الشريعة الإسلامية شريعةٌ غراء، جامعة مانعة، تكفل الله بحفظها فحفظ أصولها وفروعها، وقيد الله لها في كل عصرٍ رجالاً نذروا أنفسهم لخدمة دينهم، فكانوا مناراتٍ للسالكين وأدلةً للحائرين.
ولعل من أبرز هؤلاء الأعلام الذين سطع نجمهم في سماء العلم والمعرفة، الإمام العلامة، المحقق والقدوة، أبو محمد القاسم بن فِيرُّهْ بن أحمد الشاطبي الرُّعَيني، صاحب الإمامة المطلقة في القراءات عبر منظومته الشهيرة" حرز الأماني ووجه التهاني" الشاطبية.
لقد عاش الإمام الشاطبي في حقبةٍ زمنيةٍ حرجة من تاريخ الأندلس، حيث كثرت فيها الفتن، وتصارعت الأهواء، وبرزت البدع، إلا أن عناية الله حفظت هذا الإمام فجعلت منه مجدداً حقيقياً لا يكتفي بنقل العلم، بل يغوص في أعماقه ويستخرج درره ومقاصده.
أحدث الإمام الشاطبي نقلةً نوعية في فهم النصوص الشرعية، حيث انتقل بالأمة من الفهم الحرفي للنصوص إلى فهم عللها ومقاصدها وغاياتها، فكان بذلك مؤسساً حقيقياً لعلم المقاصد، ومدافعاً صلباً عن السنة النبوية والمنهج النبوي الأصيل.
لم يكن الشاطبي مجرد فقيهٍ أصولي، بل كان بحراً زاخراً في علوم القرآن الكريم واللغة والحديث، وقد تجلى ذلك بوضوح في منظومته الشاطبية، التي تلقاها العلماء بالقبول الحسن في سائر الأمصار، واعتنوا بها أعظم عناية، فهي ليست مجرد قصيدة لجمع القراءات، بل هي تحفةٌ بيانية، ولغوية، وعقدية، تفيض بالتوجيهات والنصائح القيمة لطلاب العلم.
إن المتأمل في مسيرة هذا الإمام وتراثه، يدرك تماماً أن العظمة لا تأتي من فراغ، بل هي ثمرة الإخلاص، والتبتل في محراب العلم، والورع، والزهد، فما زالت كتبه ومؤلفاته تضيء دروب طلبة العلم، وتُعد مرجعاً لا غنى عنه لكل باحث ومجتهد ومصلح، ليغوص في أعماق فكر الإمام الشاطبي، ويسلط الضوء على حياته، ومنهجه، وآرائه الأصولية والمقاصدية، ونضع بين يدي القارئ الكريم دراسةً تحليليةً وافية، تقرب إليه هذا التراث العظيم، وتبرز مدى حاجة الأمة اليوم في ظل التحديات المعاصرة إلى الفهم الشاطبي الرصين لدينها و شريعتها.
ولد الإمام الشاطبي في مدينة شاطبة الساحلية شرق الأندلس أواخر عام 538هـ/ 1143م، فَقَد بصره في صغره، غير أن هذا لم يمنعه من الإقبال على العلم، فتكفلت به أسرته وعُنيت بتعليمه، حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وتلقى مبادئ الفقه والحديث، ثم اتجه بشغف إلى دراسة علم القراءات، وتميز بذكائه الحاد وقوة ذاكرته حتى قيل إنه كان يحفظ من العلوم ما يُعادل" وقر بعير".
بدأ مسيرته العلمية في مساجد شاطبة، ثم شد الرحال إلى مدينة بلنسية، التي كانت من أهم حواضر العلم في الأندلس؛ ليأخذ العلم عن كبار علمائها مثل أبي الحسن بن هذيل وأبي العاص النفزي، بعد أن تبحر في علوم عصره، خرج في رحلة شرقية قاصداً مصر، وهناك استقر به المقام.
أهم المواقف في حياته قدومه إلى مصر واحتفاء العلماء به عند وصوله مصر، لفت انتباه القاضي الفاضل" عبد الرحيم البيساني" الذي أدرك عظيم قدره، فأنزله في مدرسته في" درب ملوخية" بالقاهرة وعيّنه شيخاً لها، وقد توافد عليه الطلاب من كل حدب وصوب للاستفادة من علمه.
الإخلاص ونكران الذات: اشتهر الشاطبي بزهده وتقشفه وابتعاده عن مظاهر الشهرة، عُرف عنه قلة الكلام، ورغبته العارمة في خدمة كتاب الله دون التطلع للمكاسب الدنيوية، حتى أنه كرس شعره ونظمه لخدمة القرآن الكريم لا للمدح أو الشعر الدنيوي.
لم يكثر الإمام الشاطبي من التأليف، ولكنه عُرف بجودة التصنيف والاعتماد على أصول الاستقراء، ومن أشهر ما خلّف من مؤلفات:1- حرز الأماني ووجه التهاني" الشاطبية"، وهي قصيدة لامية شهيرة نظم فيها كتاب" التيسير" في القراءات السبع، وتعد عمدة القراء إلى يومنا هذا.
2- عقيلة أتراب القصائد، وهي منظومة في علم رسم المصحف الرسم العثماني.
3- ناظمة الزهر، وهي قصيدة اختصر فيها كتاب" البيان" في علم عدّ الآي.
4- الإفادات والإنشادات، وهو كتاب يضم فنون من الأدب والمواعظ والإنشادات.
توفي الإمام الشاطبي في القاهرة يوم 28 جمادى الآخرة سنة 590هـ/ 1194م ودُفن في مقابر القرافة وتحديداً عند سفح جبل المقطم، وما زال ضريره معروفاً ويقصده الزوار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك