أعادت الزيارة التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى جزيرة أرواد، أمس الأحد، تسليط الضوء على واحدة من أهم المناطق التاريخية والسياحية في سوريا، بعدما أعلن أن الجزيرة ستكون جزءاً أساسياً من خطط تنشيط الاقتصاد الوطني وإطلاق مشاريع استثمارية جديدة على الساحل السوري.
وخلال جولته في عدد من المواقع السياحية والتراثية ضمن فعاليات موسم طرطوس السياحي، أكد الشرع أن أرواد تمتلك مقومات اقتصادية وسياحية كبيرة، مشيراً إلى أن الحكومة تنظر إليها باعتبارها منصة واعدة لإطلاق مشاريع تنموية من شأنها توفير فرص عمل وتحريك النشاط الاقتصادي في المنطقة الساحلية.
وقال الشرع في تصريح" للإخبارية السورية" إن زيارته تأتي لتأكيد اهتمام الدولة بإعادة تنشيط الاقتصاد السوري من خلال الاستثمار في الموارد المتاحة على الساحل، مضيفاً أن المرحلة المقبلة ستشهد مشاريع جديدة تستهدف تحسين الواقع الخدمي والتنموي وخلق فرص عمل لأبناء المنطقة.
الجزيرة الوحيدة المأهولة في سورياتحتل أرواد مكانة استثنائية على الخريطة السورية، فهي الجزيرة الوحيدة المأهولة بالسكان على الساحل السوري، وتقع على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من ساحل مدينة طرطوس، وتبلغ مساحتها نحو 20 هكتاراً، في حين لا تتجاوز المساحة المأهولة منها 13.
5 هكتاراً.
ورغم مساحتها الصغيرة، تضم الجزيرة مجتمعاً متكاملاً يعتمد على أنشطة اقتصادية مرتبطة بالبحر، وفي مقدمتها الصيد وصناعة السفن والحرف التقليدية، إلى جانب قطاع السياحة الذي يشهد نمواً تدريجياً خلال السنوات الأخيرة.
وتتميز أرواد بطابع عمراني مختلف عن سائر المدن السورية، إذ تخلو من السيارات والطرق المخصصة للمركبات، ويعتمد سكانها وزوارها على التنقل سيراً على الأقدام عبر أزقة حجرية ضيقة حافظت على طابعها التاريخي، الأمر الذي يمنحها خصوصية سياحية وتراثية فريدة.
موقع استراتيجي وتاريخ بحري عريقلا تنبع أهمية أرواد من كونها الجزيرة المأهولة الوحيدة في سوريا فحسب، بل من موقعها الذي جعلها عبر التاريخ إحدى أبرز المدن البحرية في شرق البحر المتوسط.
وتشير وثائق منظمة اليونسكو إلى أن الجزيرة كانت مركزاً مهماً للتجارة والملاحة البحرية منذ آلاف السنين، واستفادت من موقعها بين طرق التجارة التي ربطت آسيا الصغرى وقبرص ومصر وجزر بحر إيجه، كما امتلكت ميناءً طبيعياً وفر لها دوراً تجارياً وعسكرياً بارزاً عبر العصور.
وتعود جذور الاستيطان في أرواد إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، عندما ازدهرت كمملكة فينيقية بحرية نافست الممالك الساحلية الأخرى.
وقد ورد ذكرها في العديد من النقوش والوثائق التاريخية القديمة، واشتهرت بأساطيلها التجارية والعسكرية التي جابت أنحاء البحر المتوسط.
وخلال العصور الوسطى، تحولت الجزيرة إلى نقطة استراتيجية مهمة على الساحل السوري، فسيطر عليها الصليبيون وشيدوا فيها تحصينات وقلاعاً عسكرية، قبل أن يستعيدها المماليك مطلع القرن الرابع عشر الميلادي.
ولا تزال آثار تلك المراحل التاريخية حاضرة في القلاع والأسوار والمباني القديمة التي تنتشر في الجزيرة حتى اليوم.
ارتبطت حياة سكان أرواد بالبحر على مدى قرون طويلة، ولا يزال الصيد البحري يمثل النشاط الاقتصادي الرئيسي لمعظم العائلات في الجزيرة.
وتشتهر أرواد كذلك بصناعة السفن الخشبية التقليدية، وهي حرفة متوارثة منذ العهد الفينيقي وما تزال قائمة حتى اليوم.
وتشير المراجع التاريخية إلى أن الجزيرة تعد من آخر المراكز التقليدية لصناعة القوارب الخشبية في سوريا، حيث تنتج ورشها الصغيرة مراكب الصيد والقوارب البحرية التي يقصدها زبائن من مختلف المناطق الساحلية.
كما تشكل الصناعات اليدوية المرتبطة بالبحر، مثل المشغولات المصنوعة من الأصداف البحرية، مورداً إضافياً للدخل المحلي، إلى جانب المطاعم والمنشآت السياحية الصغيرة التي تستقبل الزوار خلال موسم الصيف.
وخلال السنوات الأخيرة، بدأت السياحة تلعب دوراً متزايداً في الاقتصاد المحلي، مع ازدياد أعداد الزوار الراغبين في استكشاف الجزيرة القديمة والتعرف إلى تاريخها البحري والاستمتاع بأجوائها الهادئة وإطلالاتها البحرية المميزة.
رهان حكومي على الاقتصاد والسياحةتراهن الحكومة السورية على تحويل جزيرة أرواد إلى مركز سياحي واستثماري بارز ضمن خطط أوسع لإعادة تنشيط الاقتصاد في الساحل السوري واستثمار المقومات الطبيعية والتاريخية التي تتمتع بها الجزيرة.
وتشمل المشاريع المطروحة تطوير المرافئ وتحسين البنية التحتية البحرية، إلى جانب ترميم المواقع الأثرية وإقامة مرافق سياحية وخدمية جديدة تستهدف استقطاب الزوار والمستثمرين.
وفي هذا الإطار، افتُتح في أيار الماضي" ميناء الطاحونة" الذي يربط الجزيرة بمدينة طرطوس، في خطوة تهدف إلى تعزيز حركة النقل البحري وتسهيل تنقل السكان والزوار، بما يسهم في دعم النشاط الاقتصادي والسياحي في الجزيرة.
ويرى الباحث الاقتصادي في مركز جسور للدراسات، عبدالعظيم المغربل، أن أهمية أرواد الاقتصادية لا تنبع فقط من كونها وجهة سياحية جذابة، بل من كونها أحد الأصول النادرة في الاقتصاد السوري.
ويقول في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إن الجزيرة تتميز بكونها مأهولة بالسكان وتحمل هوية تاريخية وبحرية متجذرة، فضلاً عن قربها من مدينة ومرفأ طرطوس، ما يمنحها مزايا استثنائية يصعب تكرارها في مواقع أخرى.
ويضيف المغربل أن هذا النوع من المواقع يمكن أن يتحول، إذا أُدير وفق رؤية تنموية واضحة، إلى نقطة جذب للسياحة الداخلية والخارجية على حد سواء، فضلاً عن استقطاب الاستثمارات في قطاعات الضيافة والمطاعم والنقل البحري والصناعات التراثية وسياحة الرحلات اليومية.
ويؤكد أن تطوير الجزيرة لا يقتصر أثره على أرواد نفسها، بل يمتد إلى مدينة طرطوس والساحل السوري عموماً، من خلال خلق سلسلة واسعة من فرص العمل في مجالات النقل البحري والصيد والإرشاد السياحي والمطاعم والحرف التقليدية وخدمات الصيانة والتسويق وإدارة المرافق السياحية.
على الرغم من المقومات السياحية والاقتصادية التي تتمتع بها جزيرة أرواد، فإن تحويلها إلى وجهة استثمارية متكاملة يتطلب معالجة مجموعة من التحديات المرتبطة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية.
فالجزيرة ذات مساحة محدودة وتعتمد بصورة شبه كاملة على النقل البحري في حركة الأفراد والبضائع، ما يجعل أي توسع سياحي أو استثماري مستقبلي مرتبطاً بتطوير المرافئ وشبكات النقل والخدمات العامة.
وفي هذا السياق، يرى الباحث عبد العظيم المغربل، أن جزيرة أرواد تمتلك ميزتين استثنائيتين تمنحانها أفضلية استثمارية واضحة، تتمثلان في الندرة والموقع.
ويوضح في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الجزيرة تعد الحالة الوحيدة تقريباً لجزيرة سورية مأهولة بالسكان وتحمل هوية بحرية وتاريخية متكاملة، في حين يمنحها قربها من مدينة ومرفأ طرطوس ميزة إضافية تجعل تطويرها أقل تكلفة مقارنة بالمناطق السياحية البعيدة أو المعزولة.
ويشير المغربل إلى أن هذه المعطيات تتيح إمكانية بناء نموذج استثماري متدرج ومستدام يقوم على مشاريع سياحية وخدمية متوسطة الحجم، مثل بيوت الضيافة والفنادق الصغيرة والمطاعم البحرية ومرافئ القوارب المنظمة، إلى جانب المسارات التراثية والأسواق المخصصة للحرف والصناعات التقليدية، بما ينسجم مع طبيعة الجزيرة وقدرتها الاستيعابية.
ويؤكد أن نجاح هذا النموذج من شأنه أن يحقق عوائد اقتصادية تتجاوز حدود الجزيرة نفسها، عبر تنشيط قطاعات النقل والخدمات والسياحة في مدينة طرطوس والساحل السوري عموماً، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الهوية التاريخية والثقافية لأرواد.
وفي حين تراهن الحكومة السورية على تحويل الجزيرة إلى مركز جذب سياحي واستثماري على الساحل، يترقب سكان أرواد أن تنعكس الخطط والمشاريع المعلنة على واقعهم المعيشي من خلال توفير فرص عمل جديدة وتحسين مستوى الخدمات والبنية التحتية، بما يعيد للجزيرة جزءاً من دورها التاريخي كمركز بحري وتجاري بارز في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك