اعتاد وزير الداخلية على الالتقاء مع رؤساء ومسؤولي المآتم بمناسبة الاستعداد لموسم عاشوراء، في نهج يعكس حرص المملكة على ترسيخ النهج البحريني في حماية حرية ممارسة الشعائر الدينية، هذا النهج الذي تتوارثه الأجيال في تلك الأمة التي قامت على التعايش والتسامح الديني والمذهبي طوال تاريخها.
اللقاء هذا العام يأتي في ظرفية زمنية استثنائية في ظل الظروف الإقليمية المعقدة، التي يحاول البعض من خلالها استغلال المناسبات الدينية لأغراض سياسية أو ارتباطات خارجية تعكر صفو التعايش البحريني، لذا جاءت كلمة معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية بمثابة رسالة سياسية وأمنية واجتماعية متكاملة، ترتكز على تعزيز الولاء الوطني.
ولعل أبرز ما جاء في الكلمة هو أهمية الفصل بين الشعائر الدينية والمشاريع السياسية، من خلال تأكيد أن «ولاية الفقيه» هو مشروع سياسي مغلف بغطاء ديني، في إشارة واضحة إلى التمييز الواضح بين الشعائر الحسينية المتجذرة في المجتمع البحريني ومشروع «ولاية الفقيه»، مع التشديد على ترسيخ فكرة أن الدولة لا تعارض ممارسة الشعائر الدينية أو إحياء موسم عاشوراء، بل ترفض توظيف المناسبة لخدمة أجندات سياسية خارجية أو ولاءات تتجاوز حدود الدولة الوطنية، من خلال الإشارة إلى أن «عزاء الولي الفقيه محظور ويُحاسب عليه».
إنَّ إحياء موسم عاشوراء كان ولا يزال من الشعائر الدينية التقليدية التي عرفتها البحرين تاريخيًّا، وكان سابقًا لمشروع «ولاية الفقيه» الذي حاولت إيران وأذنابها ترويجه منذ وصول الخميني وأتباعه إلى سدة الحكم في إيران في سبعينيات القرن الماضي، وحاولوا طوال هذه السنوات اختطاف المذهب الشيعي لخدمة مشروعهم السياسي.
وحرص وزير الداخلية على إطلاع رؤساء المآتم على مستجدات قضية التنظيم الأكبر المرتبط بولاية الفقيه، تجسيدا لحماية الهوية الوطنية في مواجهة النفوذ الخارجي، من خلال فضح محاولات «الامتداد الإيراني باسم الدين»؛ حرصا على تأكيد قيام المآتم بالاضطلاع بدورها في حماية روادها من منطلق أن رسالتها ليست دينية فحسب، ولكنها فكرية وثقافية وتوعوية، من خلال الحرص على تأصيل الهوية البحرينية في نفوس أبناء الوطن.
وتكشف هذه الرسالة عن رؤية الدولة بأن المواجهة ليست فقط مع أفراد أو تنظيمات، وإنما مع مشروع يسعى إلى خلق ما سماه الوزير «الوطنية الموازية»؛ أي ولاءات سياسية وعقائدية تتجاوز الانتماء الوطني.
ولذلك ركز الخطاب على مفاهيم السيادة ووحدة الولاء للدولة ورفض ازدواجية الانتماء السياسي.
في الجانب التنظيمي، حملت الكلمة طمأنة واضحة بشأن استمرار إقامة الشعائر الحسينية، إذ أكد الوزير أن الدولة تحمي وتدعم ممارسة الشعائر الدينية المكفولة قانونًا، وأن الهدف من الإجراءات التنظيمية هو ضمان الأمن والسلامة العامة وليس تقييد الممارسة الدينية، وهو ما يعكس توجه الدولة نحو إبقاء الموسم في إطاره الديني والحضاري بعيدًا عن التوترات السياسية والإقليمية.
في الوقت نفسه إن ما استمعنا إليه من مداخلات رؤساء المآتم يعكس الرغبة المشتركة بين الجانبين على أن يبقى موسم عاشوراء في البحرين مناسبة دينية واجتماعية جامعة، وأنَّ نجاحه يرتبط باستمرار التعاون بين المجتمع والدولة، من خلال التمسك بالطقوس الدينية المتوارثة، والحفاظ على السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي، والالتزام بالقوانين والتعليمات المنظمة للموسم.
هذا اللقاء يؤكد الحرص على الحفاظ على قدسية عاشوراء واستمرار أجوائها الروحية وتعزيز الوحدة الوطنية وإبعاد المناسبة عن الصراعات والتجاذبات الإقليمية.
ومن هنا فإن الرسالة الأهم في هذا اللقاء تتجاوز تنظيم موسم عاشوراء إلى ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، التي تضمن الحقوق والحريات الدينية لجميع مواطنيها، وفي الوقت ذاته تحمي سيادتها واستقرارها من أي محاولات للتدخل أو التأثير الخارجي.
إقرأ أيضا لـ" أنـــور عبدالرحمــــــن".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك