منذ عقود، شكّلت السفارات العُمانية واجهةً حضارية تعكس قيم السلطنة ومبادئها في السلم والتعاون الدولي، ويقدر عدد السفارات و البعثات الدبلوماسية أكثر من ٩٠ سفاراة وقنصلية وبعثة وفق آخر مرسوم سلطاني في فبراير لهذا العام، فهي منصات دبلوماسية تعمل على تعزيز العلاقات الثنائية، وبناء جسور الثقة مع جميع الدول، وإبراز صورة عمان كدولة تتبنى الحوار وتدعم الاستقرار الإقليمي.
و عبر نشاطها المتواصل في العواصم العالمية، استطاعت هذه السفارات أن ترسّخ مكانة السلطنة كطرف فاعل في السياسة الدولية، وأن تجعل من الدبلوماسية العُمانية نموذجًا يُحتذى في التوازن والاعتدال.
و قد اكسب ذلك ايضا دورنا السياسي والتاريخي لدول مختلفة من بينها الوﻻيات المتحدة اﻻمريكية خاصة في الموقف الاخير عبر قيام سفيرنا هناك بالمساهمة بتذليل الامر و توضيح دورنا المتعاظم المعروف.
لكن دور بعض السفارات لم يتوقف عند حدود التمثيل الدبلوماسي والثقافي و الصحي واﻻعلامي والعسكري، بل امتد ليصبح أداةً اقتصادية فاعلة، فالتواصل الدبلوماسي الذي تشكله السفارات يمهّد الطريق لجذب الاستثمارات، ويحوّل العلاقات السياسية إلى فرص عملية للتنمية من خلال تنظيم المعارض، والتنسيق مع غرف التجارة، وتسهيل اللقاءات بين المستثمرين والجهات الرسمية، حيث تتكامل الدبلوماسية مع الاقتصاد لتخدم رؤية عمان 2040، و يصبح التمثيل الخارجي ليس مجرد حضور سياسي، بل بوابة اقتصادية تسهم في تنويع مصادر الدخل وتعزيز مكانة السلطنة كوجهة استثمارية واعدة.
وهناك العديد من المشاريع اﻻستثمارية المنفذة في الدقم و صلاله و صحار، و اخرى ﻻ تزال في حيز اﻻجراءات و الدراسة و التي كان للسفارات دور مهم فيه.
ان ما تقوم به بعض السفارات العمانية بدور في جلب الاستثمارات الاجنبية الى عمان خاصة السفارات التي تعمل في الدول الاوروبية والاسيوية واﻻفريقية و دول امريكا الجنوبية و ذلك بفضل وجود الملحق التجاري في بعض هذه السفارات و الذي يجتمع بالشركات و اصحاب الاعمال في تلك الدول و يعقد اتفاقيات لزيارة السلطنة للبحث عن الاستثمارات فيها.
ان الملحق التجاري أو الاقتصادي هو الذراع التنفيذي الاقتصادي للسفارة، ووجوده يُعزز قدرة السلطنة على جذب الاستثمارات النوعية وتنمية الصادرات، ورغم غياب رقم محدد لعدد السفارات التي تضم هذا الملحق، إلا أنه من الضرورة ان يتم التوجه بالسعي إلى زيادة و تمكين دور الملحقيات التجارية في العواصم الاقتصادية الكبرى و دعمها بزيارة خبراء اقتصاديين من جهات مختلفة و بالتنظيم من وزارة الخارجية لكونها الجهة المسؤولة و بالتنسيق مع وزارة التجارة والصناعة و ترويج الاستثمار و غرف التجارة والصناعة في بذل مزيد من دعم الملحق التجاري او الاقتصادي في أغلب سفارات عمان في الدول ذات اقتصاد قوي او تلك التي تبحث عن مد اذرع استثماراتها في الدول الصديقة و التي لها استقرار سياسي و ذات مقومات اقتصادية متنوعة مثل عماننا الغالية.
فقيام هذا الفريق من الخبراء بتنظيم زيارات ضمن مجموعة الملحق التجاري في تلك السفارات سيكون لها الاثر الايجابي في جلب الاستثمارات الى عمان.
كما انه من الضرورة ان يستجاب الى مطالب تلك الدول لتقديم استثماراتها و السرعة في انجازها و تعطيل البيروقراطية في الاجراءات من قبل وزارة التجارة و الصناعة و ترويج الاستثمار و الجهات الاخرى التي لها دور في انهاء التسجيل و منح المطالب التي يقدمها المستثمر.
و أهم مساعينا وأهدافنا في حينه أن نعمل و ندرك بيقين أننا في موقع جغرافي و اقليمي منافس لهذه الاستثمارات فعندما يرى المستثمر تلك الفروق و تميز في اجراءات المنح فله كل السهولة في التنقل و اختيار البيئات الجاذبة و الموفرة للارضية المناسبة، فمن الضرورة أن تصبح سفارات عمان ذات دور بارز و ملموس لبسط كل السبل لجلب اﻻستثمارات، و تكون بذلك بوابة عمان الحصينة و تحقق تكاملا دوبلوماسيا و اقتصاديا واسعا.
إن سفاراتنا ليست مجرد مبانٍ تحمل علم الوطن في العواصم، بل هي منصات حيّة تنبض بالدبلوماسية وتتحول إلى جسور اقتصادية تعبر عليها الفرص نحو عمان.
فحين تتكامل السياسة مع الاقتصاد، يصبح التمثيل الخارجي أداةً لبناء الداخل، ويغدو الملحق التجاري والبعثات الدبلوماسية بمثابة رُسل التنمية، يفتحون الأبواب ويزيلون العوائق، ويحوّلون العلاقات إلى استثمارات.
إننا اليوم أمام لحظة فارقة، حيث ينبغي أن نُدرك أن قوة عمان لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بما تزرعه سفاراتها من ثقة، وما تجنيه من شراكات، لتظل السلطنة بوابةً قوية تجمع بين الحكمة الدبلوماسية والريادة الاقتصادية، وتكتب فصلًا جديدًا في مسيرة رؤية عمان 2040.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك