يني شفق العربية - وزير الصناعة السوري يدعو إلى شراكة اقتصادية مستدامة مع تركيا الجزيرة نت - حاولوا شطر الفوتون إلى نصفين.. فانفجر إلى "ما لا نهاية" من الاحتمالات سكاي نيوز عربية - دراسة تكشف الإجابة.. هل قتل الهاتف الذكي الرغبة في الإنجاب؟ التلفزيون العربي - بعد أوامر إخلاء واسعة النطاق.. الاحتلال يقصف مدينة صور جنوبي لبنان Independent عربية - قطب العملات المشفرة سام بانكمان فريد يريد عفو ترمب فرانس 24 - استعدادا لمونديال2026: فرنسا تفوز على إيرلندا الشمالية بثلاثية من توقيع أوليسيه روسيا اليوم - الصين ترفض خطة الاتحاد الأوروبي لاحتجاز ناقلات النفط الروسية بالبحر المتوسط روسيا اليوم - الخارجية الروسية: الغرب حوّل أوكرانيا إلى "إمبراطورية إجرامية" فرانس 24 - ليبيا: ما حقيقة "مخططات توطين المهاجرين"؟ العربية نت - شقيق سهام جلال يكشف حقيقة وفاتها نتيجة "خطأ طبي"
عامة

هزيمة في الواقع ونصر في الرواية!

العربية نت
العربية نت منذ 3 ساعات
1

في التاريخ السياسي للمنطقة العربية كثير من الجرائم التي لم يكن هدفها قتل شخص بعينه بقدر ما كان هدفها قتل الحقيقة نفسها.فالأنظمة المغلقة والتنظيمات السرية، تدرك أن السيطرة على الرواية لا تقل أهمية عن...

في التاريخ السياسي للمنطقة العربية كثير من الجرائم التي لم يكن هدفها قتل شخص بعينه بقدر ما كان هدفها قتل الحقيقة نفسها.

فالأنظمة المغلقة والتنظيمات السرية، تدرك أن السيطرة على الرواية لا تقل أهمية عن السيطرة على السلاح.

وإذا كان السلاح يقتل الجسد، فإن الرواية المزيفة تقتل الوعي، وتربك العدالة وتدفع المجتمعات إلى الغوص في لجة الفوضى.

اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري شباط/فبراير عام 2005 كان واحداً من تلك الأحداث الفاصلة التي تجاوز أثرها حدود لبنان.

فبعد ساعاتٍ قليلة من الانفجار الذي هز بيروت، لفت أنظار العالم ظهور شاب فلسطيني اسمه أحمد توفيق أبو عدس في تسجيلٍ مصور يتبنى العملية باسم جهةٍ متطرفة.

يومها بدا الأمر كأن القضية حسمت بسرعة لافتة، غير أن الأسئلة بدأت تتكاثر بدلاً من أن تتراجع، وأصبح التسجيل نفسه جزءاً من القضية لا تفسيراً لها.

أبو عدس عاطل من العمل، أصبح يرتاد زاوية في مسجد، وهناك أخذ محمد يتردد عليه حتى أصبحا صديقين.

في نهاية 2004 حضر محمد إلى منزل أبوعدس، ليصحبه إلى عملٍ وجده له، كانت في انتظار الإثنين مجموعة من الرجال، وكاميرا تسجيل، و آخر يحمل رشاشاً حربياً.

فأعطي أبو عدس ورقة فيها اعتراف بأن تنظيمه هو من قتل الحريري، وبعدها يطلق، فامتثل، إلا أنها كانت نهايته بعد التسجيل! بقية القصة معروفة.

المهم هنا ليس ما جرى لذلك الشاب، أو كيف انتهت قصته المأسوية فحسب، بل ما تكشفه الواقعة من منهج في العمل السياسي السري الذي ديدنه" القتل ثم القتل".

ثم محاولة السيطرة على الرواية، فالتنظيمات المغلقة عبر التاريخ اعتادت صناعة روايات بديلة، واستخدام أشخاص عاديين أو مهمشين لإخفاء الفاعل الحقيقي.

وفي مثل هذه الحالات يتحول الإنسان إلى مجرد أداةٍ يمكن استخدامها ثم التخلص منها عندما تنتهي مهمتها، وهكذا تم اغتيال كوكبة من الأحرار اللبنانيين.

الفاعل نفسه والادعاء نفسه ثم تضليل الجمهور.

هي مشكلة أخلاقية وسياسية وفكرية.

فعندما تصبح الغاية السياسية أعلى من قيمة الإنسان، ويصبح الكذب أهم من الحقيقة، يصبح كل شيء مباحاً.

الكذب يصبح وسيلةً مشروعة، والخداع ضرورة تنظيمية، والتضليل جزءاً من المعركة، وقتل المختلفين مشروعاً وطنياً.

وفي هذه البيئة لا يعود السؤال عن الحقيقة مهماً بقدر أهمية خدمة المشروع الذي يدعي أصحابه امتلاك الحقيقة المطلقة.

ومع مرور السنوات أصبح التنظيم ضد أهله ويبدأ بأكل نفسه، ليس بمعنى تشريدهم فحسب، بل إن من لا يمتثل كي يصبح" شهيداً" يصفّى، أو من يرفع صوته محتجاً يلقى المصير نفسه، وتصبح الهزيمة نصراً.

فأخطر ما في التنظيمات العقائدية المسلحة أنها لا تكتفي بمواجهة خصومها، بل تفرض على أتباعها أيضاً منظومة صارمة من الطاعة والانضباط.

الفرد داخل هذه المنظومة لا يطلب منه التفكير بقدر ما يطلب منه التنفيذ.

ومع مرور الوقت يصبح الولاء بديلاً من العقل، والشعار بديلاً من النقاش، والانتماء بديلاً من المسؤولية الفردية، والسيطرة على الرواية أهم من الحقيقة، ولو سار التنظيم ضد بيئته.

من يتأمل تجارب المنطقة خلال العقود الماضية يلاحظ أن عدداً من التنظيمات التي رفعت شعارات كبرى عن التحرير أو المقاومة أو العدالة انتهت عملياً إلى إنتاج بيئات مغلقة، لا تسمح بالنقد أو المراجعة.

وعندما تغيب المراجعة يغيب التصحيح، وتتراكم الأخطاء حتى تتحول إلى كوارث سياسية واجتماعية.

في هذا السياق، يكتسب انتشار بعض المقاطع والشهادات المنسوبة إلى أفراد من داخل تلك التنظيمات أهمية خاصة.

فبغض النظر عن دقة كل رواية على حدة، فإن الصورة العامة التي تتشكل هي صورة تنظيم يطالب أفراده بالطاعة الكاملة، بينما لا يمنحهم الحق نفسه في المعرفة أو المشاركة في القرار.

وهنا تتحول العلاقة بين التنظيم وأعضائه من علاقة اقتناع إلى علاقة تذمر.

هذه التنظيمات كثيراً ما تتحدث باسم الكرامة الإنسانية والدفاع عن المظلومين، لكنها تدمر الكرامة الإنسانية وتنتهك أبسط حقوق الإنسان، وعلى رأسها حقه في الاختيار أو الاحتجاج، أو حتى التساؤل.

ولذلك، فإن المشكلة في لبنان ليست في السلاح وحده، بل في العقلية التي تدير السلاح، وتعتبر الإنسان وسيلة قابلة للاستهلاك.

لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً نتيجة تغليب الولاءات والتنظيمات على الدولة ومؤسساتها.

والتجربة اللبنانية تقدم درساً واضحاً مفاده أن الدولة لا يمكن أن تتعايش طويلاً مع مراكز قوة تعمل خارج منطقها وقوانينها.

فحين تتعدد مراجع القرار تضيع المسؤولية، وحين تضيع المسؤولية تصبح الحقيقة أولى الضحايا.

والأمم لا تبنى بالشعارات الغاضبة ولا بالروايات الأسطورية الكاذبة.

الأمم تبنى بالمؤسسات المستقلة والقضاء العادل وحرية البحث عن الحقيقة.

أما المجتمعات التي تسمح بتحويل الإنسان إلى أداة، والحقيقة إلى مادة دعائية، فإنها تفتح الباب أمام دورةٍ لا تنتهي من الشك والخوف والانقسام.

يسمي" حزب الله" تشريد الملايين وبالتالي تسهيل احتلال الأرض، انتصاراً، ولا زال يحاول السيطرة على الرواية، رغم كل ما نراه تحت الشمس من تخريب.

جوهر الحضارة الحديثة ليس امتلاك القوة، بل إخضاع القوة للمساءلة، وليس السيطرة على الرواية، بل مواجهة الحقيقة، وكل مشروع سياسي أو عقائدي يعجز عن قبول المساءلة ويذهب إلى تزييف الواقع، محكوم عليه في النهاية بأن يتحول إلى عبءٍ على المجتمع الذي يدّعي الدفاع عنه، وتصبح مجموعاته عصابات مسلحة ليس أكثر.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك