فى السنوات التى أعقبت 2011 دخل المشهد السياسى فى مصر مرحلة شديدة الاضطراب، لم تعد فيها المواجهة مجرد خلافات سياسية تقليدية، بل تحولت إلى حالة من الاستقطاب الحاد والانقسام العميق بين قوى المجتمع المختلفة، فى ظل صعود جماعة الإخوان الإرهابية إلى واجهة السلطة ثم دخولها فى صدامات ممتدة مع الشارع.
وخلال هذه المرحلة، لم تكن الأحداث الكبرى وحدها هى التى شكّلت الذاكرة العامة، بل تسربت أيضًا مشاهد يومية وتفاصيل صغيرة من قلب الشارع ومحيط الاعتصامات، تحولت مع الوقت إلى رموز مكثفة تعكس طبيعة اللحظة السياسية بكل ما حملته من توتر واحتقان وسقوط متبادل للثقة بين الأطراف.
" جبنة نستو يا معفنين".
لقطة خرجت من الشارع لتصبح عنوانًا لمرحلة كاملةفى محيط قصر الاتحادية عام 2012، وبينما كانت حالة الاحتقان السياسى فى أوجها على خلفية الإعلان الدستورى الذى أصدره محمد مرسى، ظهرت واحدة من أكثر اللقطات تداولًا فى ذلك الوقت.
وظهر أحد أنصار جماعة الإخوان فى مقطع مصور وهو يحمل عبوات جبنة" النستو"، ويوجه حديثه إلى المعتصمين المعارضين بعبارة ساخرة ومباشرة: " جبنة نستو يا معفنين".
ورغم بساطة الموقف فى ظاهره، إلا أن العبارة تحولت بسرعة إلى رمز اجتماعى وسياسى واسع الانتشار، اعتبره كثيرون انعكاسًا لحالة استعلاء وسخرية سياسية سادت بعض مشاهد التفاعل بين أنصار الجماعة ومعارضيها فى تلك المرحلة.
ومع إعادة تداول المقطع على نطاق واسع، خرجت الجملة من سياقها اللحظى لتصبح علامة دالة على مرحلة اتسمت بحدة الخطاب وتراجع المسافات بين السياسة والسخرية والإهانة المباشرة.
من الاتحادية إلى رابعة.
انتقال المشهد إلى مساحة أكثر اتساعًا وتعقيدًابعد أحداث الاتحادية، انتقل المشهد السياسى إلى مرحلة أكثر تعقيدًا مع اعتصام رابعة العدوية، ومع طول فترة الاعتصام، تشكل داخله واقع موازٍ قائم بذاته، جمع بين البعد السياسى والتنظيمى والاجتماعى، فى ظل حالة احتقان عامة كانت تتصاعد فى الشارع المصرى يومًا بعد يوم.
موائد رابعة.
مشاهد اللحوم والخراف والبط تثير جدلًا واسعًاداخل الاعتصام، ظهرت مشاهد متداولة بكثافة لموائد طعام كبيرة ووجبات متنوعة شملت لحومًا ودواجن وبطًا وخرافًا، فى صورة لافتة أثارت جدلًا واسعًا فى الرأى العام وقتها.
هذه المشاهد تعكس قدرة تنظيمية وإمدادات ضخمة داخل الاعتصام، فى حين اعتبرها أنصار الإخوان جزءًا من طبيعة الحياة اليومية داخل تجمع ممتد اعتمد على التكاتف الذاتى لتوفير الاحتياجات الأساسية.
تفاصيل يومية تتحول إلى أدوات صراع سياسىما بين عبارة" جبنة نستو يا معفنين" ومشاهد الموائد داخل رابعة، برزت ظاهرة لافتة فى تلك المرحلة، وهى تحول التفاصيل اليومية الصغيرة لتصبح رموزًا تعكس حجم الانقسام الحاد الذى كان يسيطر على المشهد العام.
هذه الرموز، رغم بساطتها الظاهرية، لعبت دورًا كبيرًا فى تشكيل الذاكرة الجمعية لتلك المرحلة، وأصبحت تُستدعى كلما أُثير الحديث عن طبيعة العلاقة بين القوى السياسية والمجتمع فى تلك السنوات.
مرحلة انقسام حاد أعادت تشكيل المشهد العامومع مرور الوقت، بقيت هذه المشاهد حاضرة فى النقاش العام، باعتبارها جزءًا من فترة شهدت تحولات سياسية متسارعة وصدامات ممتدة بين مختلف الأطراف، انتهت بإعادة رسم خريطة المشهد السياسى بالكامل خلال سنوات قليلة.
وبين التفاصيل الصغيرة والمشاهد الكبرى، تظل تلك المرحلة واحدة من أكثر الفترات التى كشفت عمق الانقسام الذى عاشه المجتمع، وكيف يمكن لتفاصيل عابرة أن تتحول إلى رموز سياسية واجتماعية طويلة الأثر، تستمر فى الحضور كلما أُعيد فتح ملف تلك السنوات وما شهدته من صراع محتدم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك