تصف أعداد كبيرة من الآباء والأمهات اللحظة التي يسمعون فيها تشخيص طفلهم بالتوحد أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بأنها من أصعب لحظات حياتهم.
يشعر بعضهم وكأن الأرض انسحبت من تحت أقدامهم، وآخرون يغادرون عيادة الطبيب مقتنعين بأن هناك خطأ ما في التقييم، أو يعودون إلى منازلهم ويتصرفون كأن شيئا لم يحدث.
ورغم اختلاف ردود الأفعال، يشير متخصصون في الصحة النفسية إلى أن هذه الاستجابات طبيعية ومفهومة، بل موثقة في الأدبيات العلمية كجزء من عملية التكيف مع الخبر الصعب وليست دليلا على ضعف أو تقصير من الأسرة.
list 1 of 4تحذير من مزاعم علاج التوحد بالرنين المغناطسي الإلكترونيlist 2 of 4ثلاث أمهات قطريات يحوّلن الألم إلى أمل ويؤسسن منصة" أهالي التوحد"list 3 of 46 خطوات لإنقاذ زواجك وصحتك النفسية من" ضغوط التوحد"list 4 of 4طفل مصاب بالتوحد يقبّل جده أثناء الصلاة ويحقق ملايين المشاهداتتوضح نماذج الحزن والتكيف النفسي -مثل نموذج كوبلر روس الذي استندت إليه مقالات متخصصة في دعم أسر أطفال التوحد- أن الإنكار يعمل كآلية دفاعية قصيرة الأمد تحمي الإنسان من تحمل العبء العاطفي للتشخيص دفعة واحدة.
وقد يظهر الإنكار في صور متعددة لا ينتبه إليها الوالدان، مثل:البحث عن آراء طبية متكررة أملا في سماع تشخيص مختلف.
تفسير سلوكيات الطفل على أنها شقاوة أو تأخر بسيط في الكلام.
إرجاع ما يحدث إلى سمات عائلية سابقة.
تأجيل التقييمات المتخصصة أو بدء العلاج.
تجنب الحديث عن التشخيص مع العائلة والمحيط الاجتماعي.
وجود هذه السلوكيات لا يعني أن الأسرة ضد مصلحة الطفل، بل يعكس محاولة نفسية لا شعورية لكسب وقت إضافي قبل مواجهة الواقع الجديد بشكل كامل.
حزن لا ينتهي.
عندما يصبح الألم مزمنالا تتوقف القصة عند صدمة التشخيص الأولى.
فبحسب دراسة حديثة نشرتها مجلة علمية تابعة لدار النشر" ساج" عام 2025، يعيش كثير من الآباء حالة توصف في الأدبيات باسم الحزن المزمن (Chronic Sorrow)، وهي حالة لا تشبه الحزن التقليدي الذي يتراجع مع مرور الوقت.
هذا الحزن يرتبط بالفجوة بين الحياة التي تخيلها الوالدان لطفلهما قبل التشخيص، والواقع الجديد الذي يفرض تحديات مختلفة.
وقد يعود الإحساس به بقوة في محطات حياتية محددة، مثل:مشاهدة أقران الطفل يحققون مهارات أو إنجازات اجتماعية لا يزال طفلهم يواجه صعوبة في بلوغها.
في هذه اللحظات قد يشعر الوالدان وكأنهما يعودان إلى نقطة الصدمة الأولى.
يؤكد الباحثون أن هذا الحزن لا يعكس نقصا في الحب، بل العكس تماما، فهو مرتبط بعمق التعلق والأحلام التي نسجها الأبوان لطفلهما منذ لحظة ولادته.
الخسارة الغامضة.
طفل حاضر ومستقبل غائبيشير بعض علماء النفس إلى مفهوم الخسارة الغامضة (Ambiguous Loss) لوصف ما يعيشه آباء الأطفال المصابين بالتوحد.
الطفل موجود بجسده في حضن أسرته، لكن الصورة الذهنية الكاملة لمستقبله تصبح فجأة غامضة أو مختلفة عما كان يتخيله الوالدان.
دراسات حديثة حول هذا المفهوم توضح أن صعوبة هذه الخسارة تكمن في أنها لا تحظى غالبا باعتراف اجتماعي واضح.
فلا يوجد فقدان تقليدي يدفع المحيط إلى تقديم التعزية، وفي الوقت نفسه يعيش الوالدان مشاعر حزن وقلق وأسئلة مفتوحة لا تنتهي.
وتشير الأبحاث إلى أن الأسر لا تمر بمراحل الحزن مرة واحدة، بل قد تعود إليها في كل مرة تواجه فيها حدثا يدل على أن مسار نمو طفلها يسير في طريق مختلف عن أقرانه.
أرقام ثقيلة على أكتاف الأسرمراجعة منهجية حديثة في المجلة الدولية للإعاقات النمائية عام 2024، استندت إلى تحليلات عدد من الدراسات، وجدت أن أكثر المشاعر شيوعا لدى الآباء والأمهات بعد تشخيص أطفالهم بالتوحد تشمل الصدمة والإنكار والخوف والذنب والغضب والحزن.
كما أشارت المراجعة إلى أن:معدلات القلق لدى الوالدين قد تصل إلى نحو ثلث الأسر.
معدلات الاكتئاب تقترب من النسبة نفسها.
الأمهات غالبا ما يعانين مستويات أعلى من الحزن خصوصا في الفترة الأولى بعد التشخيص.
وأكد عدد كبير من المشاركين في هذه الدراسات أنهم لم يحصلوا على دعم نفسي أو معلوماتي كاف خلال هذه المرحلة الحساسة، وهي نتيجة دعمتها أبحاث صدرت لاحقا في دوريات علمية تابعة لمؤسسة نيتشر.
الأب والأم.
مساران مختلفان نحو التقبلتلفت الدراسات إلى تمايز واضح بين طريقة تعاطي الأمهات والآباء مع الصدمة الأولى ثم مسار التكيف.
الأمهات غالبا ما يعبّرن عن مشاعرهن بوضوح أكبر، ويتجهن إلى البحث المكثف عن المعلومات وقراءة المقالات العلمية والتواصل مع المتخصصين ومجموعات الدعم، وهو ما يمنحهن فهما أوسع لكنه قد يضع بعضهن في دائرة القلق المستمر.
كثير من الآباء يميلون إلى التعبير غير المباشر عن مشاعرهم، فقد يضاعفون ساعات العمل أو يتجنبون الحديث عن التشخيص أو يركزون على الحلول العملية والخطط طويلة الأمد كوسيلة للهروب من المواجهة العاطفية.
ينبه الباحثون إلى أن كلا النمطين يمثل استجابات بشرية طبيعية وليس مقياسا للحب أو الالتزام، وأن كلا الوالدين يحتاج إلى مساحة آمنة وزمن كاف لاستيعاب ما يحدث بطريقة تناسبه.
متى يتحول الإنكار إلى خطر على الطفلرغم أن الإنكار في بدايته قد يحمي الوالدين من الانهيار، فإنه يتحول إلى مشكلة عندما يطول زمنه أو يمنع الأسرة من اتخاذ خطوات عملية.
الخطر يبدأ عندما يؤدي الإنكار إلى:تأخير التقييمات المتخصصة.
رفض التشخيص بشكل قاطع رغم مؤشرات واضحة.
تأجيل بدء برامج التدخل أو رفضها.
حرمان الطفل من حقوقه التعليمية والدعم المبكر.
يركز المختصون في التربية الخاصة والتدخل المبكر على أن الأشهر الأولى بعد التشخيص تعد نافذة زمنية شديدة الأهمية، فكل شهر يمر من دون دعم مناسب قد يقلل من فرص الطفل في الاستفادة القصوى من البرامج العلاجية والتعليمية المتاحة في سنواته الأولى.
من الاعتراف بالمشاعر إلى خطوة التدخل الأولالحديث عن الصدمة والإنكار والحزن المزمن لا يهدف إلى إضافة عبء جديد على الأسر، بل إلى طمأنتهم أن ما يشعرون به مفهوم ومشترك بين أعداد كبيرة من الآباء والأمهات حول العالم، وأنهم ليسوا وحدهم في هذه الرحلة.
وتشير خبرات المتخصصين إلى أن خطوة بسيطة مثل الاعتراف بالمشاعر أمام الطبيب أو المتخصص قد تكون نقطة تحول.
جملة مباشرة من قبيل" أنا لا أزال غير متأكد من التشخيص وأحتاج أن أفهم أكثر" يمكن أن تفتح حوارا يوضح الصورة، ويمنح الأسرة معلومات أدق حول ما يعنيه التشخيص فعلا، وما الخيارات المتاحة للتدخل المبكر، وكيف يمكن دعم الطفل من دون تجاهل مشاعر الحزن والخوف لدى الوالدين.
بهذه الطريقة يتحول الإنكار من جدار صامت يعيق الحركة إلى نقطة بداية لرحلة أكثر وعيا، يكون فيها الطفل والأسرة معا محور الاهتمام والدعم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك