شاهد الكثير منا مقطع لشخصين أحدهما يرمي بقايا الطعام في ساحة عامة بقصد إطعام الحيوانات، والآخر ينهره على هذا الفعل، ولكلٍّ منهما مبرراته، مع انقسام واضح في الآراء بحسب مشاهدات المقطع والتعليقات عليه.
تحت ذريعة الرحمة والرفق بالحيوان، تشهد الطرقات والحدائق العامة ظاهرة متزايدة تتمثّل في رمي بقايا الأطعمة وتكدير الساحات وتشويه المشهد العام بدوافع قد تبدو إنسانية بإطعام القطط والحمام، ورغم نبل الدافع في ظاهره، إلا أن الأسلوب العشوائي الذي تُمارس به هذه الظاهرة حوّلها إلى مصدر تلوث بصري وبيئي مقزز، وفضلاً عن الروائح الكريهة والعشوائية في هذا السلوك، أصبحت هذه الأطعمة المكشوفة والمتحللة بؤراً جاذبة للحشرات والقوارض، مما يمهّد لبيئة غير صحية تسهم في تفشي الأمراض والأوبئة واتساع خطرها هذا فضلاً عن زيادة أعباء البلديات وعمال النظافة العامة في الأحياء.
هذا التدهور المستمر جعل من الحدائق العامة -التي يُفترض أن تكون ملاذاً للهواء النظيف وممارسة الرياضة- بيئات طاردة للبشر وقاصدي الراحة والمتعة ومرتعاً للقطط والحشرات والفضلات!من منظور علمي، فإن التدخل البشري غير المحسوب في دورة الغذاء للكائنات بشتى صنوفها يضرب التوازن البيئي، ويحدث خللاً جسيماً في التمثيل الغذائي (الأيض) والسلوك الطبيعي للكائنات.
فإتاحة الغذاء السهل والوفير والمصنع (كبقايا طعام البشر) تؤدي إلى تعطيل الغريزة الفطرية للحيوانات في البحث عن غذائها الطبيعي، مما يضعف كفاءتها البيولوجية ويغيّر العملية البيئية برمتها فالقطط -مثلاً- التي تعتمد على موازنة البيئة في التخلص من بعض القوارض أصبحت تعتمد على الأغذية الجاهزة والوئام التام مع الحشرات والقوارض، كذلك الطيور التي توازن عملية انتشار الحشرات والديدان في غذائها أصبحت تجد البديل بسهولة، كما أن الاعتماد على أغذية غير متوازنة ومليئة بالنشويات والملوثات يسبّب لهذه الكائنات مشكلات في التمثيل الغذائي وأمراضاً مزمنة، علاوة على ذلك، يؤدي هذا التدفق الغذائي الاصطناعي إلى تضخم غير طبيعي في أعداد القطط والحمام (Overpopulation)، مما يضغط على الموارد البيئية ويخل بالسلسلة الغذائية في النظام البيئي الحضري.
إن الإنسانية والرحمة لا يمكن أن تتجزآ، لكنهما ليستا بالتأكيد في خلق بيئة مشوّهة وموبوءة للإنسان بدعوى السعي وراء الأجر والثواب.
فالأصل في الإسلام وفي الفطرة السليمة هو «لا ضرر ولا ضرار»، وإيذاء البشر وتلويث مجالاتهم الحيوية وتشويه بيئتهم الحضرية هو ذنب كبير يتنافى مع المقاصد الحقيقية للرفق والرحمة.
الأجر الحقيقي يكمن في البناء لا الهدم، وفي الحفاظ على صحة الإنسان ونظافة المكان بالتوازي مع الرعاية المنظمة للحيوان، الأجر-يا سادة- لا يُنال بالإيذاء والعشوائية في إطعام الحيوانات وتدمير الملاذات البشرية!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك