عمان- “القدس العربي”: من الواضح والمرجح أن المشهد السياسي الداخلي الأردني يقترب من مقاربة نخبوية وأدواتية مختلفة إلى حد كبير.
والسؤال المطروح هنا: إلى أي اتجاه تمضي البوصلة؟ وما هي الملفات والقرارات التي ينبغي حسمها سريعاً؟ ورغم أن الإجابات ليست حاسمة بعد، إلا أن الأسئلة تفرض نفسها بقوة، خاصة بعد التغيير المفصلي في قيادة “مطبخ” مجلس الأعيان؛ حيث لا يمكن فصل استقالة رئيس الوزراء الأسبق والرجل الثاني في المجلس سمير الرفاعي، وتعيين الرئيس الدكتور عمر الرزاز، عن سياق فهم أكثر شمولية، حتى وإن ارتبطت مغادرة الرفاعي بترتيبات خارجية.
تأتي هذه الخطوات في أعقاب مراجعة غامضة للمعطيات وإجراءات تنظيمية غير معلنة، لكن الخبراء استشعروها في ظل مستجدين غاية في الأهمية:المستجد الأول: رمزية “عيد الاستقلال” وإعادة ترتيب البيت الداخليتمثلت الدلالة الرمزية لحفل عيد الاستقلال الأخير في الخطاب الوجداني المباشر من مؤسسة القصر إلى الشعب؛ إذ غابت المداخلات التقليدية لرؤساء السلطات، واختفت الاستعراضات العسكرية، بل وغاب هذه المرة نخبة من كبار المسؤولين لتوجههم لأداء فريضة الحج.
ولم يعد سراً أن هذه المؤشرات تؤسس لمطبخ سياسي جديد يتفاعل في الكواليس، يتزامن مع التوجه لتفعيل “مجلس الأمن القومي” بنحو أو بآخر، وسط توقعات بأن تطال رياح التغيير وتصويب الاتجاهات مناصب أساسية في أعلى أجهزة الدولة.
المستجد الثاني: تصاعد هواجس “اليمين الإسرائيلي” والتهديد الوجودييتمثل المستجد الثاني في ارتفاع نبرة التحذيرات الرسمية والنخبوية من مخططات اليمين الإسرائيلي، ومخاوف ضم الضفة الغربية والتهجير، خاصة بعد الصمت الأمريكي تجاه التمدد الميداني للجيش الإسرائيلي مؤخراً في غزة، ولبنان، وسوريا.
وفي نقاش مع “القدس العربي”، يرى المحلل الإستراتيجي والعسكري البارز، الفريق المتقاعد قاصد محمود، أن الدولة الأردنية تقرأ التحديات المفصلية بوضوح؛ فالخطة الإسرائيلية العلنية للسيطرة على أجزاء من جنوب لبنان وسوريا، ومنع الحل في غزة، والاختراق في الساحة العراقية، لا تحمل في القراءة الوطنية الأردنية سوى تفسير واحد: الكيان يحاصر المملكة إستراتيجياً.
وفقاً للجنرال محمود، فإن هذا الحصار يمهد لضم الأغوار والضفة الغربية، لكن النتائج ليست مضمونة للاحتلال؛ لأنه لم يختبر بعد أوراق الأردن الرابحة، فالحدود والتحريك الديموغرافي هما سلاحان ذوا حدين في منظور العسكريين الأردنيين.
صراحة غير مسبوقة وضغوط الخارطة الإقليميةهذه المخاطر بدأت تحظى بإقرار واسع وسط نخبة القرار ورجال الدولة، ولعل المقالين الأخيرين لكل من عبد الكريم الكباريتي وحسين المجالي يعكسان ذلك بجرعة صراحة غير مسبوقة ومباشرة.
والأهم، أن مفاصل القرار الإستراتيجي في الدولة باتت تحت ضغط الاستعداد لأسابيع مقبلة وحاسمة على صعيد الخارطة الإقليمية.
وهو ما أكده في حوار آخر مع “القدس العربي” السياسي الخبير الدكتور جواد العناني، مشدداً على أنه: لا مستقبل لتحالفات واصطفافات الماضي، وكل شيء في الجوار أضحى في مهب التغيير.
قراءة في ملامح المرحلة المقبلةالجديد تماماً في صالونات عمان السياسية هو الربط بين رسائل حفل الاستقلال (المستجد الأول) والتهديدات الإقليمية (المستجد الثاني)؛ إذ توحي المؤشرات بأن مخاطر الضفة الغربية قد تفرض بصماتها سريعاً على شكل وهوية نخبة الحكم.
وبناءً على ذلك، فإن قراءة التغييرات الأخيرة في مجلس الأعيان خارج هذا السياق الرفيع تبدو قاصرة؛ فدخول شخصية كالرزاز ومغادرة وزن كالرفاعي هي خطوات تتجاوز “الشخصنة” لتعلن عن بداية “صفحة جديدة”.
ومعنى هذه الدلالة أنه لا أحد من كبار المسؤولين اليوم بات يضمن موقعه.
وحكماً وبمنطق الضرورة، يشمل ذلك تركيبة حكومة الدكتور جعفر حسان الحالية؛ فواحدة من أبرز رسائل الاستقلال هي “العودة إلى الداخل”، وهي عودة إن تقررت بتسارع قد تكون صاخبة وأفقية، وقد تطيح بالتشكيلة الوزارية الحالية برمتها.
إن منطق الاشتباك والمواجهة في مواجهة الهيمنة الإسرائيلية يتطلب أدوات وتغييرات شمولية لاحقة، تتجاوز الإداري والتشريعي لتصل إلى البيروقراط السيادي.
والسبب الأساسي هو أن “منطق العودة إلى الداخل” عندما يفرض نفسه، فإنه يطيح برؤوس ويعلي من شأن أخرى، ولا يمكن تمريره أو إنجاحه في ظل خارطة الرموز والأدوات الحالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك