عندما تنطلق منافسات كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، في 11 يونيو/ حزيران، سيكون العالم أمام النسخة الأكبر والأكثر تعقيدًا في تاريخ البطولة منذ انطلاقها عام 1930.
فللمرة الأولى، يرتفع عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48 منتخبًا، موزعة على 12 مجموعة، فيما يزيد عدد المباريات من 64 إلى 104 مباريات، مع استحداث دور الـ32 ضمن الأدوار الإقصائية.
وهذا يعني أن الطريق إلى اللقب سيصبح أطول، وأن هامش الخطأ سيضيق، وأن بطل العالم قد يحتاج إلى خوض ثماني مباريات كاملة قبل رفع الكأس.
كما تحمل النسخة المقبلة بعدًا تاريخيًا آخر، إذ تُقام للمرة الأولى في ثلاث دول مضيفة، هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وتشهد ظهور أربعة منتخبات للمرة الأولى في تاريخها، هي الأردن وأوزبكستان وكوراساو والرأس الأخضر" كابو فيردي".
كل ذلك يجعل مونديال 2026 بطولة مختلفة عن كل ما سبقها.
غير أن السؤال الذي يتكرر قبل كل نسخة يبقى حاضرًا: من هو المنتخب الأقرب إلى رفع الكأس؟الإجابة تبدو أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
فالتاريخ الحديث للبطولة يكفي وحده للتحذير من الثقة الزائدة في التوقعات.
في مونديال 2018، وصلت كرواتيا إلى النهائي رغم أنها لم تكن ضمن قائمة المرشحين الأوائل.
وفي 2022، بلغ المغرب نصف النهائي ليصبح أول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز، فيما تُوّجت الأرجنتين باللقب بعد خسارتها المباراة الافتتاحية أمام السعودية.
مع ذلك، تسمح البيانات والإحصاءات الحديثة بتحديد مجموعة من المنتخبات التي تدخل البطولة بأفضلية نسبية مقارنةً بمنافسيها، سواء من حيث جودة التشكيلة، أو الاستقرار الفني، أو نتائج السنوات الأخيرة، أو طبيعة القرعة ومسار الأدوار الإقصائية.
عندما تحاول الخوارزميات التنبؤ ببطل العالمفي السنوات الأخيرة، أصبحت كرة القدم واحدة من أكثر الرياضات اعتمادًا على البيانات والتحليل الإحصائي.
ولم تعد التوقعات تعتمد على أسماء النجوم أو الانطباعات العامة فقط، بل باتت تستند إلى نماذج رياضية تحلل آلاف المؤشرات المتعلّقة بالأداء الفردي والجماعي.
ومن بين أبرز هذه النماذج ما تقدّمه شركة" أوبتا" المتخصصة في البيانات الرياضية، والتي تعتمد على محاكاة البطولة آلاف المرات عبر الحاسوب من أجل تقدير احتمالات وصول كل منتخب إلى الأدوار المختلفة.
وإذا كانت نتائج المحاكاة الأخيرة تشير إلى أن إسبانيا هي المرشح الأول للفوز بالبطولة بنسبة تقارب 16%، يكشف هذا الرقم في الوقت نفسه حجم عدم اليقين الذي يميّز كأس العالم.
فحتى المنتخب المصنف كأقوى مرشح يخسر البطولة في أكثر من أربعة أخماس السيناريوهات المحتملة.
[1]ولهذا السبب تبقى كأس العالم مختلفة عن البطولات الطويلة.
ففي الدوري المحلي غالبًا ما يفوز الفريق الأفضل على مدار موسم كامل، أما في المونديال فإن سبع مباريات فقط قد تفصل بين المجد والخروج المبكر.
يصعب العثور على منتخب يدخل مونديال 2026 بزخم أكبر من المنتخب الإسباني.
فبعد التتويج ببطولة أوروبا قبل عامين وتقديم أحد أكثر المشاريع الكروية إقناعًا خلال السنوات الأخيرة، تبدو إسبانيا اليوم صاحبة الملف الأكثر اكتمالًا بين جميع المنافسين، وهو ما يفسر تصدرها غالبية التوقعات والنماذج الإحصائية الخاصة بالبطولة.
ويأتي في مقدمة أسباب هذا الترشيح الجيل الشاب الذي يقوده لامين يامال إلى جانب أسماء مثل رودري وبيدري ونيكو ويليامز وباو كوبارسي وغافي وغيرهم.
لكن قوة إسبانيا لا تكمن في المواهب الفردية فقط، بل في نوعية التوازن الذي نجح المنتخب في بنائه بين الشباب والخبرة، وبين المهارة الفردية والانضباط الجماعي.
وتمتلك إسبانيا الخط الوسط الأفضل والأكثر عمقًا في البطولة.
فإلى جانب رودري، صاحب الكرة الذهبية، يملك المنتخب مجموعة واسعة من اللاعبين القادرين على التحكم بإيقاع المباريات وصناعة الفرص، مثل بيدري وفابيان رويز وغافي وداني أولمو ومارتين زوبيميندي وميكيل ميرينو.
ويمنح ذلك المدرب لويس دي لا فوينتي خيارات تكتيكية متعددة وقدرة على تدوير اللاعبين دون تراجع كبير في المستوى.
كما أن المنتخب الإسباني لم يعد يعتمد على الاستحواذ العقيم الذي طبع بعض مراحله السابقة.
فمع دي لا فوينتي، أصبحت إسبانيا أكثر مباشرة وسرعة في التحوّل الهجومي، مستفيدةً من السرعة والمهارة الاستثنائية التي يوفّرها يامال ويليامز على الأطراف.
ولهذا السبب، تجمع النسخة الحالية من" لا روخا" بين أفضل ما في المدرسة الإسبانية التقليدية وأفضل ما في كرة القدم الحديثة القائمة على الإيقاع السريع والضغط العالي.
ويضاف إلى ذلك عامل العمق الكبير في التشكيلة، إذ تمتلك إسبانيا عددًا من اللاعبين القادرين على تغيير شكل المباراة من مقاعد البدلاء، وهي ميزة قد تصبح حاسمة في بطولة طويلة تُقام عبر ثلاث دول وتتطلّب التعامل مع السفر والإرهاق والظروف المناخية المختلفة، في حين تبدو القرعة مناسبة نسبيًا، إذ تضم مجموعة إسبانيا الرأس الأخضر والسعودية والأوروغواي.
مع ذلك، لا يخلو وضع إسبانيا من مفارقة تاريخية، حيث يبقى لقب 2010 في جنوب أفريقيا المرة الوحيدة التي وصلت فيها" لا روخا" إلى الدور نصف النهائي خلال آخر 14 مشاركة لها في كأس العالم.
والأهم أن ذلك اللقب جاء في قلب حقبة هيمنة استثنائية تُوّجت بالفوز بكأس أوروبا 2008 وكأس العالم 2010 وكأس أوروبا 2012، قبل أن يتعرّض الجيل الإسباني الأفضل على الإطلاق لصدمة مدوية في مونديال 2014 بخسارته 5-1 أمام هولندا وخروجه من دور المجموعات.
وتبقى هناك بعض الهواجس التي تفسّر قدرًا من الحذر تجاه الترشيحات الإسبانية، إذ إن الفريق يعتمد على مجموعة من اللاعبين الذين لا يزالون في المراحل الأولى من مسيرتهم الدولية، كما ترتكز منظومته الهجومية بدرجة كبيرة على التأثير الذي يصنعه جناحاه يامال وويليامز في المواجهات الفردية والتحوّلات السريعة، وهو ما قد يتأثّر بأي إصابات أو تراجع في الجاهزية خلال بطولة طويلة ومزدحمة.
فرنسا: المرشح الأكثر استقرارًاإذا كانت إسبانيا تدخل البطولة باعتبارها الفريق الأكثر إقناعًا، فإن فرنسا تدخلها باعتبارها المنتخب الأكثر استقرارًا خلال العقد الأخير.
فمنذ عام 2016، بلغت فرنسا نهائي بطولة أوروبا، ثم فازت بكأس العالم 2018، ثم بلغت نهائي مونديال 2022 قبل أن تخسر بركلات الترجيح أمام الأرجنتين.
وتبدو فرنسا مرة أخرى في موقع يسمح لها بالمنافسة على اللقب.
فإلى جانب امتلاكها أحد أفضل اللاعبين في العالم، كيليان مبابي، الذي يدخل البطولة في ذروة مسيرته الكروية، تواصل إنتاج المواهب بوتيرة تكاد لا تتوقف، سواء في خط الوسط أو الدفاع أو الهجوم.
وتكمن قوة المنتخب الفرنسي الأساسية في عمق خياراته، إذ لا يعتمد على نجم أو اثنين فقط، بل يمتلك مجموعة واسعة من اللاعبين القادرين على حسم المباريات.
فإلى جانب مبابي، تضم التشكيلة أسماء هجومية بارزة مثل عثمان ديمبيلي ومايكل أوليسيه وديزيريه دوي وريان شرقي، ما يجعل فرنسا واحدة من أكثر المنتخبات تنوّعًا وخطورة في الثلث الهجومي.
كما يتمتع المنتخب الفرنسي بتوازن يصعب إيجاده لدى معظم المنافسين.
فبينما تحظى الأسماء الهجومية بالاهتمام الأكبر، يملك" الديوك" أيضًا واحدًا من أقوى الخطوط الخلفية في البطولة، مع وجود أسماء مثل ويليام صليبا وجول كوندي ودايوت أوباميكانو وإبراهيما كوناتي.
يمنح ذلك فرنسا قدرة على الجمع بين الصلابة الدفاعية والجودة الفردية في الهجوم، وهي معادلة غالبًا ما تكون حاسمة في بطولات كأس العالم.
كما يحمل مونديال 2026 بعدًا خاصًا بالنسبة إلى المنتخب الفرنسي، إذ سيكون البطولة الأخيرة للمدرب ديدييه ديشان بعد نحو 14 عامًا على رأس الجهاز الفني.
خلال هذه الفترة، لم يكتفِ ديشان بتحقيق النتائج، بل رسّخ سمعة خاصة كأحد أفضل مدربي البطولات القصيرة في العالم.
فبينما تعرّض أسلوبه أحيانًا لانتقادات بسبب تحفّظه التكتيكي، أثبت مرارًا قدرته على إدارة المباريات الإقصائية وتقديم النتيجة على الاستعراض.
لكن فرنسا تواجه في المقابل بعض التحديات، إذ إن قرعتها تبدو الأصعب نسبيًا بين كبار المرشحين، إذ تضم النرويج والسنغال والعراق.
كما أن بعض المؤشرات الأخيرة أثارت تساؤلات حول صلابة المنظومة الدفاعية بعد بعض النتائج والأداء غير المقنع في المباريات التحضيرية، في حين لا يزال مركز الظهير الأيسر يمثّل نقطة نقاش مستمرة داخل المنتخب الفرنسي.
ويضاف إلى ذلك أن فرنسا قد تواجه، إذا سارت النتائج وفق التوقعات، طريقًا إقصائيًا بالغ الصعوبة قد يضعها في مواجهة مباشرة مع إسبانيا في الأدوار المتقدمة، وهي المواجهة التي يعتبرها كثيرون نهائيًا مبكرًا بين المنتخبين الأكثر اكتمالًا في البطولة.
الأرجنتين: هل يتكرر إنجاز 2022؟تدخل الأرجنتين البطولة وهي تحمل صفتين في آن واحد: بطلة العالم الحالية وأحد أبرز المرشحين للاحتفاظ باللقب.
ويعود ذلك إلى أن المشروع الذي بناه المدرب ليونيل سكالوني لم ينتهِ مع تتويج قطر، بل واصل التطور خلال السنوات اللاحقة، حتى تحوّل إلى أحد أكثر المشاريع استقرارًا ووضوحًا في كرة القدم الدولية.
فعلى عكس فترات سابقة ارتبطت فيها آمال الأرجنتين بشكل شبه كامل بقدرة ليونيل ميسي على صناعة الفارق، يبدو المنتخب اليوم أكثر توازنًا من أي وقت مضى.
فقد نضج جيل الوسط الذي يقوده أليكسيس ماك أليستر وإنزو فرنانديز، وأصبح من بين الأفضل عالميًا في التحكّم بإيقاع المباريات وصناعة اللعب، فيما يوفّر الثنائي الهجومي لاوتارو مارتينيز وخوليان ألفاريز مزيجًا نادرًا من الفعالية التهديفية والضغط المستمر على المنافسين.
ولا تقتصر قوة الأرجنتين على جودة الأسماء، بل تمتد إلى ما يمكن وصفه بثقافة الانتصار التي ترسّخت داخل المجموعة خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ عام 2021، تُوّج المنتخب الأرجنتيني بأربعة ألقاب كبرى: كوبا أميركا 2021، كأس" فيناليسيما" 2022، كأس العالم 2022، وكوبا أميركا 2024.
هذا السجل لا يعكس جودة فنية عالية فقط، بل يكشف أيضًا عن شخصية جماعية تعرف كيف تتعامل مع المباريات الحاسمة والضغوط الكبرى.
ولهذا السبب، يبقى العامل الذهني أحد أهم أسباب استمرار الأرجنتين ضمن دائرة المرشحين، خصوصًا في بطولة قصيرة تُحسَم غالبًا بالتفاصيل والقدرة على إدارة اللحظات المصيرية.
كما تبدو القرعة مواتية نسبيًا لحامل اللقب، إذ تضم مجموعته الجزائر والنمسا والأردن، ما يجعله مرشحًا لتصدّر مجموعته والانطلاق بثبات نحو الأدوار الإقصائية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية لأن أي تعثّر في الصدارة قد يضعه في مسار أكثر تعقيدًا يضم منافسين من العيار الثقيل في مراحل مبكرة.
وتحمل البطولة أيضًا بعدًا خاصًا بالنسبة إلى ليونيل ميسي، الذي يستعد لخوض كأس عالم سادسة قياسية في مسيرته.
فبعد الأداء التاريخي الذي قدّمه في قطر، حين سجّل سبعة أهداف وصنع ثلاثة أخرى وقاد بلاده إلى اللقب، يدخل النجم الأرجنتيني ما قد تكون محطته الأخيرة على المسرح الأكبر.
ورغم اقترابه من عامه التاسع والثلاثين، لا يزال ميسي يمثّل القلب الفني والرمزي للمنتخب، كما أن وجوده يمنح الأرجنتين خبرة وثقة يصعب قياسها بالأرقام.
لكن في المقابل، لا تخلو مهمة الدفاع عن اللقب من التحديات.
فالتاريخ نفسه يقف في مواجهة الأرجنتين، إذ لم ينجح أي منتخب في الاحتفاظ بكأس العالم منذ البرازيل عام 1962.
كما أن بعض علامات الاستفهام لا تزال تحيط بالمنظومة الدفاعية، وخاصةً في مركزَي الظهيرين، حيث حافظ المنتخب إلى حد كبير على الركائز نفسها التي خاضت مونديال قطر.
وفيما أثبت هذا الخط قدرته على الصمود في النسخة الماضية، فإن تطوّر الإيقاع البدني للّعبة وامتلاك عدد من المنافسين أجنحة أسرع وأكثر فاعلية يطرحان تساؤلات حول قدرة الأرجنتين على الحفاظ على الصلابة الدفاعية نفسها على مدار بطولة كاملة.
ويزداد هذا التحدّي في ظل النظام الجديد للبطولة، الذي يفرض مباراة إقصائية إضافية مقارنةً بالنسخ السابقة، ما يعني عبئًا بدنيًا أكبر ومسارًا أطول نحو النهائي.
وبالنسبة إلى منتخب يضم عددًا من اللاعبين المخضرمين، فإن إدارة المجهود البدني والحفاظ على جاهزية العناصر الأساسية قد يكونان عاملين حاسمين في تحديد ما إذا كانت الأرجنتين قادرة على تحقيق إنجاز تاريخي جديد أم لا.
إنكلترا: بين الموهبة والشكوك القديمةلا يوجد منتخب يثير الجدل قبل البطولات الكبرى أكثر من إنكلترا.
فعلى الورق، تُعدّ تشكيلة" الأسود الثلاثة" واحدة من أقوى التشكيلات المشاركة في البطولة، بل قد تكون الأثرى من حيث الخيارات الفردية.
فهاري كين وجود بيلينغهام وبوكايو ساكا وديكلان رايس يشكّلون قاعدة قادرة على منافسة أي منتخب في العالم، فيما تعكس وفرة المواهب الهجومية حجم العمق الذي يتمتع به المنتخب الإنكليزي، لدرجة أن المدرب توماس توخيل استبعد أسماء بارزة مثل فيل فودين وكول بالمر وجارود بوين دون أن يثير ذلك مخاوف حقيقية بشأن جودة التشكيلة.
ويُنظَر إلى توخيل باعتباره أحد أبرز الأسباب التي تدفع كثيرين إلى التعامل بجدية مع حظوظ إنكلترا هذه المرة.
فالمدرب الألماني بنى سمعته كأحد أفضل المدربين في أوروبا، بعدما قاد تشيلسي إلى لقب دوري أبطال أوروبا وحقق ألقابًا محلية في أكثر من بلد.
وبالنسبة إلى منتخب عانى تاريخيًا من التعثّر في اللحظات الحاسمة، فإن وجود مدرب يمتلك خبرة واسعة في إدارة المباريات الكبرى قد يمثّل عاملًا فارقًا.
كما تدخل إنكلترا البطولة بعد تصفيات مثالية، حيث حقق المنتخب ثمانية انتصارات من أصل ثماني مباريات، دون أن يستقبل أي هدف.
ورغم أن التصفيات لا تعكس دائمًا مستوى المنافسة الذي ينتظر المنتخبات في كأس العالم، فإنها تقدّم مؤشرًا على الصلابة التنظيمية التي يسعى توخيل إلى ترسيخها.
أما هجوميًا، فتعقد الجماهير الإنكليزية آمالًا كبيرة على هاري كين، الذي يدخل البطولة بعد واحد من أفضل مواسمه على الإطلاق.
فالمهاجم وقائد المنتخب واصل تحطيم الأرقام مع بايرن ميونيخ، مسجلًا أكثر من 60 هدفًا، وهو من المرشحين الأبرز لنيل الكرة الذهبية.
وإلى جانبه، يملك المنتخب مجموعة من اللاعبين القادرين على صناعة الفارق فرديًا، سواء عبر السرعة أو المهارة أو الكرات الثابتة، وهي عناصر كثيرًا ما تحسم مباريات الأدوار الإقصائية المغلقة.
لكن رغم كل ذلك، يبقى الشك ملازمًا للمنتخب الإنكليزي أكثر من أي مرشح آخر.
فالمشكلة التاريخية لإنكلترا لا تتعلّق بنقص المواهب، بل بالعجز عن تحويل تلك المواهب إلى ألقاب.
فمنذ التتويج الوحيد عام 1966، دخل المنتخب الإنكليزي عشرات البطولات باعتباره مرشحًا أو منافسًا قويًا، لكنه غالبًا ما خرج بخيبة أمل.
وحتى خلال السنوات الأخيرة، حين بلغ نهائي بطولة أوروبا مرتين متتاليتين ووصل إلى أدوار متقدمة في بطولات أخرى، بقيت الخطوة الأخيرة عصية على الإنجاز.
وتوجد أيضًا بعض علامات الاستفهام الفنية حول الخط الخلفي، خصوصًا مع استبعاد هاري ماغواير، الذي بقي لسنوات أحد العناصر الأساسية في المنظومة الدفاعية رغم الجدل الذي رافق مستواه، ما يضع مسؤولية كبيرة على جون ستونز ومارك غويهي في قلب الدفاع.
وتمتد المخاوف أيضًا إلى مركز الظهير الأيسر، حيث يفتقر المنتخب الإنكليزي إلى خيار طبيعي من الطراز الأول في هذا المركز، بعد استبعاد لوك شاو.
وقد يضطر توخيل إلى الاعتماد على لاعبين يشغلون أدوارًا مختلفة بطبيعتهم أو على أسماء تفتقر إلى الخبرة الدولية الكافية، مثل نيك أوريلي ودجيد سبينس، وهو ما قد يشكّل نقطة ضعف أمام منتخبات تملك أجنحة سريعة وحاسمة مثل فرنسا وإسبانيا والبرازيل.
البرتغال: فرصة رونالدو الأخيرةتدخل البرتغال مونديال 2026 وهي تمتلك أكثر تشكيلة متوازنة وعمقًا في تاريخها.
فبعيدًا عن الصورة التقليدية التي رافقت المنتخب البرتغالي لعقود باعتباره فريقًا يعتمد على نجم استثنائي أو جيل ذهبي محدود، تبدو البرتغال اليوم قادرة على المنافسة في مختلف الخطوط.
وتمنح القرعة البرتغال فرصة جيدة لبداية مستقرة، إذ تضم مجموعتها كولومبيا وأوزبكستان والكونغو الديمقراطية، مع أفضلية واضحة نسبيًا للبرتغاليين على الورق.
وتكمن القوة الأساسية لهذا المنتخب في خط الوسط، الذي يُعدّ من بين الأفضل في البطولة.
فبوجود فيتينيا وبرونو فرنانديز وبرناردو سيلفا وجواو نيفيس، تمتلك البرتغال مزيجًا مهمًا من التحكّم بإيقاع اللعب والقدرة على صناعة الفرص والاحتفاظ بالكرة تحت الضغط.
وتمنح هذه الخيارات المدرب روبرتو مارتينيز قدرة كبيرة على فرض أسلوبه أمام معظم المنافسين، خصوصًا في المباريات التي تتطلّب صبرًا تكتيكيًا وكثافة استحواذلكن الحديث عن البرتغال يبقى مرتبطًا باسم واحد أكثر من أي اسم آخر: كريستيانو رونالدو.
فالنجم البرتغالي يستعد لخوض كأس عالم سادسة تاريخية، ليصبح إلى جانب ليونيل ميسي أول لاعب يشارك في ست نسخ مختلفة من البطولة.
وبعد أكثر من عقدين في القمة، يبقى كأس العالم الإنجاز الوحيد الكبير الذي استعصى على رونالدو رغم مسيرته الأسطورية.
ويفرض وجود رونالدو في الحادية والأربعين من عمره تساؤلات تكتيكية لا يمكن تجاهلها، رغم أنه لا يزال واحدًا من أكثر المهاجمين فعالية داخل منطقة الجزاء، لكنه لم يعد يملك الحركة والضغط اللذين يتطلّبهما إيقاع كرة القدم الحديثة على أعلى المستويات.
ولذلك، سيكون على مارتينيز إيجاد التوازن بين الاستفادة من خبرته وحضوره القيادي من جهة والحفاظ على مرونة الفريق الهجومية من جهة أخرى.
ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ إن بعد اعتزال بيبي، فقدت البرتغال أحد أهم عناصرها الدفاعية وأكثرها خبرة في البطولات الكبرى.
ورغم وجود روبن دياز قائدًا للخط الخلفي، ومع تراجع مستواه، هناك شكوك حول قدرة البرتغال على التعامل مع المنتخبات التي تعتمد على القوة البدنية والكرات العرضية، وهي نقطة ضعف ظهرت في أكثر من مناسبة خلال التصفيات والبطولات الأخيرة.
كما أن البرتغال تواجه مشكلة مختلفة عن معظم المنافسين، إذ إنها لم تعد منتخبًا يشارك دون ضغوط، بل أصبحت تمتلك من المواهب والخبرة ما يجعل أي نتيجة أقل من المنافسة الجدية على اللقب مصدرًا للإحباط.
وبالنسبة إلى جيل يضم عددًا كبيرًا من اللاعبين في ذروة عطائهم، قد لا تتكرر فرصة أفضل من مونديال 2026 لتحقيق الإنجاز الذي انتظرته البرتغال طويلًا.
البرازيل: العملاق الذي يبحث عن عودتهمن الصعب الحديث عن أي كأس عالم دون التوقّف عند البرازيل.
فالمنتخب الوحيد الذي شارك في جميع النسخ، وصاحب الرقم القياسي في عدد الألقاب بخمسة تتويجات، لا يمكن إخراجه من دائرة المنافسة مهما كانت ظروفه.
لكن الواقع يشير إلى أن البرازيل لم تعد تدخل البطولات بوصفها المرشح الأول كما كان الحال في فترات سابقة.
فمنذ تتويجه الأخير عام 2002، عجز" السيليساو" عن استعادة الكأس رغم امتلاكه أجيالًا موهوبة عديدة، لتتحوّل رحلة البحث عن اللقب السادس إلى أطول فترة جفاف يعيشها المنتخب البرازيلي منذ عقود.
ومع وصول كارلو أنشيلوتي إلى القيادة الفنية، تأمل الجماهير البرازيلية في استعادة شيء من الهيبة المفقودة.
ويشكّل تعيين المدرب الإيطالي حدثًا استثنائيًا بحد ذاته، إذ يخوض المنتخب البرازيلي كأس العالم للمرة الأولى تحت قيادة مدرب أجنبي، وليس أي مدرب، بل صاحب أكثر من 30 لقبًا، منها خمسة ألقاب في دوري أبطال أوروبا.
من الناحية الهجومية، يدخل المنتخب البطولة بوجود اثنين من أفضل الأجنحة في العالم، هما فينيسيوس جونيور ورافينيا، إذ يمنحان البرازيل سلاحًا هجوميًا يصعب على معظم المنتخبات مجاراته، خصوصًا في المباريات الإقصائية التي قد تُحسَم بلحظة فردية أو هجمة مرتدة سريعة.
ويضاف إلى ذلك حضور نيمار، الذي لم يعد اللاعب نفسه الذي حمل آمال بلاده في العقد الماضي، لكن خبرته تجعل منه ورقة قد تكون مفيدة، سواء داخل الملعب أو خارجه.
لكن مقابل ذلك، خاض المنتخب واحدة من أصعب حملات التصفيات في تاريخه الحديث، حيث تعرّض لست هزائم، وهو عدد يفوق مجموع ما خسره في التصفيات المؤهلة لكأس العالم خلال العقدين السابقين مجتمعين.
أما من الناحية الدفاعية، ورغم أن قلبَي الدفاع ماركينيوس وغابرييل يُعدّان من بين الأفضل عالميًا في مركزهما، فإن مركزَي الظهيرين لا يحظيان بالمستوى نفسه من الثقة.
والمفارقة أن البرازيل، التي قدّمت أظهرة أسطورية مثل كافو وروبرتو كارلوس ومارسيلو وداني ألفيش ومايكون، تعاني من صعوبة إيجاد بدائل بالمستوى نفسه.
وقد يتحوّل هذا الخلل إلى نقطة ضعف واضحة أمام المنتخبات التي تعتمد على السرعة والاختراق عبر الأطراف، كما حصل في بطولات سابقة.
كما أن خط الوسط، رغم امتلاكه لاعبين مميّزين مثل كاسيميرو وبرونو غيمارايش، لا يملك العمق والإبداع اللذين ميّزا أجيالًا برازيلية سابقة، ما يطرح تساؤلات حول قدرته على صناعة الفارق عندما تنجح المنتخبات المنافسة في الحد من تأثير الأجنحة.
وفي مثل هذه المباريات، قد يجد أنشيلوتي نفسه مضطرًا إلى البحث عن حلول أقل وضوحًا في العمق مقارنةً بما تملكه بعض المنتخبات الأوروبية المنافسة.
وربما يبقى العامل النفسي التحدي الأصعب أمام البرازيل.
فمنذ التتويج الأخير عام 2002، دخلت أجيال متعاقبة من النجوم البطولة وهي مرشحة للمنافسة على اللقب، لكنها انتهت في كل مرة بخيبة أمل، أبرزها السقوط التاريخي أمام ألمانيا بنتيجة 7-1 في مونديال 2014، وصولًا إلى الخروج من ربع النهائي في النسختين الأخيرتين.
ولذلك، فإن قدرة أنشيلوتي على إدارة الضغوط وإعادة بناء الثقة قد تكون العامل الحاسم في تحديد سقف طموحات هذا الجيل.
ألمانيا: فرصة أخيرة أم بداية جديدة؟أما ألمانيا فتبدو حالة فريدة بين كبار المرشحين، إذ يصعب وضعها في الصف الأول إلى جانب إسبانيا وفرنسا والأرجنتين وإنكلترا من جهة، بالنظر إلى النتائج المخيّبة التي حققتها خلال العقد الأخير.
ومن جهة أخرى، يبقى استبعاد ألمانيا من الحسابات مغامرة لا يجرؤ عليها كثيرون، بالنظر إلى تاريخها الطويل في البطولات الكبرى وقدرتها المتكررة على العودة بعد فترات التراجع.
ويخوض المنتخب الألماني مونديال 2026 وهو يسعى إلى طي صفحة واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخه الحديث.
فمنذ التتويج بلقب 2014 على حساب الأرجنتين، لم ينجح" المانشافت" في الوصول إلى نصف نهائي أي بطولة كبرى، كما خرج من دور المجموعات في نسختَي 2018 و2022.
لكن السنوات الأخيرة حملت مؤشرات مختلفة مع وصول يوليان ناغلسمان إلى القيادة الفنية، حيث بدأ المنتخب الألماني يستعيد شيئًا من هويته المفقودة، فيما يصل إلى مونديال 2026 بعد سلسلة نتائج إيجابية أعادت جزءًا من الثقة إلى الجماهير، مستفيدًا من جيل جديد يعتبره كثيرون الأكثر موهبة منذ سنوات.
ويتمثّل العنوان الأبرز لهذا الجيل في الثنائي جمال موسيالا وفلوريان فيرتز، وهما من أكثر اللاعبين إبداعًا وتأثيرًا في كرة القدم الأوروبية وباتا يمثّلان مصدر الإلهام الرئيسي للمنظومة الألمانية الجديدة بفضل مهاراتهما في المراوغة وصناعة اللعب والتحرّك بين الخطوط.
وقد يكون نجاح ألمانيا في البطولة مرتبطًا إلى حد كبير بقدرة هذين اللاعبين على ترجمة موهبتهما في المباريات الإقصائية الكبرى.
كما تستفيد ألمانيا من مزيج يجمع بين الشباب والخبرة.
فإلى جانب موسيالا وفيرتز، لا يزال المنتخب يعتمد على أسماء تملك خبرة طويلة في البطولات الكبرى، مثل جوشوا كيميش ومانويل نوير وأنطونيو روديغر، وهو ما يمنحه قدرًا من التوازن افتقده في بعض المشاركات السابقة.
لكن رغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك تساؤلات حقيقية حول قدرة المنتخب الألماني على الذهاب حتى النهاية.
فبعكس الأجيال التي تُوّجت بالألقاب في الماضي، لا تملك ألمانيا اليوم مهاجمًا صريحًا من الطراز الذي مثّله ميروسلاف كلوزه مثلًا.
ورغم قدرة كاي هافيرتز على أداء أدوار هجومية متعددة، يفتقد المنتخب إلى المهاجم القادر على تحويل أنصاف الفرص إلى أهداف في المباريات المغلقة.
كما أن الأسلوب الهجومي الذي يعتمده ناغلسمان يمنح الفريق ديناميكية كبيرة في الثلث الأمامي، لكنه يترك أحيانًا مساحات يمكن للمنتخبات السريعة استغلالها عبر الهجمات المرتدة.
وتزداد هذه المخاوف في بطولة قصيرة قد يؤدّي فيها خطأ واحد أو هدف مبكر إلى تغيير مسار مباراة كاملة.
إذا كانت الترشيحات تنحصر عادةً بين مجموعة صغيرة من المنتخبات الكبرى، يؤكد تاريخ كأس العالم أن البطولة تحتاج دائمًا إلى قصة غير متوقعة.
ففي 2018 كانت كرواتيا التي شقت طريقها إلى النهائي رغم أنها لم تكن ضمن المرشحين الأوائل، وفي 2022 كان المغرب الذي أصبح أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ نصف النهائي.
أما في 2026، فقد يكون الدور على اسم جديد.
ورغم أن معظم التوقعات تضع إسبانيا وفرنسا والأرجنتين وإنكلترا والبرتغال في مقدمة المشهد، فإن هناك مجموعة من المنتخبات التي تملك ما يكفي من الجودة والخبرة لإفساد حسابات الكبار إذا نجحت في تجاوز الأدوار الأولى.
وتأتي هولندا، التي بلغت النهائي ثلاث مرات دون أن ترفع الكأس، في مقدمة هذه القائمة.
ورغم أنها لا تدخل البطولة ضمن المرشحين الأوائل، فإن امتلاكها مزيجًا من المواهب الشابة والخبرة يجعلها قادرة على الذهاب بعيدًا إذا نجحت في تجاوز مجموعة تبدو أكثر تعقيدًا مما توحي به الأسماء على الورق.
فوجود اليابان والسويد وتونس يعني أن أي تعثّر قد يضع الهولنديين في مسار إقصائي بالغ الصعوبة منذ الأدوار الأولى.
من جهتها، تخوض النرويج كأس العالم وسط حالة من التفاؤل بعد غياب دام 28 عامًا، بوجود جيل ذهبي يقوده إرلينغ هالاند ومارتن أوديغارد، وهما من أبرز نجوم الدوري الإنكليزي.
وقد قدّمت النرويج واحدة من أقوى حملات التصفيات الأوروبية، مسجلةً 37 هدفًا، وهو أعلى رقم بين جميع المنتخبات الأوروبية المشاركة، في حين سجّل هالاند وحده 16 هدفًا في ثماني مباريات.
وإذا نجح النجمان في نقل مستوياتهما مع أنديتهما إلى الساحة الدولية، فقد تتحوّل النرويج إلى أحد أكثر المنتخبات إزعاجًا في البطولة.
ولا يمكن تجاهل بلجيكا كذلك، رغم أن أفضل سنوات" الجيل الذهبي" أصبحت خلفها.
فالمنتخب البلجيكي لا يزال يضم عددًا من اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، مثل كيفين دي بروين وتيبو كورتوا وروميلو لوكاكو وجيريمي دوكو وليوناردو تروسار، كما أن قرعته التي تضم إيران ونيوزيلاندا ومصر تمنحه فرصة الوصول إلى الأدوار المتقدمة قبل مواجهة كبار المرشحين.
ولا يمكن الحديث عن المنتخبات القادرة على تجاوز التوقعات دون التوقف عند كرواتيا.
فرغم أن كل الإحصاءات تضعه خارج دائرة المرشحين الجديين للّقب، اكتسب المنتخب الكرواتي خلال العقد الأخير سمعة خاصة ببلوغه نهائي مونديال 2018 وإحرازه المركز الثالث في 2022.
لكن الظروف تبدو مختلفة هذه المرة، إذ إن عددًا من ركائز الجيل الذي قاد تلك الإنجازات بات في المراحل الأخيرة من مسيرته، وعلى رأسهم لوكا مودريتش، كما أن المنتخب لم يعد يملك العمق نفسه الذي ميّزه في السنوات الماضية.
أما خارج الدائرة الأوروبية فيبرز المغرب، الذي لم يعد يملك عنصر المفاجأة الذي رافقه في قطر، لكنه لا يزال من بين أكثر المنتخبات القادرة على الذهاب بعيدًا.
فـ" أسود الأطلس" يدخلون البطولة وهم أعلى المنتخبات الأفريقية تصنيفًا، بعدما أثبتوا أن إنجاز 2022 لم يكن مجرد لحظة استثنائية.
صحيح أن الخصوم أصبحوا أكثر استعدادًا لمواجهتهم، لكن جودة التشكيلة والخبرة المتراكمة خلال السنوات الأخيرة تجعل من الصعب التعامل معهم كمنتخب خارج دائرة المنافسة، خصوصًا مع وجود نجوم مثل أشرف حكيمي وإبراهيم دياز وياسين بونو ونصير مزراوي.
وتكمن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى معظم هذه المنتخبات في أن طريقها نحو الأدوار المتقدمة أكثر تعقيدًا من طريق الكبار.
فالتوقعات تشير إلى أن أي تعثّر في دور المجموعات قد يفرض مواجهات مبكرة مع منتخبات مثل البرازيل وفرنسا والأرجنتين، وهو ما يرفع مستوى المخاطرة بشكل كبير.
لكن إذا نجحت هذه المنتخبات في تجاوز تلك العقبات الأولى، فإنها تملك من الجودة ما يكفي لتحويل نفسها من مجرد" حصان أسود" إلى منافس حقيقي على اللقب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك