شرق السودان بين سؤال المواطنة وتحديات المسارات السياسية: من مطالب التهميش إلى مخاطر الاستقطاب القبلي و شبح الحرب الأهلية (1-3)يعتبر إقليم شرق السودان من أهم الأقاليم السودانية من حيث الموقع الجغرافي والأهمية الاستراتيجية والاقتصادية.
فالإقليم الذي يضم ولايات البحر الأحمر وكسلا والقضارف يمثل البوابة الشرقية للسودان على العالم ويحتضن الميناء البحري الرئيسي للبلاد على ساحل البحر الأحمر الممتد لمئات الكيلومترات.
كما يشكل شريان التجارة الخارجية السودانية إذ تمر عبر مينائه النسبة الأكبر من واردات وصادرات البلاد.
وتبرز أهمية إقليم شرق السودان بصورة أوضح عند النظر إلى مساحته ومقارنته بعدد من الدول حول العالم.
فالإقليم، الذي تبلغ مساحته نحو 110 ألف ميل مربع، يعادل تقريباً مساحة دولة فنلندا، كما يتجاوز مساحة دول ذات ثقل جغرافي وسياسي مثل بولندا وماليزيا والنرويج وسلطنة عمان وسوريا.
ومن ناحية أخرى تزيد مساحته على ضعف مساحة دول مثل تونس وإريتريا واليونان وكوبا والأردن.
ولا تقف المقارنة عند هذا الحد، إذ تفوق مساحة الإقليم مجتمعة مساحة عدد من الدول الأوروبية مجتمعة مثل بلجيكا وهولندا وسويسرا والدنمارك، كما تقترب من مساحة شبه الجزيرة الكورية بشطريها الشمالي والجنوبي.
وتعكس هذه المقارنات حجم الامتداد الجغرافي الهائل الذي يتمتع به الإقليم وما يوفره من فرص كامنة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والنقل والخدمات اللوجستية والتجارة البحرية.
أما من الناحية السكانية، فقد بلغ عدد سكان الإقليم وفق أحدث التقديرات المتاحة قبل موجات النزوح الواسعة التي صاحبت الحرب الأخيرة نحو ستة ملايين نسمة، مقارنة بحوالي 4.
4 مليون نسمة وفق تعداد عام 2008.
ويمثل هذا العدد ما يقارب 12.
5% من إجمالي سكان السودان بحسب التقديرات السكانية الحديثة.
وعند مقارنته بدول العالم، فإن عدد سكان الإقليم يوازي تقريباً مجموع سكان دول مثل جيبوتي والبحرين وقطر مجتمعة، كما يفوق عدد سكان دول مثل إريتريا والكويت والنرويج ونيوزيلندا، ويقترب من تعداد دول مثل الدنمارك وسنغافورة.
وتشير هذه الأرقام مجتمعة إلى حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن شرق السودان ليس مجرد إقليم طرفي أو هامش جغرافي بعيد عن مركز الدولة، بل يمثل وحدة جغرافية وبشرية واقتصادية ضخمة تمتلك مقومات تنموية هائلة.
فالمساحة الشاسعة، والموقع الاستراتيجي والموارد الطبيعية المتنوعة، والكتلة السكانية الكبيرة، جميعها عوامل تؤهله لأن يكون أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية في السودان إذا ما توفرت السياسات الرشيدة والاستثمارات الملائمة والبنية المؤسسية القادرة على توظيف هذه الإمكانات لصالح سكان الإقليم والدولة السودانية على حد سواء.
وعلى الرغم من هذه الأهمية الاستراتيجية ظل شرق السودان لعقود طويلة واحداً من أكثر أقاليم البلاد معاناة من ضعف التنمية والخدمات الأساسية وهو ما خلق مفارقة مؤلمة بين ثراء الموقع الجغرافي وفقر الواقع المعيشي للسكان.
يمثل شعب البجا المكون الاجتماعي الأقدم والأكبر في شرق السودان، ويتوزع على عدد من المجموعات والبطون القبلية المعروفة، من بينها الهدندوة والأمرار والبشاريون والحلنقة والأرتيقة والحباب وبنو عامر والكميلاب والأشراف وغيرها من المكونات الاجتماعية التي ساهمت مجتمعة في تشكيل الهوية التاريخية والثقافية للإقليم.
ومنذ استقلال السودان عام 1956 ظلت قضية التنمية غير المتوازنة حاضرة بقوة في الخطاب السياسي لشرق السودان.
فقد عانى الإقليم من ضعف البنية التحتية وارتفاع معدلات الفقر والأمية، وتدني الخدمات الصحية والتعليمية، مقارنة بما يملكه من موارد وإمكانات اقتصادية كبيرة.
في هذا السياق برز مؤتمر البجا باعتباره أحد أبرز التعبيرات السياسية عن مطالب سكان الإقليم.
وقد ركز خطابه على قضايا التهميش التنموي والاقتصادي والتمثيل السياسي العادل، قبل أن يتبنى لاحقاً خيار الكفاح المسلح ضمن إطار الجبهة الشرقية.
ورغم تبني العمل المسلح، فإن الصراع في شرق السودان ظل أقل حدة مقارنة بالنزاعات التي شهدتها مناطق أخرى من السودان مثل جنوب السودان سابقاً أو إقليم دارفور أو ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.
ولذلك لم يشكل العمل المسلح في الشرق تهديداً وجودياً للدولة السودانية كما حدث في أقاليم أخرى، وظلت المطالب السياسية والتنموية هي العنوان الأبرز للقضية الشرقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك