قال أمير الشعراء" أحمد شوقي بك" في شأن تهاوي الأخلاق في المجتمعات:" وَإِذا أُصيبَ القَومُ في أَخلاقِهِمْ.
فَأَقِمْ عَلَيهِمْ مَأتما وَعَويلا"حيث تعد العلاقة بين التربية الدينية والأخلاقية في المناهج التعليمية وظاهرة الغش في الامتحانات علاقة جدلية معقدة، تضع القيم الأخلاقية في مواجهة حادة مع الممارسات السلوكية اليومية داخل أروقة المدارس والجامعات.
فبينما يهدف مقرر التربية الدينية إلى غرس قيم الأمانة، والصدق، والنزاهة، نجد أن ظاهرة الغش في الامتحانات -لا سيما حين تقترن بغياب العقاب الرادع- تعكس شرخا كبيرا في المنظومة القيمية والتربوية للمجتمع، مما يثير تساؤلات جوهرية حول فعالية هذه المقررات في صياغة ضمير الطالب والمفارقة بين النص والممارسة.
إن الغش سلوك منافٍ لكل ما تدعو إليه الأديان، فهو خيانة للأمانة التي استخلف الله الإنسان عليها.
وتأكيداً على قيمة النزاهة في الكسب والعمل، جاء في الحديث النبوي الشريف: " من غشنا فليس منا".
ومع ذلك، يجد الطالب نفسه في واقع يكرس للغش كـ" مهارة للبقاء" في ظل ضغوط الامتحانات، مما يحول مقرر التربية الدينية والأخلاقية في نظر البعض إلى مادة للحفظ النظري، لا للتطبيق العملي.
وحين يغيب العقاب، وتصبح الأمانة" اختيارية" لا" ملزمة"، يتشكل لدى الطالب وعي مشوه يرى أن النجاح هو الهدف الأسمى بغض النظر عن الوسيلة، وأن الغش ليس إثما طالما لم يلحق به عقاب مباشر.
لقد انتقلت ظاهرة الغش من أروقة المدارس إلى شاشات السينما والدراما المصرية، التي تناولت هذا الموضوع بأشكال متعددة.
ولعل أحد الأفلام المصرية الحديثة يمثل نموذجا صارخا لهذا الطرح؛ حيث صور الغش كعملية إبداعية أو بطولية يقدمها الطالب في مواجهة نظام تعليمي لا يرحم.
وهنا تطرح التساؤلات نفسها: هل تروج الدراما للغش؟صحيح أن الدراما المصرية هي مرآة للواقع، إلا أنها غالبا ما تتأرجح بين" الكوميديا" و" التنفيس".
ففي إطار كوميدي، تظهر محاولات الغش كـ" مغامرة" محببة، وتتحول شخصية" الغشاش" إلى بطل شعبي ينتصر على" السلطة" المتمثلة في المراقب أو المعلم.
هذا الإطار يقلل من خطورة الفعل الأخلاقي ويجعل الغش سلوكا مقبولا اجتماعيا، بل ومثارا للضحك والمشاركة.
إن تقديم الغش في قالب كوميدي يخفف من وطأة الشعور بالذنب لدى الطالب، ويحول الممارسة التي يدينها مقرر التربية الدينية إلى" شطارة" تستحق الإعجاب.
كما أن التسامح مع هذا الانحراف الأخلاقي والتعايش معه في ظل غياب العقاب الصارم هو المحرك الأساسي لاستمرار ظاهرة الغش.
فعندما يرى الطالب أن زميله الذي يغش يحصل على الدرجات النهائية ويحظى بفرص أفضل دون أي عواقب، تبدأ قيم التربية الدينية في التآكل.
فلا يكفي أن نعلم الطالب أن" الغش حرام" بينما يرى أن" الغش هو الطريق الأضمن للمستقبل".
إن غياب العقاب يحول المؤسسة التعليمية إلى بيئة تعاني من" الانفصام القيمي"؛ حيث تُدرس الأمانة في حصة الدين، وتُمارس الخيانة في قاعة الامتحان، وتغض الأعين الطرف في ساحة الرقابة.
إن الحل لا يكمن في تكثيف نصوص التربية الدينية والأخلاقية، بل في تحويلها إلى سلوك مجتمعي مدعوم بآليات رقابية صارمة.
كما يجب أن تدرك الدراما المصرية مسؤوليتها الأخلاقية؛ فالتناول الكوميدي للغش قد يسهم في تطبيع الانحراف السلوكي لدى النشء.
إن الفن قادر على محاكاة الواقع، لكنه أيضا قادر على تقويمه.
حيث يجب على الأعمال الفنية تسليط الضوء على النتائج الكارثية للغش على مستوى الفرد والمجتمع، كأن تُظهر كيف يمكن لـ" غشاش" اليوم أن يصبح" مستقبلا غير كفء" أو" مسؤولا غير أمين" في الغد، مما يؤثر على كفاءة الدولة بأكملها.
ختاما، إن العلاقة الجدلية بين مقرر التربية الدينية وتفشي الغش تتطلب وقفة مراجعة شاملة.
فلا يمكن للتربية الدينية أن تؤتي ثمارها في ظل غياب عقاب رادع، وفي ظل ثقافة إعلامية ودرامية تميل إلى" أنسنة" الغش ووضعه في قالب كوميدي مريح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك