تشهد العاصمة الليبية طرابلس منذ أيام حالة من التراجع الحاد في حضور العمالة الأجنبية داخل الأسواق والمحال التجارية وقطاع البناء، في أعقاب موجة احتجاجات رافضة للهجرة غير النظامية وما ارتبط بها من مطالبات بترحيل المهاجرين وتشديد الإجراءات بحقهم.
وفي سوق الكريمية، أحد أكبر أسواق الجملة في البلاد بضواحي طرابلس، بدت الحركة أكثر هدوءاً من المعتاد، مع اصطفاف شاحنات النقل أمام المحال التجارية دون وجود عمال للتفريغ أو التحميل، وفق ما أفاد به تجار محليون.
وقال تاجر الجملة فرحات المسلاتي لـ" العربي الجديد" إن" العمالة الأجنبية اختفت من الأسواق خلال هذه الأيام بشكل شبه كامل"، مضيفاً أن" الشاحنات تنتظر لساعات طويلة دون وجود عمال منذ قرابة يومين"، مشيراً إلى أن هذا الوضع انعكس أيضاً على نشاط البناء وأعمال الخدمات المرتبطة به.
ويأتي هذا التطور في سياق احتجاجات نُظمت أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في حي السراج بطرابلس، حيث تجمع مئات المتظاهرين مرددين شعارات رافضة لما وصفوه بـ“توطين” المهاجرين داخل ليبيا، ومطالبين بإخراجهم من البلاد.
وتزامنت هذه التحركات مع تداول واسع على منصات التواصل الاجتماعي لمعلومات بشأن منح بعض المهاجرين تصاريح إقامة، ما ساهم في زيادة الجدل العام والمخاوف من تحولات طويلة الأمد في ملف وجود العمال الأجانب داخل البلاد.
في المقابل، حذّر المحلل الاقتصادي طارق الصرماني من أن" الانسحاب المفاجئ للعمالة الأجنبية من السوق قد يخلق صدمة تشغيلية قصيرة المدى، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على العمالة اليومية وغير الرسمية".
وأوضح لـ" العربي الجديد" أن الاقتصاد الليبي بُني خلال سنوات على نموذج يعتمد بشكل كبير على العمالة الوافدة منخفضة التكلفة في البناء والنقل والتجارة، مشيراً إلى أن أي اضطراب في هذا المورد البشري ينعكس سريعاً على دورة الإنتاج والتوزيع.
وأضاف أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى" تأخر في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية"، خاصة في الأسواق الكبرى التي تعتمد على التفريغ اليدوي والنقل الداخلي، مثل سوق الكريمية ومراكز الجملة في طرابلس ومحيطها"،كما لفت إلى أن غياب العمالة البديلة المحلية يزيد من حدة الفجوة، لأن سوق العمل الليبي يعاني من ضعف في استيعاب الوظائف منخفضة الأجر أو ذات الطابع الشاق، ما يجعل الاعتماد على العمالة الأجنبية جزءاً من التوازن غير الرسمي للاقتصاد.
من داخل السوق، يصف أحد التجار، محمود الزنتاني، الوضع بأنه" تعطّل غير معلن" في الحركة التجارية، موضحاً أن البضائع تصل إلى المخازن والمحال، لكن عملية التفريغ والتوزيع أصبحت بطيئة أو متوقفة في بعض الحالات.
ويشير في حديثه لـ" العربي الجديد" إلى أن هذا التباطؤ أدى إلى تكدس شاحنات وتأخر في التسليمات اليومية، خصوصاً في السلع الغذائية والمواد الأساسية التي تعتمد على سرعة التداول، مضيفاً أن بعض التجار اضطروا لتقليل الكميات المستلمة مؤقتاً.
وأكد مورد السلع عبد الرزاق بن عثمان لـ" العربي الجديد" أن استمرار الوضع لفترة أطول قد يدفع إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، إما عبر الاعتماد على بدائل أقل خبرة أو عبر زيادة أجور العمالة المتوفرة بشكل محدود، ما سينعكس تدريجياً على الأسعار النهائية للمستهلك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك