كشف تقرير لمنصة" أكسيوس" عن أزمة هيكلية صامتة تتستر عليها أدوات الذكاء الاصطناعي في سوق العمل في الولايات المتحدة؛ حيث يستخدم ملايين الموظفين هذه التقنيات لإخفاء ضعف مهاراتهم الأساسية في القراءة والكتابة والحساب.
وأوضح التقرير أن هذا الاعتماد المفرط أو ما يسمى بظاهرة تُعرف بـ" الاستسلام المعرفي" يمنح العمالة قدرة مصطنعة على إنتاج تقارير ومهام تبدو احترافية على السطح، دون استيعاب مضمونها الحقيقي، مما ينذر بنشوء قوة عاملة هشة وعاجزة عن اتخاذ القرارات أو حل المشكلات المعقدة عند غياب الدعم التقني، مسبباً عبئاً غير مرئي وتأثيرات سلبية على الإنتاجية الاقتصادية الشاملة أشبه بأزمة صامتة.
تفاصيل الأزمة وعمقها الاقتصاديأفاد خبراء اقتصاد ومحللو سوق العمل بأن مستويات القراءة المتدنية للبالغين تتحول تدريجياً إلى كُلفة مالية باهظة على قطاع الأعمال.
وتكمن خطورة أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية في قدرتها على قمع الفجوات المعرفية العميقة للكوادر البشرية، بحيث لا تظهر هذه العيوب إلى العلن إلا عند مواجهة مواقف تتطلب تقييماً بشرياً، أو إيجاد حلول لأزمات تشغيلية، أو مراجعة مدى صحة الإجابات التلقائية التي تولدها الآلة.
ويحذر باحثون من ظاهرة تُعرف بـ" الاستسلام المعرفي" (Cognitive Surrender)، والتي تُعرّف بأنها انقياد الموظفين الأعمى لمخرجات التكنولوجيا وتفويضها بالكامل دون تدقيق، مما يجعل الهيكل التشغيلي للمؤسسات عرضة للاهتزاز أمام أي اضطرابات مفاجئة.
لغة الأرقام: حجم المعضلة بالأدلةاستند التقرير إلى حزمة من الإحصائيات الصادمة التي تعكس واقع المهارات في أميركا:أزمة القراءة: نحو 130 مليون بالغ أميركي يقرؤون بمستوى أدنى من الصف السادس الابتدائي، وفقاً لتقديرات محو أمية البالغين.
الأمية الحسابية والقرائية: تشير منظمة (ProLiteracy) إلى أن 43 مليون بالغ لا يمتلكون القدرة على القراءة أو الكتابة أو إجراء الحسابات البسيطة بمستوى يتعدى الصف الثالث الابتدائي.
المتطلبات الرقمية: في المقابل، أكدت" شارون بوني"، الرئيس التنفيذي للتحالف الوطني لتعليم البالغين الأساسي (COABE)، أن أكثر من 90% من الوظائف الحالية باتت تشترط الإلمام بالتعامل مع الحاسوب.
رصد الخلل في بيئة العمل اليوميةأوضح التقرير أن مظاهر ضعف المهارات تتجلى يومياً في صياغة المراسلات الإلكترونية، وتتبع إرشادات السلامة، وفهم مواد التدريب، بالإضافة إلى تعبئة نماذج المزايا الصحية والوظائف التي تعتمد على العمليات الحسابية.
ونقلت منصة" أكسيوس" عن" بوني" قولها إن برامج تعليم البالغين تستقبل أعداداً هائلة من الباحثين عن فرص عمل أفضل، لكنهم يصطدمون بافتقارهم للمبادئ المعرفية الأساسية أو المهارات الرقمية التي تؤهلهم لدخول برامج التدريب المهني أو الكليات المجتمعية، مضيفة: " إذا كان العامل لا يجيد القراءة والكتابة أو استخدام الحاسوب، فإن فرصه في الاستقرار الوظيفي تصبح شبه منعدمة".
وفي سياق متصل، ذكر ستيفن ريدر، الأستاذ الفخري للغويات التطبيقية بجامعة بورتلاند الحكومية، أن الأثر الصافي لطفرة الذكاء الاصطناعي سيعزز في نهاية المطاف من حاجة السوق إلى موظفين يمتلكون مستويات عليا من المهارات البشرية الأساسية وليس العكس.
ومن جانبها، وصفت أماندا بيرغسون-شيلكوك، الزميلة البارزة في" التحالف الوطني للمهارات"، الاعتماد التكنولوجي الحالي بأنه" ضوء تحذيري أحمر" يكشف عمق أزمة التعليم والتدريب.
وعلى الرغم من وجود مفارقة تتمثل في انتعاش مبيعات الكتب ونمو المكتبات المستقلة وسلاسل مثل" بارنز آند نوبل" في أميؤكا، إلا أن البروفيسور" ريدر" يرى أن الشراء لا يعكس بالضرورة نمو المهارات؛ حيث يتسع الشرخ حالياً بين فئة تمارس القراءة بعمق يومياً وفئة أخرى تدنت مهاراتها ونسب استخدامها لتلك المهارات بشكل حاد، لا سيما في القاع المعرفي لسوق العمل.
كواليس" العبء الخفي" والإنتاجيةتاريخياً، نجح الموظفون في التستر على ضعف مهاراتهم عبر الاستعانة بالعائلة أو تجنب المهام المكتوبة والاعتماد على زملائهم.
بيد أن بيرغسون-شيلكوك تؤكد أن الذكاء الاصطناعي سرّع من وتيرة هذا الاختباء، خالقاً ما وصفته بـ" العبء غير المرئي على الإنتاجية"؛ وهو تراجع نوعي لا تلتقطه لغة الأرقام والبيانات السنوية مباشرة، لكنه يتسبب في إبطاء وتيرة عمل الفرق، وتزداد خطورته عندما يمتد ضعف المهارات إلى فئة المشرفين والمديرين، مما يؤثر على الامتثال للمعايير المؤسسية.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أنه على الرغم من مساعدة الذكاء الاصطناعي للموظفين على مواكبة التدفق اليومي للأعمال، إلا أنه يرفع من مخاطر صياغة مخرجات يجهل أصحابها جوهرها العلمي.
وشبّه الخبراء هذه الحالة بالآلات الحاسبة التي سهّلت الرياضيات لكنها لم تُلغِ قط حاجة المهندسين أو المحاسبين لفهم طبيعة المسائل المراد حلها، مؤكدين على القاعدة الاقتصادية الثابتة: " في بيئة العمل.
يتعين عليك دائماً أن تكون مدركاً وفاهماً لما تفعله".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك