الرباط ـ «القدس العربي»: أعادت متابعة قضائية جديدة لصحافيين مغاربة الجدل حول واقع حرية الصحافة والضمانات القانونية المنظّمة لممارسة المهنة، في وقت تتواصل فيه الدعوات الحقوقية والنقابية إلى الاحتكام لقانون الصحافة والنشر في معالجة القضايا المرتبطة بالعمل الإعلامي، عوض اللجوء إلى القانون الجنائي الذي يتضمن أحكامًا بالعقوبات السالبة للحرية.
ويتابع إبراهيم الشعبي، مدير نشر موقع «لوبوكلاج»، وحمادي الغاري، المشرف على موقع «سكوب برس»، بناءً على شكاية تتعلق بتهم «بثّ وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة، باستعمال الأنظمة المعلوماتية، بقصد المساس بالحياة الخاصة والتشهير بالأشخاص».
وجمع مُحامي المشتكية، وهي مديرة مؤسسة تعليمية خاصة، في الدعوى بين فصول من القانون الجنائي وأخرى من قانون الصحافة والنشر.
وجرى تحديد تاريخ 7 تموز/يوليو المقبل لمثول الصحافييْن المذكورين أمام المحكمة الابتدائية (محكمة درجة أولى) في الرباط من أجل بدء النظر في القضية.
وأفادت مصادر أن موضوع المتابعة يخصّ مادة صحافية تتناول شكاية موجّهة إلى القضاء ضد مسؤول محلي في التعليم، إذ اعتبرت المشتكية أن ما نُشر من ادّعاءات أو معطيات تمسّها شخصيًا، بينما يؤكد الصحافيان المتابعان أن القضية مرتبطة بممارسة العمل الصحافي ونشر معطيات تدخل في إطار حق الرأي العام في الإخبار والمعرفة، من خلال نشر مضمون وثيقة شكاية معروضة على القضاء.
وأثارت القضية تفاعلا واسعا داخل الأوساط الحقوقية والمهنية، حيث أعلنت عدة هيئات تضامنها مع الصحافيين المعنيين بالمتابعة، معتبرة أن الملف يطرح من جديد أسئلة مرتبطة بحدود حرية التعبير، وبكيفية التوفيق بين الحق في التقاضي وحماية حرية الصحافة، فضلا عن الضمانات الواجب توفيرها للصحافيين أثناء ممارستهم لمهامهم المهنية.
في هذا السياق، أعلنت نقابة «الجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال»، التابعة لـ «الاتحاد المغربي للشغل» تضامنها الكامل مع الصحافيين إبراهيم الشعبي وحمادي الغاري، معتبرة أن معالجة مثل هذه الملفات ينبغي أن تتم في إطار قانون الصحافة والنشر وليس وفق مقتضيات القانون الجنائي.
واعتبرت، في بيان تلقت «القدس العربي» نسخة منه، أن العودة إلى المتابعات الجنائية في القضايا المرتبطة بالنشر من شأنها أن تثير مخاوف مشروعة بشأن الضمانات القانونية المكفولة للصحافيين، وأن تؤثر على المكتسبات التي راكمها قطاع الصحافة خلال السنوات الأخيرة.
وبعدما شددت على ضرورة توفير شروط المحاكمة العادلة واحترام الحقوق الدستورية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة، دعت «الجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال» مختلف الهيئات المهنية والنقابية والحقوقية إلى اليقظة من أجل صون المكتسبات المرتبطة بحرية الصحافة وتعزيزها، معتبرة أن حماية حرية التعبير تشكل أحد المرتكزات الأساسية لدولة الحق والقانون.
من جهتها، عبّرت «النقابة الوطنية للإعلام والصحافة»، المنضوية تحت لواء «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل»، عن تضامنها المطلق مع الصحافيين، معتبرةً أن متابعتهما تعيد إلى الواجهة النقاش حول واقع حرية الصحافة في المغرب والحدود المفروضة على العمل الصحافي، خاصة في مجالات التقصي والاستقصاء وكشف الاختلالات المرتبطة بالشأن العام.
ووصفت المتابعة القضائية الجديدة بكونها «مؤشّرًا مقلقًا على تنامي الضغوط التي تواجه الممارسة الصحافية».
ودعت إلى وقف المتابعة وتعزيز الحماية القانونية للصحافيين والعاملين في مجال الإعلام، بما ينسجم مع القوانين الوطنية والالتزامات الدولية للمغرب في مجال حرية التعبير وحقوق الإنسان.
كما ناشدت مختلف مكونات الجسم الصحافي المغربي ووسائل الإعلام مواصلة الدفاع عن حرية الصحافة والتصدي لكل أشكال التضييق التي قد تمس استقلالية المهنة وأدوارها الرقابية والمجتمعية.
وأعلن «المنتدى المغربي للديمقراطية وحقوق الإنسان» تضامنه الكامل مع الصحافيين المتابعين، معتبرا أن القضية تطرح مجددا إشكالية حماية حرية الصحافة وضمانات ممارسة العمل الإعلامي في إطار القانون.
وفي بيان اطلعت «القدس العربي» عليه، أوضح المنتدى أن معالجة القضايا المرتبطة بالنشر ينبغي أن تتم في إطار المقتضيات الخاصة التي ينص عليها قانون الصحافة والنشر، بما يضمن التوازن بين الحق في التقاضي وحرية التعبير وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومة.
كما سجل ما وصفه بإشكالات قانونية ومسطرية مرتبطة بالشكاية المباشرة، مؤكدا ضرورة احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، والانتصار للمبادئ الدستورية المنظّمة لحرية الصحافة والنشر.
وأكد المنتدى الحقوقي أن حماية الصحافيين أثناء ممارستهم لمهامهم المهنية تشكّل مدخلا أساسيا لتعزيز دولة الحق والقانون، داعيا إلى عدم اللجوء إلى مقتضيات القانون الجنائي في القضايا المرتبطة بحرية الصحافة والتعبير، وإلى تكريس الأمن القانوني للصحافيين والمؤسسات الإعلامية.
وفي الاتجاه ذاته، أعلن «المركز الوطني للإعلام وحقوق الإنسان» تضامنه مع إبراهيم الشعبي وحمادي الغاري، وربط القضية بالسياق العام لواقع حرية الصحافة في المغرب، مستحضرا ما ورد في تقارير مهنية وحقوقية محلية ودولية بشأن التحديات التي تواجه الصحافيين والإعلاميين، وتنامي الشكايات والمتابعات القضائية المرتبطة بالنشر.
وأكد أن حرية التعبير وحرية الصحافة تمثلان ركيزة أساسية لأي مجتمع ديمقراطي، داعيا مختلف الهيئات الإعلامية والحقوقية إلى مواكبة هذا الملف في إطار من المسؤولية والموضوعية، بما يعزز الثقة في العدالة ويكرس مبادئ الإنصاف واحترام الحقوق والحريات.
في سياق متصل، أعربت «النقابة الوطنية للصحافة المغربية» عن قلقها البالغ من تزايد الشكايات والمتابعات القضائية التي قالت إنها تستهدف عددًا من الصحافيات والصحافيين، سواء من طرف مؤسسات عمومية أو خاصة، في سياق يطرح تساؤلات جدية حول حدود اللجوء إلى القضاء، ومدى احترام الضمانات الدستورية والقانونية المنظمة لحرية الصحافة والتعبير.
وتابعت في بيان تلقّت «القدس العربي» نسخة منه: «وإذ تؤكّد النقابة أن الاحتكام إلى القانون حق مكفول للجميع، فإنها تسجّل أن عددا من هذه المتابعات بات يتجاوز منطق استعمال الآليات المهنية المتعارف عليها، وفي مقدمتها حق الرد والتوضيح والتصحيح، ليتحول في بعض الحالات إلى وسيلة للضغط على الصحافيين ومحاولة التأثير على استقلالية عملهم وثنيهم عن القيام بأدوارهم المهنية في نقل الأخبار والمعطيات المرتبطة بالشأن العام».
ولاحظت نقابة الصحافيين أن «تنامي اللجوء إلى المتابعات القضائية ضد الصحافيين يشكل مؤشرا مقلقا على اتساع مناخ التضييق على حرية الصحافة، خاصة حين تتحول المساطر القضائية إلى عبء مهني ونفسي ومادي يُرهق الصحافيين، ويحدّ من قدرتهم على ممارسة مهنتهم في ظروف سليمة وآمنة».
وأفادت أنها توصلت بشكاية تتعلق يتعرض له الصحافي مصطفى قشنني، مدير موقع «ريس بريس»، بعدما قررت النيابة العامة الاستماع إليه وإحالته على المحكمة الابتدائية في مدينة وجدة، واعتبر البيان أن الموضوع لا يحتاج إلى كل هذه الإجراءات».
وذكرت مصادر صحافية أن قشنني يتابَع بناءً على شكاية تتعلق بمقال حول الأوضاع الأمنية في هذه المدينة الواقعة على الحدود مع الجزائر.
وأضافت النقابة أنها تتابع أيضًا ملف الصحافيين إبراهيم الشعبي وحمادي الغاري، المعروض أمام المحكمة الابتدائية في الرباط، وهو ما اعتبرته النقابة «سياقا يعكس استمرار منحى جرّ الصحافيين إلى القضاء، عوض تفعيل الآليات المهنية الكفيلة بمعالجة الخلافات المرتبطة بالممارسة الصحافية».
وأعلنت تضامنها الكامل مع كافة الصحافيين المستهدفين بمتابعات مرتبطة بممارستهم المهنية، واعتبرت أن الدفاع عنهم هو، في جوهره، دفاع عن حرية الصحافة وعن حق المجتمع في إعلام مهني مستقل ومسؤول.
وخلصت إلى القول إن «ممارسة العمل الصحافي تشكّل تجسيدًا لحقّ دستوري يضمن للمواطنين الحق في الإخبار والولوج إلى المعلومة، وفق الضوابط والمعايير المهنية المعمول بها، وأن أي خلاف أو اختلال محتمل مرتبط بممارسة هذا الحق ينبغي أن يعالج عبر الآليات القانونية والمهنية المتاحة، وليس عبر تحويل الصحافيين إلى خصوم بسبب أدائهم لواجبهم المهني».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك