغلب هذه السياقات، بل استُخدم غالباً في مواضع الذم أو التحذير أو العبرة.
يذهب بعض الباحثين إلى أن ما يُوصف بوفاء الكلب لا ينبغي فهمه باعتباره قيمة أخلاقية واعية، بل باعتباره نتاجاً لآليات تطورية وسلوكية تشكلت عبر آلاف السنين من الاستئناس والتدجين.
فالكلب يرتبط عادة بمن يوفر له الغذاء والحماية والأمان، ويُظهر مستويات عالية من التعلق والطاعة تجاهه، وهو ما يفسره علماء السلوك الحيواني بوصفه استجابة بيولوجية متطورة أكثر من كونه حكماً أخلاقياً أو موقفاً واعياً.
ومن هنا يرى منتقدو أسطورة «الوفاء المطلق» أن ما يُقدَّم على أنه نبل استثنائي قد يكون في حقيقته شكلاً من أشكال التبعية السلوكية الناتجة عن عملية التدجين الطويلة.
من اللافت أن كلمة «كلب» استُخدمت عبر قرون طويلة كإهانة في كثير من اللغات والثقافات، بينما ارتبطت حيوانات أخرى كالأسد أو الصقر أو الحصان بمعاني القوة أو الشجاعة أو النبل.
ويرى البعض أن هذا الحضور السلبي في الأمثال واللغة الشعبية لم يكن وليد المصادفة، بل جاء انعكاساً لصورة تراكمت تاريخياً حول هذا الحيوان وسلوكه وعلاقته بالإنسان.
ويبقى الجدل حول الكلب واحداً من أكثر الموضوعات إثارة للاختلاف بين الناس.
فبينما يراه فريق رمزاً للوفاء والصداقة، يرى فيه آخرون مثالاً على المبالغة الحديثة في تمجيد بعض الحيوانات وتجاوز الحدود الطبيعية في العلاقة بينها وبين الإنسان.
وربما تكمن الحقيقة في ضرورة النظر إلى الكلب بوصفه حيواناً له خصائصه البيولوجية وسلوكياته الخاصة، بعيداً عن التقديس المفرط أو الشيطنة المطلقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك