من أكثر العوائق الفكرية التي تواجه الثقافة العربية في المجال الاجتماعي والسياسي، هي ما يمكن أن يسمى سيطرة (التفكير الثنائي) على جزء واسع من وعينا العام.
فالأمور تقدم غالباً في صورة خيارين لا ثالث لهما:إما أن تكون معي بالكامل، أو أنك ضدي بالكامل.
إما صديقي أو عدوي، إما الولاء المطلق، أو العداء المطلق.
وكأن الحياة لا تعرف إلا اللونين الأبيض والأسود، ولا تعترف بما بينهما من درجات متعددة، والواقع الإنساني مختلف تماماً فيه إمكانية التصالح مع بعض ما يقوله الآخر، أو الاختلاف مع بعض ما يقوله، أما تصنيف الآخرين بشكل مطلق، فهو الخطأ الأكبر.
هذه الثنائية لا تقتصر على السياسة وحدها، بل تمتد إلى الدين والثقافة والاجتماع، وحتى العلاقات الشخصية، فمنذ مراحل مبكرة في التعليم، يتلقى البعض رسائل مباشرة أو غير مباشرة، تصور المختلف باعتباره خصماً محتملاً أو تهديداً قائماً.
المختلف في الرأي أو المذهب أو الثقافة، أو حتى في بعض أنماط الحياة، يتحول بسهولة إلى موضوع للريبة والحذر، بدلاً من أن يكون شريكاً في الحوار، أو جزءاً طبيعياً من التنوع الإنساني.
هذه الثنائية ليست جديدة، فقد عرفتها مجتمعات كثيرة في التاريخ، إلا أن المجتمعات التي نجحت في التطور، استطاعت مع الزمن أن تبني مؤسسات، وتصدر قوانين، وتخلق آليات تسمح بوجود مساحات بين الأبيض والأسود، أما المجتمعات التي بقيت أسرى الثنائية، غالباً ما تجد نفسها في حالة صراع دائم، لأن كل اختلاف يتحول إلى معركة.
واللافت أن هذه النظرة لا تنسجم مع حقائق التاريخ، ولا مع طبيعة المجتمعات الحديثة.
فحتى الدعوات الكبرى التي غيرت مسار التاريخ، لم تواجه مجتمعاتها بخيارين متقابلين، كانت هناك دائماً مناطق رمادية ومواقف متدرجة، وأشخاص يتفقون في جانب، ويختلفون في جانب آخر.
وكانت هناك تسويات ومراجعات وحلول وسطى، ساهمت في استقرار المجتمعات وتقدمها.
في عالم اليوم، أصبحت إدارة الاختلاف مهارة أساسية من مهارات النجاح الوطني.
فالمجتمعات التي استطاعت تحقيق التنمية والاستقرار، لم تفعل ذلك لأنها ألغت الخلافات، بل لأنها تعلمت كيف تديرها.
أدركت أن الاتفاق الكامل بين البشر مستحيل، وأن الحكمة لا تكمن في إزالة التباين، بل في تنظيمه، وتحويله إلى مصدر قوة وإبداع، بدلاً من أن يكون سبباً للصراع الدائم.
الثقافة الثنائية تجعل الحوار صعباً.
فعندما ينظر كل طرف إلى الآخر باعتباره خصماً وجودياً، يصبح الاستماع إليه نوعاً من التنازل، ويصبح البحث عن أرضية مشتركة ضرباً من الضعف.
ومع مرور الوقت، تتحول الساحة العامة إلى مساحة للاتهامات المتبادلة، بدلاً من أن تكون مساحة لتبادل الأفكار.
وهنا تضيع الفرص، وتتراكم الأزمات، وتزداد الفجوة بين الواقع ومتطلبات التنمية.
والواقع يقدم لنا درساً مختلفاً تماماً.
فالبشر يتعاملون يومياً مع أشخاص يختلفون معهم في بعض القضايا، ويتفقون معهم في قضايا أخرى.
والدول الناجحة نفسها تبني علاقاتها الخارجية على المصالح المشتركة، رغم وجود خلافات كبيرة أحياناً، فلا أحد يشترط التطابق الكامل من أجل التعاون، ولا أحد يلغي الآخر لمجرد الاختلاف معه.
إن التقدم الحقيقي يبدأ عندما نعترف بأن بين الصديق والعدو مساحات واسعة من الحلول الوسطى، وبين الاتفاق والخلاف درجات متعددة من الاستجابة، وبين القبول والرفض خيارات كثيرة.
كما يبدأ عندما نتعلم احترام قناعات الآخرين، دون أن نتخلى عن قناعاتنا، وعندما نبحث عن المشتركات، بدلاً من الانشغال الدائم بتعظيم الفوارق.
أهم معارك الإصلاح الفكري في عالمنا العربي، ليست معركة ضد الآخر، بل معركة ضد هذه الثنائية الجامدة، التي تختزل العالم في خيارين متناقضين.
فطالما بقينا أسرى منطق «معي أو ضدي»، سنظل نحارب طواحين الهواء، بينما يتحرك العالم من حولنا نحو مزيد من العقلانية والتعددية، والقدرة على التعايش مع الاختلاف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك