غير أن المشهد سرعان ما انقلب بصورة دراماتيكية مع تنفيذ إسرائيل غارات على الضاحية الجنوبية هي الأولى منذ إعلان وقف إطلاق النار وبعد انطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في واشنطن.
ومع دعوة ترامب إلى مواصلة ما وصفها بـ" الضربات الجراحية" ضد حزب الله، عاد التصعيد العسكري ليفرض نفسه بقوة، فاتحاً الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن مستقبل المفاوضات وفرص الاستقرار على الجبهة اللبنانية.
لبنان بقي جزءا من مسرح الصراع الإقليمييرى الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي خلال حديثه إلى غرفة الاخبار على سكاي نيوز عربية أن التطورات الأخيرة تعكس حالة من" الاستعصاء السياسي" الذي يقود بطبيعته إلى أفعال عسكرية على الأرض، معتبراً أن كل انسداد سياسي يقابله رد فعل ميداني.
ويشير العزاوي إلى أن حزب الله لا يمكن فصله، وفق قراءته، عن البنية العملياتية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، موضحا أن طبيعة الصراع الجاري يجب فهمها ضمن إطار أوسع يتعلق بالمسارح العملياتية التي شهدتها المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
ويشرح أن الحرب الأخيرة لم تكن محصورة بساحة واحدة، بل توزعت على 4 مسارح عمليات شملت الأراضي الإيرانية ومضيق هرمز ولبنان والعراق، معتبرا أن هذه الساحات شكلت منظومة متكاملة ضمن استراتيجية إيرانية هدفت إلى تشتيت الجهد العسكري المقابل.
ويؤكد أن وقف إطلاق النار اقتصر على المسرح الإيراني فقط، فيما استمرت قواعد الاشتباك في الساحات الأخرى، ولا سيما في لبنان الذي لم تتوقف فيه العمليات العسكرية خلال الفترة الماضية.
ويشير العزاوي إلى أن" لبنان هي عوامل إشغال بالنسبة للإيرانيين، ويركزون عليها بشكل قوي، حتى لا تفكر إسرائيل بضرب إيران".
معلومات استخباراتية دقيقة وراء ضرب الضاحيةوفي قراءته للغارات الإسرائيلية الأخيرة، يؤكد العزاوي أن الهجوم استند إلى معلومات استخباراتية دقيقة تتعلق بمواقع انتشار قيادات وقدرات عملياتية كانت، بحسب تقديره، على وشك تنفيذ نشاطات عسكرية.
ويلفت إلى أن بعض الأنفاق التي استهدفتها الضربات كانت قادرة على استيعاب أكثر من مئتي شخص، وأن الموقع المستهدف في الضاحية يُعد من المقرات المهمة التي تضم قيادات مؤثرة، الأمر الذي يفسر حجم العملية العسكرية التي نفذت.
ويربط العزاوي بين هذه التطورات وبين الدور الأميركي، مشيراً إلى أن مذكرة التفاهم والتفاهمات القائمة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية تمت أساساً برعاية واشنطن، ما يجعل الولايات المتحدة طرفاً ضامناً في هذا المسار.
كما يشدد على أن القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية ما تزال عالية الفاعلية، سواء عبر المصادر البشرية أو عبر منظومات استخبارات الإشارة، الأمر الذي مكنها، بحسب رأيه، من متابعة التحركات واستهداف مواقع حساسة داخل الضاحية الجنوبية.
ويحذر في الوقت نفسه من أن توسع الاستهدافات لتشمل مزيداً من مقرات القيادة داخل المناطق المدنية ينذر بمستوى أعلى من الخطورة، خصوصاً مع اعتماد التنظيمات المسلحة، وفق وصفه، على العمل العسكري من داخل المدن وما يترتب على ذلك من تحويل تلك المواقع إلى أهداف عسكرية.
الحكومة اللبنانية والسلام.
وحزب الله في الاتجاه المعاكسويؤكد العزاوي أن الحكومة اللبنانية تبدو جادة في السير نحو خيار السلام، مشيرا إلى وجود تقارب بين المواقف السياسية الرسمية، إلا أنه يعتبر أن عدم تمكن الجيش اللبناني من السيطرة على بعض المواقع والأنفاق المرتبطة بحزب الله دفع إسرائيل إلى مواصلة استخدام القوة العسكرية.
ورغم ذلك، لا يرجح أن يتمكن الحزب من السيطرة على المؤسسات الحكومية، معتبراً أن المشهد اللبناني يشهد تغيرات سياسية متراكمة وكسر جزء من الحواجز التي كانت تحيط بالحزب، فضلا عن وجود إرادة حكومية لتغيير الواقع السياسي القائم.
لكنه يحذر من أن الحزب، بوصفه تنظيما مسلحا، قد يلجأ إلى وسائل تقليدية لإحداث الإرباك والتشويش داخل لبنان خلال المرحلة المقبلة.
كما يذهب العزاوي إلى أبعد من ذلك عندما يعتبر أن كلا من إيران وإسرائيل لا تبدوان بعيدتين عن خيار العودة إلى الحرب، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي يدرك هذه المعادلة، وأن إعطاء الضوء الأخضر لبعض الاستهدافات يأتي في ظل توقعات بإمكانية استئناف العمليات العسكرية مجدداً.
إسرائيل تفرض أمرا واقعا جديدا في لبنانمن جانبه، يرى كبير الباحثين في المجلس الأطلسي سمير التقي أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة أكثر خطورة، معتبراً أن التطور الأبرز يتمثل في قرار إسرائيل فرض أمر واقع جديد في لبنان.
ويشرح أن هذا التوجه يرتبط بمسارين متوازيين؛ الأول يتعلق بإمكانية ذهاب إدارة ترامب نحو تفاهمات أو صفقة مع إيران، والثاني يتمثل في رغبة إسرائيل في ضمان قدرتها على إنجاز أهدافها في الساحة اللبنانية بغض النظر عن أي تحولات سياسية محتملة.
ويصف التقي الضربة الأخيرة بأنها ضربة جدية أصابت قيادات مهمة، معتبراً أن طبيعة الرد الإيراني السريع تشكل مؤشراً على أهمية الأهداف التي تعرضت للاستهداف.
وبحسب تقديره، فإن هذه التطورات تحمل في طياتها إمكانية إعادة إشعال المنطقة على نطاق أوسع، خصوصاً في ظل تبدل اللهجة الأميركية تجاه العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله، بعدما أصبحت واشنطن أكثر تقبلا لما تسميه العمليات الجراحية.
احتدام الحرب واحتمال توسيع السيطرة الميدانيةويتوقع التقي أن تمضي إسرائيل نحو توسيع عملياتها في لبنان بصورة أكبر، مع التركيز على حسم الوضع جنوب الليطاني واستكمال استهداف عدد من المواقع التي تعتبرها أساسية.
ويحذر من أن بعض المناطق الواقعة جنوب الزهراني قد تواجه واقعاً جديداً يتمثل في سيطرة إسرائيلية أوسع وإفراغ مناطق من سكانها، معتبراً أن المشهد الحالي يختلف عن الظروف التي أعقبت حرب عام 2006.
ومن هذا المنطلق، يرى أن الحرب تتجه نحو مزيد من الاحتدام، إذ إن إسرائيل، بحسب تقديره، لن تتراجع عن الأهداف التي وضعتها، في حين أن حزب الله لا يتعامل مع الصراع باعتباره حرباً لبنانية بقدر ما يربطه بالدفاع عن إيران.
كما يرجح التقي تصعيداً إضافياً من جانب حزب الله خلال المرحلة المقبلة، ما قد يؤدي إلى اشتعال الجبهة اللبنانية بصورة أكبر.
ويعتقد أيضاً أن إسرائيل قد تجد في التطورات الأخيرة فرصة للتحرر من القيود والتفاهمات السابقة، متوقعاً تنفيذ ضربات نوعية تستهدف قيادات عسكرية ومواقع حساسة مرتبطة بالحرس الثوري، بما يؤدي إلى تقويض الرواية الإيرانية التي تتحدث عن الخروج منتصرة من المواجهة الأخيرة.
لبنان يدفع ثمن ربط مصيره بالمواجهة الإيرانيةأما الباحث السياسي جورج العاقوري فيربط التصعيد الحالي بإصرار حزب الله على إبقاء لبنان ضمن مسار المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، معتبراً أن ذلك يتعارض مع المسار الدبلوماسي الذي تحاول الدولة اللبنانية السير فيه، وكذلك مع إعلان النوايا الذي أعقب اجتماعات واشنطن.
ويرى أن كل تأخير في معالجة هذا الواقع يمنح إسرائيل فرصة لتوسيع توغلاتها وزيادة ضرباتها العسكرية، الأمر الذي يعكس، بحسب وصفه، عجز حزب الله عن ردع إسرائيل رغم استمرار تمسكه بخيارات المواجهة.
ويحذر العاقوري من أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر ضراوة، خاصة إذا تمكنت إسرائيل من تحقيق أهدافها في النبطية ومحيطها، نظراً لما تمثله المنطقة من أهمية استراتيجية ورمزية داخل البيئة الشيعية اللبنانية.
كما يعتبر أن لبنان يقف أمام واقع شديد الخطورة، في ظل استمرار الحزب في خياراته الحالية، الأمر الذي يهدد بتوسيع دائرة المواجهة ورفع كلفتها على اللبنانيين.
ويشدد العاقوري أنه" من هنا مسؤولية الدولة اللبنانية هذه المرة أن تبادر أكثر، نحن لا نشك بنواياها وبقراراتها، ولكن المطلوب ترجم فعليا وأكثر حزما وصرامة لهذه القرارات.
لأن مسار التفاوض في ظل استمرار حزب الله بخطف قرار الحرب والسلم لا يستطيع أن يتقدم بشكل جديد، وعدم تقدمه بشكل جديد سوف يجعل كل لبنان تحت نار جحيم إسرائيل من جهة ومغامرات حزب الله الجنونية من جهة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك