يني شفق العربية - وزير الصناعة السوري يدعو إلى شراكة اقتصادية مستدامة مع تركيا الجزيرة نت - حاولوا شطر الفوتون إلى نصفين.. فانفجر إلى "ما لا نهاية" من الاحتمالات سكاي نيوز عربية - دراسة تكشف الإجابة.. هل قتل الهاتف الذكي الرغبة في الإنجاب؟ التلفزيون العربي - بعد أوامر إخلاء واسعة النطاق.. الاحتلال يقصف مدينة صور جنوبي لبنان Independent عربية - قطب العملات المشفرة سام بانكمان فريد يريد عفو ترمب فرانس 24 - استعدادا لمونديال2026: فرنسا تفوز على إيرلندا الشمالية بثلاثية من توقيع أوليسيه روسيا اليوم - الصين ترفض خطة الاتحاد الأوروبي لاحتجاز ناقلات النفط الروسية بالبحر المتوسط روسيا اليوم - الخارجية الروسية: الغرب حوّل أوكرانيا إلى "إمبراطورية إجرامية" فرانس 24 - ليبيا: ما حقيقة "مخططات توطين المهاجرين"؟ العربية نت - شقيق سهام جلال يكشف حقيقة وفاتها نتيجة "خطأ طبي"
عامة

القائد الأندلسي «غالب الناصري».. جهاد كبير وموت مثير

بوابة الأهرام
بوابة الأهرام منذ 3 ساعات
1

يحفل التاريخ الاندلسي بسير القادة والزعماء السياسيين الذين استطاعوا أن يسجلوا أسماءهم في سجلاته، بل كان ظهور بعضهم يمثل بداية أو نهاية مرحلة من العصر الذي عايشوه، وفي الأندلس، فردوس المسلمين المفقود، ...

يحفل التاريخ الاندلسي بسير القادة والزعماء السياسيين الذين استطاعوا أن يسجلوا أسماءهم في سجلاته، بل كان ظهور بعضهم يمثل بداية أو نهاية مرحلة من العصر الذي عايشوه، وفي الأندلس، فردوس المسلمين المفقود، تختلط البطولات بالخيبات، والانتصارات بالهزائم، والعزائم بالخذلان، والوفاء بالخيانة، واليوم نتصفح سيرة أحد هؤلاء الرجال، إنه القائد الأندلسي غالب الناصري.

هو القائد الأعلى أبو عثمان غالب بن عبد الرحمن الناصري، شيخ موالي الأندلس قاطبة، وفارس الأندلس في عهده، تولى القيادة العليا للجيوش الأندلسية، ولُقب لوحده بذي السيفين، استعان به أمير الأندلس المَنْصُور أَبُو عامِر محمد بن أبي عامر (ت392هـ/ 1002م)؛ للتخلص من سطوة الحاجب جعفر المصحفي، مُدبر الدولة في عهد الخليفة الأموي بالأندلس الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر (350-366هـ/961-976م)، ثم انقلب عليه، فجرى الصدام العسكري بينهما، وقد مات غالب فجأة يوم السبت الرابع من شهر محرم سنة 371هـ/982م وعمره نحو ثمانين عاماً.

كان غالب الناصري من أكابر دولة الحكم المستنصرالأُمَوي (ت366هـ/ 976م)؛ فقد برز ذكر القائد غالب لأول مرة سنة 335هـ/946م، عندما كلفه الخليفة عبد الرحمن الناصر بالخروج على رأس جيش كبير لإعادة بناء مدينة سالم (Medina Sedonia) أو (Medinaceli)، إحدي مدن الثغر الأوسط بالأندلس، ومن ثم قاد غالب العديد من الحملات العسكرية الناجحة، وعندما هاجم النورمانديون السواحل الغربية للأندلس في أوائل رمضان سنة (360هـ/971م) عهد الخليفة المستنصر إلى قائده غالب الناصري بالإشراف العام على القوات البرية والبحرية" لضلاعته وغنائه وعلمه بثقوب نظره".

ولم يمض وقتا حتى عادت مراكب النورمان تجوس خلال المياه الغربية وتهدد شواطئ ولاية الغرب، فعهد الحكم إلى أمير البحر عبد الرحمن بن رماحس بتسيير الأسطول من ألمرية وإشبيلية، واجتماع قوى الأندلس البحرية كلها لمواجهة الغزاة، كما عهد الحكم إلى الوزير القائد غالب بن عبد الرحمن بأن يشرف على القوات البرية والبحرية التي أعدت لمدافعة أولئك الغزاة، وأمر صاحب الخيل والحشم زياد بن أفلح بإخراج السلاح والعدة، وحشد قوة مختارة من الجند.

بيد أنه لم تقع - فيما يبدو - أية معارك هامة بين المسلمين والغزاة، فبادر الحكم في نفس الوقت، بحشد جيش جديد، ندب لقيادته مولاه ووزيره وكبير قواده غالباً بن عبد الرحمن الناصري وأمده عددا من الجند الكثيف، والعتاد الضخم، بأموال جليلة لاستمالة القبائل، وأمره أن يشتد في قتال الأدارسة، وأن يستأصل شأفتهم، وأن يطهر المغرب من كل القوى المناوئة لبنى أمية، وعلى رأسها قوى الحسن بن كنون وقال له: " سر يا غالب مسير من لا إذن له في الرجوع إلا حياً منصوراً، أو ميتاً معذوراً، وابسط يدك في الإنفاق، فان أردت نظمت للطريق بيننا قنطار مال".

خرج غالب في قواته الجرارة من قرطبة، وعبر البحر من الجزيرة الخضراء إلى قصر مصمودة - القصر الصغير - وذلك في الحادي عشر من رمضان سنة 362هـ/872م، وعلم الحسن بن كنون بمقدمه، وعظيم أهبته، فغادر مدينة البصرة، الواقعة في الجنوب حيث كان يقيم، ولجأ بأهله وأمواله وذخائره إلى قلعة حجر النسر، الواقعة شمالها.

ثم جمع قواته وخرج لقتال جيش الحكم، ونشب القتال بين الفريقين أياماً، وبث غالب في رؤساء البربر من غمارة وغيرهم من جند الحسن، الأموال والهدايا، فانفصلوا عنه، واضطر الحسن أن يمتنع بمن بقى معه في قلعة حجر النسر، فطارده غالب وضرب الحصار حول القلعة.

وفى أوائل شوال بعث الحكم ثقته محمد بن أبي عامر إلى العدوة بأحمال من المال والحلي والخلع لتوزيعها على أكابر البربر الذين يمكن استمالتهم إلى جانب الخلافة.

وأصدر الحكم في نفس الوقت مرسومه بتعيين ابن أبي عامرقاضياً لقضاة العدوة، إلى ما يتقلده من خطتى الشرطة الوسطى والعليا والمواريث وقضاء إشبيلية.

ووصلت إلى غالب من الأندلس بعد ذلك أمداد جديدة، بقيادة الوزير يحيى بن محمد التجيبى وإخوته، يوسف ومحمد وهاشم وهذيل، ومعه جملة من المال (المحرم سنة 363هـ/973م) ونزل يحيى وجنده بطنجة، وانضموا إلى قوات القائد الأعلى غالب.

وشدد غالب الحصار على الحسن، وقطع سائر علائقه وموارده، وبث قواته في سائر الأنحاء لمطاردة الأدارسة، واستئصال شأفتهم.

ونشبت بين جند الحكم وبينهم معارك عديدة، قتل فيها الكثير منهم.

وفى صفر سنة 363هـ استولى غالب على مدينة البصرة، وسلمها إليه أهلها، بعد أن قتلوا نائبها الحسنى.

وفى تلك الأثناء، كان الحسن قد أجهده الحصار، وأشرف على الهلاك، ومن معه من أهله ورجاله، فاضطر في النهاية إلى طلب الأمان والتسليم، وأعلن طاعته للحكم، وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة 363هـ/973م، ودخل غالب قلعة حجر النسر، ودعى في مسجدها للحكم.

ووصلت هذه الأنباء السارة إلى الحكم، وأعلنها الحكم في جامع قرطبة، بعد ذلك بأيام قلائل.

وتتبع غالب سائر من بقى من الأدارسة ببلاد الريف حتى استأصل شأفتهم، وقضى على دولتهم.

وسار إلى مدينة فاس ودخلها، وعين لها حاكماً من قبله، وتم بذلك إخضاع المغرب للدولة الأموية.

وكان قد وصل من العدوة قبل هزيمة الحسن، عدد كبير من القبائل والبطون البربرية الخارجة عليه، الجانحة إلى طاعة الحكم.

وكان بين هؤلاء عدد كبير من فرسان قبائل كتامة يبلغون زهاء ثلاثة آلاف وخمسمائة فارس، ورئيسهم أبو العيش بن أيوب، وقد عقد له الحكم على قومه، وأصدر له بذلك سجلا من إنشاء صاحب المواريث جعفر بن عثمان، يبين فيه واجباته وسلطاته ولا سيما في شؤون الجباية، وأصدر الحكم سجلات مماثلة لزعماء القبائل والبطون البربرية الأخرى.

وفى أواخر ذي الحجة سنة 363هـ/973م، عبر القائد الأعلى غالب البحر إلى الجزيرة الخضراء، تاركاً شئون العدوة للقائد يحيى بن محمد بن هاشم التجيبى؛ تحقيقاً لرغبة الحكم، وكان في ركب القائد الأعلى المظفر، الحسن بن كنون وسائر أهله وشيعته من زعماء الأدارسة ومعهم الأهل والولد.

أشرف غالب في ركبه الحافل على قرطبة في أوائل المحرم سنة 364هـ/975م، وأنزل الأشراف الحسنيون المرافقون له في الدور التي أعدت لهم بقرطبة وأرباضها.

وخرج الجند من مدينة الزهراء في صبيحة يوم الخميس الخامس من محرم لتلقى القائد المظفر، والمسير بين يديه، وعلى رأسهم عدة من الفتيان ورؤساء الخدمة، ودخل غالب قرطبة في عسكره، وفي ركبه الأشراف الأدارسة.

ودخل غالب في موكبه الفخم مدينة الزهراء ونفذ إلى القصر، وأنزل الأدارسة الذين معه في المجالس القبلية بدار الجند.

وكان الخليفة الحكم قد جلس لاستقباله في المجلس الشرقي المشرف على الرياض، وقد حف به الإخوة، وجلس من بعدهم الوزراء والحجاب وأصحاب الشرطة والمدينة والقضاة وسائر أهل الخدمة، كل في مكانه المعهود.

واستقبل الخليفة زعماء الأدارسة، وشيخهم حنون بن أحمد بن عيسى، وشكر طاعتهم، وعفا عن الحسن، ووعدهم بالإحسان، وأجزل لهم الأرزاق والصلات.

وعين من حاشيتهم في ديوانه، سبعمائة من أنجادهم.

واستمر الحسن وذووه على ذلك زهاء عامين.

وتواصلت انتصارات القائد غالب الناصري فحقق نصرا مؤزرا على قوى النصارى كان منها انتصاره في موقعة حصن غرماج (Gormaz)؛ ففى أوائل شعبان سنة 364هـ/ ابريل 975م، هاجم جيش مشترك من الجلالقة والقشتاليين والبشكنس، حصن غرماج الواقع على نهر دويرة على مقربة من مدينة سالم، ونشب وبينه وبين حاميته الإسلامية قتال عنيف.

وشجع النصارى على انتهاك السلم المعقود بينهم وبين الخليفة، اعتقادهم بأن قوى الأندلس كلها ما تزال مشغولة بحروب العدوة.

وانقلب النصارى إزاء بسالة الحامية الإسلامية إلى محاصرة الحصن، ووافتهم أمداد أخرى جاءت لتشد أزرهم.

وما كاد الحكم يقف على هذه الأنباء حتى بعث كبير قواده غالباً بن عبد الرحمن في قوة مختارة غادرت قرطبة على عجل.

وبعث الحكم في أثرها أحمال المال للإنفاق على الصائفة.

واستمر حصار النصارى لغرماج حتى شوال من تلك السنة.

وجاءت للنصارى أمداد جديدة من جند ليون، سيرتها الراهبة إلبيرة الوصية على ملك ليون، ناكثة بذلك عهدها في التهادن والسلم.

وفى منتصف شوال، هاجم النصارى الحصن، وهم في أكثر من ستين ألفاً، محاولين اقتحامه، ونشبت بينهم وبين الحامية الإسلامية معركة طاحنة انتهت بهزيمة النصارى وتبديد شملهم، فبادرت صفوفهم بالارتداد عن الحصن بعد أن فقدوا كثيراً من جندهم وعتادهم، وطاردهم المسلمون، فقتلوا منهم جموعاً أخرى، وأحرزوا غنائم جمة.

وقد كان لهذا الانتصار دوره في أن يرتفع شأن الناصري لدى الحكم؛ فبعد أن عاد على أثر انتصاره في موقعة حصن غرماج (Gormaz) في سنة 364ه/974م، قلده الحكم سيفين مذهبين من ذخائر سيوفه، وسماه" ذا السيفين"، وذلك يوم الخميس السابع من شهر شعبان سنة (364هـ/975م)؛ تقديراً له على جهوده في العدوة المغربية؛ فزادت بذلك ثقة الخليفة الحكم فيه فسيره في جيش قوى إلى مدينة قلهرّة، من قواعد نافار الغربية، فافتتحها، وحصنها وشحنها بالرجال والعدة، وكان فتحاً عظيماً.

كان لتلك الانتصارات التي حققها القائد غالب دورها في توطيد مركزه، وفى المقابل إضعاف مركز الحاجب جعفر المصحفي.

وكان بينهما عداء مستحكم، زاده ما تقوّل به الحاجب على غالب، من تقصيره في الدفاع عن الحدود الشمالية، وعجزه عن رد النصارى، فانتهز ابن أبي عامر هذه الفرصة ليضم غالباً إلى جانبه، وسعى إلى خدمته والدفاع عنه لدى الخليفة، حتى خرج المرسوم برفعه إلى خطة" ذي الوزارتين"، وبأن يندب لقيادة جيش الثغر، وأن يندب ابن أبي عامر لقيادة جيش الحضرة.

خرج ابن أبي عامر على أثر ذلك بالجيش إلى غزوته الثانية، وذلك في يوم عيد الفطر سنة (366هـ/ مايو 977م)، فالتقى بغالب وجيشه في محلة مجريط على طريق وادي الحجارة، واخترق الجيشان معاً أراضي قشتالة القديمة، واستولى المسلمون على حصن مولة، وأصابوا كثيراً من الغنائم والسبى.

وكان لجيش غالب التفوق في الأعمال الحربية في تلك المنطقة، ولكن غالباً تنحى عن ذلك لابن أبي عامر، وارتد بجيشه إلى الثغر، بعد أن توثق بينهما التحالف، والتفاهم على سحق الحاجب جعفر عدوهما المشترك وخطر للحاجب جعفر أن يقف هذا التحول الخطر، باستمالة القائد غالب ومصالحته، فطلب يد ابنته زوجاً لابنه، فاستجاب غالب إلى طلبه، وكادت تتم المصاهرة، ولكن سرعان ما علم ابن أبي عامر بذلك المشروع، فثارت نفسه، وكتب إلى غالب يناشده الولاء، ويخطب ابنته لنفسه، وعضده في ذلك أهل القصر، فنزل غالب على تلك الرغبة، وعدل إلى مصاهرة ابن أبى عامر.

ولم يمض قليل على ذلك حتى خرج ابن أبي عامر إلى غزوته الثالثة، فسار إلى طليطلة في أوائل صفر، حيث التقى مع صهره غالب.

وسار الإثنان في قواتهما شمالا، وافتتحا في طريقهما بعض الحصون، ثم قصدا إلى مدينة شلمنقة الواقعة جنوب غربى مملكة ليون فاقتحماها، وعاثا في أرباضها، واستوليا على كثير من الغنائم والسبى؛ وعاد ابن أبي عامر إلى قرطبة لأربعة وثلاثين يوماً فقط من خروجه، ومعه عدد عظيم من رؤوس النصارى.

فاغتبط الخليفة بصنعه، ورفعه إلى خطة الوزارتين أسوة بصهره غالب، ورفع راتبه إلى ثمانين ديناراً في الشهر، وهو راتب الحجابة في ذلك العصر.

ومع كل هذا فقد وقع الخلف بين الرجلين ابن أبي عامر وصهره القائد غالب؛ فقد كان غالب - بالرغم من تقلده خطة الوزارة - يقيم بالثغر بعيداً عن قرطبة، وكان يتمتع في قرطبة وسائر مدن الأندلس بسمعة عالية في ميدان الفروسية والقيادة، وهو ما كان ينقمه ابن أبي عامر على صهره؛ إذ كان المعارضون يرون فيه الرجل الوحيد، الذي يستطيع أن يقارع ابن أبى عامر ويقاومه، ومن ثم فقد رأى ابن أبي عامر أن يرفع إلى مرتبة الوزارة جعفر بن على ابن حمدون، وكان من مشاهير الفرسان والقادة البربر من زناته، وكان مقيماً بالعدوة (المغرب)، فعبر البحر إلى الأندلس، واستقر في الوزارة، يكنفه ابن أبي عامر بحبه وثقته، ويستعين به على تأليف البربر وكسب محبتهم، ولاسيما بعد أن غدوا يؤلفون معظم حرسه وحاشيته.

تقاطر البربر من العدوة، وابن أبي عامر يستقبلهم بأوفر ضروب البذل والإحسان، ويقوى بهم صفوفه وبطانته.

وكان غالب يستشعر الوحشة والريبة من تصرفات صهره، ويتوقع منها سوء العاقبة.

ولم يمض قليل حتى ساء التفاهم بين غالب وصهره، فعمد غالب إلى مصانعة ابن أبي عامر، ودعاه أثناء غزوه بالصائفة في أراضي قشتالة، إلى وليمة أقامها بمدينة أنتيسة، إحدى مدن الثغر التي تحت ولايته، وجاء ابن أبى عامر إلى القلعة حيث أقيمت الوليمة، في بعض أصحابه، فانفرد به غالب وشرع في عتابه.

ثم اشتد بينهما النقاش، فشهر غالب سيفه على صهره فجأة، فأصابه فى بعض أنامله وصدغه، واستطاع ابن أبي عامر أن يفر ناجياً بنفسه، من مأزق بالغ الخطورة.

وامتنع غالب بالقلعة، بينما سار ابن أبي عامر لفوره إلى مدينة سالم، حيث دار غالب وأهله، فاستولى عليها وعلى سائر أمواله ومتاعه، وفرقها فى الجيش، وعاد إلى الحضرة، وهو يضمر لغالب أسوأ النيات، وكان غالب أعظم قادة الأندلس وأبرعهم في ذلك العصر، وكانت لديه في الثغر قوات يعتد بها، فنهض لقتال قوات ابن أبي عامر، وغلب عليها، فى البداية غير مرة، ثم رأى أن يستعين براميرو الثالث ملك ليون، فأمده ببعض قواته.

وسار ابن أبي عامر لمقارعة خصمه في معركة حاسمة، ووقع اللقاء بين الفريقين أمام حصن شنت بجنت (San Vicente) على مقربة من أنتيسة (Atienza)، ونشبت بينهما معركة شديدة، أبلى فيها غالب وقواته بلاء حسناً وكاد يحرز النصر في البداية، ولكنه ما لبث أن سقط ميتاً عن جواده خلال المعمعة، ولم يعرف سبب مصرعه لأنه لم يقتل بيد أحد، وحملت رأسه في الحال إلى ابن أبي عامر، فدب الوهن والذعر إلى قواته، وطاردتها قوات الأندلس، وأمعنت فيها قتلا وأسراً، وهلك من الجند النصارى الذين كانوا يقاتلون إلى جانب غالب عدد جم، وكان ذلك في الرابع من محرم سنة 371هـ/ أغسطس سنة 981م.

ومما جاء في وصف مصرع القائد غالب أنه كان قد هز فرسه، وترك جبهة القتال وأخذ ناحية إلى خندق كان في جانب عسكره، فظن أصحابه أنه يريد الخلاء، فلما أبطأ عليهم ركبت طائفة منهم نحوه، فوجدوه قد سقط إلى الأرض ميتاً، وقد فارق الدنيا بلا ضربة ولا رمية ولا أثر، وفرسه واقف بجانبه يعلك لجامه، ولا يعلم أحد سبب موته.

بهذه النهاية المريبة والغامضة تنتهي سيرة قائد كبير من قادة المسلمين في الأندلس، بعد حياة مليئة بالجهاد لرفع لواء الحق ونشر دعوة الإسلام، وإنها لنهاية حقيقة بأن يحمل معها المرء في قلبه حزنا على تلك الخاتمة المؤسفة لرجل من أعلام القتال والجهاد في سبيل الله تعالى، على أنه يبقى وعد رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

فاللهم أحسن لنا الختام.

اللهم آمين.

دكتوراه في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، بكلية دار العلوم جامعة القاهرة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك