الواقعة معروفة جيدا.
حوالي الساعة السادسة مساء يوم السابع من حزيران/يونيو 1926، كان أنطوني غاودي إي كورنيه في طريقه إلى قداسه اليومي في ساحة سان فيليبي نيري، ذلك الركن الخفي في قلب الحي القوطي في برشلونة حيث تمثل الجماعة المحلية المتقلصة، التي يجسدها أطفال مدرسة يلعبون في ما يشبه الفناء، خط الدفاع في مواجهة 26,1 مليون سائح يقصدون المدينة كل عام، كثيرون منهم للاستمتاع بإرث المهندس المعماري الكتالوني الأبرز.
تروي شهادات تلك الحقبة كيف أنه، في اللحظة التي كان فيها ابن تاراغونا يعبر جادة" غران فيا" بين زاويتي شارعي بايليـن وجيرونا، تقاطع ترامان من الخط الذي يربط بين ساحة تتوان وشارع" باسيج دي غراسيا".
تراجع غاودي لتفادي أحدهما، لكنه دُهس بالثاني.
موقع الحادث يقع على مسافة متساوية، لا تبعد أكثر من 20 دقيقة سيرا على الأقدام، عن اثنتين من أبرز روائعه: منزل ميلا (المعروف شعبيا باسم" لا بيدريرا" ) وكاتدرائية" ساغرادا فاميليا".
تسبب الحادث في إصابته بارتجاج في الدماغ وكسور متعددة في الأضلاع، ونقله أولا إلى نقطة إسعاف في شارع سانت بيريه ميس ألت، بعدما عجز الماران اللذان سارعَا لمساعدته عن التعرف إليه، ثم إلى مستشفى" سانتا كروث" القديم، حيث توفي بعد نحو 48 ساعة، حين كان يبلغ من العمر 74 عاما.
ودُفن في كنيسة سيدة الكرمل، في سرداب عمله الأشهر الذي لا يزال غير مكتمل.
كان غاودي معروفا بتدينه الكاثوليكي، وتبنّته اليمين الانفصالي رمزا له، حتى إن خوردي بوجول نفسه (الذي يصعب، كما في حالة غاودي، فصله عن هوية كتالونيا المعاصرة) قال أمام الملكة الأم صوفيا، خلال احتفال تذكاري عام 2002، إن غاودي لم يكن فقط" مشيدا للمباني"، بل أيضا" مشكّلا للروح الجماعية لكتالونيا"، كما أوردت آنذاك الصحافية كاتالينا سيرا في تقريرها لصحيفة" El País".
وليس من قبيل المصادفة أن أكثر فترات غاودي خصوبة جاءت بالتوازي مع حركة" Renaixença"، أي النهضة الكتالونية: الحركة الثقافية التي شهدت ازدهارا للأدب الكتالوني، إلى جانب فنون أخرى، في أواخر القرن التاسع عشر.
وتندرج هذه الحركة في إطار التيار الرومانسي الذي اجتاح القارة الأوروبية برمتها في ذلك القرن (كما في حالة حركة" Rexurdimento" الجاليثية)، وشكّل بذرة لعديد من التيارات القومية في" العالم القديم".
بدايات الأسطورة: من" Calderera" إلى" Mataronense"يروي المؤرخ جوزيب ماريا تاراغونا كيف أن أنطوني الصغير المريض، أصغر أبناء أسرة متواضعة من صانعي القدور، تربى منذ عام 1852 بين مدينة ريوس وقرية ريوضمس في إقليم تاراغونا، وتعلم حرفة والده خلال نوبات الحمى الروماتيزمية المتكررة التي كانت تمنعه من الذهاب إلى المدرسة.
كانت كتالونيا، مهد الثورة الصناعية في إسبانيا، في خضم تحول اقتصادي وعمراني عميق: فبعد عامين من ولادة غاودي هُدمت الأسوار القروسطية لبرشلونة، وبدأ تنفيذ مخطط التوسع الثوري الذي وضعه إلديفونس سيردا، ما حسّن الصحة العامة ووحّد المدينة داخل الأسوار مع بلدياتها المجاورة مثل حي غراسيا.
وقبل أربعة أعوام فقط، في 1848، كانت الدولة قد افتتحت أول خط سكك حديدية لها بين ماتارو وبرشلونة.
ويشير جوزيب ماريا تاراغونا إلى أن عائلة غاودي إي كورنيه لم تشأ أن تفوّت هذا" القطار"، فانتقلت إلى برشلونة عام 1868 من أجل تأمين تعليم جامعي لأبنائها الذكور، واضطرت لذلك إلى بيع عدد من المزارع ورهن مزرعة" ماس دي لا كالدريرا"، وهي المزرعة التي يؤكد بعض معارف المعماري أنها كانت مسقط رأسه.
مع ذلك، لم يتمكن أنطوني من الالتحاق بمدرسة الهندسة المعمارية إلا عام 1874، بسبب المتطلبات الأكاديمية المسبقة ووضعه المالي الصعب.
وخلال تلك الفترة عمل رساما تنفيذيا للخرائط الهندسية، ثم بدأ بعد وقت قصير توقيع أول مشاريعه، مثل النظام الهيدروليكي لـالشلال الكبير في منتزه" لا سيوداديّا" عام 1875، تحت إشراف جوزيب فونتسيريه.
أُنجز هذا العمل للمعرض الدولي في برشلونة عام 1888، وهو أحد أوائل أمثلة الطراز الحداثي الكتالوني، أي التيار المعماري المرتبط بحركة" Renaixença"، والمتميز بأسلوبه المترف المنحني وبأشكاله المستوحاة من الطبيعة، مثل الزخارف النباتية.
وهكذا ارتبطت بصمته الفنية منذ بداياته بمدينة برشلونة، وما زالت كذلك حتى اليوم.
كان غاودي مؤيدا لثورة" لا غلوريوسا" التي قادت إلى" الحقبة الديمقراطية" وحكومة خوان بريم (وهو من أبناء ريوس أيضا).
وبين عامي 1878 و1882 عمل على مشروع آخر ذي طابع سياسي واضح: التعاونية العمالية" Mataronense".
صُممت هذه التعاونية كمقر اجتماعي يضم المصنع نفسه والمنشآت المخصصة للعمال، من مساكن منخفضة الكلفة وحدائق ومبنى للخدمات، في أوج تيار الاشتراكية الطوباوية وتصاعد مطالب الطبقة العاملة في أواخر القرن التاسع عشر.
وقد وقع غاودي في حب إحدى معلمات مدرسة التعاونية، بيبّيتا موريو، إلا أنها رفضته مؤكدة أنها مخطوبة.
وبعد أن بات يحمل في رصيده مسارا مهنيا لافتا وعاصمة بدأت تتعامل معه كوجه عام، أعلن المعماري ومدير المدرسة إيليس روجنت عند تسليمه شهادته عام 1879: " لا أدري إن كنا منحنا الشهادة لمجنون أم لعبقري؛ الزمن كفيل بالإجابة".
انطلاق أعمال" ساغرادا فاميليا"كان غاودي قد اندمج بالكامل في المجتمع البرجوازي لمدينة كبرى آخذة في الصعود؛ فشارك في جمعيات منبثقة عن حركة" Renaixença" مثل" الجمعية الكتالونية للرحلات العلمية"، ونسج علاقات مع معاصريه مثل الشاعر والكاهن خاسينت فيرداغير والصناعي إوزيبي غويل، الذي سيصبح أحد أفضل زبائنه وأقرب أصدقائه.
وفي عام 1883 تلقى تكليفا بمتابعة أعمال المشروع الذي سيصبح مشروع حياته، كاتدرائية" ساغرادا فاميليا".
اختار غاودي تعديل التصميم الأصلي وتطوير عمل هائل الحجم انطلاقا من نقطة البداية، أي سرداب المعبد الكاثوليكي حيث سيُدفن لاحقا.
ولم يكتب له أن يرى هذا المشروع مكتملا، ولا يزال، رغم تقدم أعمال القبة، يحتاج إلى نحو عقد إضافي كي يكتمل كما أراده صاحبه.
ومنذ ذلك العام وحتى 1887 انصرف أيضا إلى تصميم أجنحة" غويل"، بتكليف من إوزيبي غويل.
وفي هذا المشروع، الذي كان فيه المعماري يجرّب عناصر من الطراز" المدجن الجديد"، استخدم للمرة الأولى تقنية" الترينكاديس"، وهي إحدى ابتكاراته الأشهر، وتعتمد على تغطية الأسطح بفسيفساء من قطع السيراميك أو الزجاج أو الرخام ذات الألوان الزاهية في العادة.
ويرتبط تصميم الأجنحة بحكاية أخرى تعود إلى ورشة الخزاف يويـس برو.
إذ يروى أنه، وفي نوبة غضب أو ربما من قبيل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه" TDAH"، حين رأى زميله يضع القطع واحدة تلو الأخرى بصبر، التقط غاودي بلاطة خزفية ورماها أرضا صارخا، على ما يُنقل عنه: " يجب أن تُلقى حفنات حفنات، وإلا فلن ننتهي أبدا! ".
هذا الانفعال اللحظي مجسّد اليوم في كثير من المعالم التي تشهد على تلك الحقبة، ليس في برشلونة وحدها بل خارجها أيضا.
ومن هذه الفترة مثلا فيلا" كيخانو" المعروفة بـ**" El Capricho" ** في بلدة كوميياس بمنطقة كانتابريا، والمصنفة ضمن الممتلكات ذات الأهمية الثقافية.
الحد الأقصى من الزخرفة.
وخسارات مضاعفة: المرحلة الأخيرةزاد غاودي مع مرور الوقت من حدة التباين في الألوان على واجهات مبانيه، تاركا بصمة لا تخطئها العين في عدد من أشهر أعماله، مثل" كازا كالفِت" و" بارك غويل" و" كازا باتيو" و" كازا ميلا".
وتفرض الطبيعة حضورها عبر الأشكال الحلزونية والأعمدة المائلة، وهو تطور سينعكس في النهاية في المشروع الذي سيستحوذ على تفكيره ويكرّس له جل وقته ابتداء من عام 1915 تقريبا: الكاتدرائية غير المكتملة.
وقد تعرض المعلم لسلسلة من الفقدان (وفاة ابنة شقيقته روزا؛ وفرانسيسكو بيرينغير، أقرب معاونيه؛ وأصدقائه خوسيه تورّاس إي باخِس، وحتى إوزيبي غويل نفسه)، ما عمّق نزوعه إلى التدين وعزلته لصالح تكريس كل جهده لمشروع حياته.
ومنذ وفاة أحد معاونيه الآخرين، النحات ومصمم النماذج لورنس ماتامالا عام 1925، انتقل غاودي للإقامة في غرفة صغيرة داخل ورشته في" ساغرادا فاميليا"، وتفرغ كليا للعمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك