كانت إسطنبول تمضي في يومها المعتاد.
الحافلات تبتلع الشوارع الطويلة، والناس يتدفقون بين المحطات والشوارع ومراكز التسوق، بينما كنت أجلس قرب نافذة باص عمومي أحاول أن أقنع نفسي بأن أصل إلى وجهتي هذه المرة دون أن أضطر للنزول.
عند كل محطة تقريبا كنت أضغط زر التوقف، أهبط مسرعا، وأهرول بحثا عن أقرب مركز تجاري.
لم أكن أبحث عن متجر أو مطعم أو مكان أستريح فيه.
كنت أبحث عن حمام فقط.
كنت أدخل مسرعا، أغلق الباب خلفي، ثم أواجه المشهد ذاته الذي صار يتكرر عشرات المرات كل يوم: دم كثير، وألم حاد يمزق بطني، وإرهاق يتسلل إلى جسدي شيئا فشيئا.
أخرج محاولا أن أبدو طبيعيا، أعود إلى الشارع، أستقل حافلة أخرى، ثم أكرر الرحلة نفسها من جديد.
لا أحد من الركاب كان يعلم أن الشاب الواقف إلى جواره في الحافلة ينزف بصمت.
ولا أحد كان يعرف أن كل محطة بالنسبة إلى ذلك الشاب فرصة جديدة للوصول إلى الحمام.
في ذلك اليوم، كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة صباحا.
أما المشهد التالي الذي أتذكره، فقد فتحت عيني لأجد سقفا أبيض يعلو سريرا في غرفة مستشفى.
كانت الساعة الخامسة مساء.
أخبرني أصدقائي لاحقا أنني سقطت أرضا فاقدا للوعي بعد أن أنهكني النزيف المتواصل، وأنهم نقلوني على عجل إلى المستشفى.
المريض يأتي منهكا، ثم يقف في طابور التسجيل، ثم طابور المراجعة، ثم طابور المختبر، ثم طابور الصيدلية، حتى يصبح الوصول إلى العلاج رحلة علاج أخرىأربعون يوما كاملة قضيتها بين جدران المستشفى، يتنقل الأطباء بين الاحتمالات والعلاجات، ويحاولون فهم المرض الذي كان يزداد شراسة يوما بعد يوم.
وحين ضاقت الخيارات، اتخذوا قرارا بدا مخيفا آنذاك: استئصال القولون.
ففي اللحظات الأخيرة كتب الله لي تحسنا مفاجئا أرجأ المواجهة الكبرى.
لم أكن أعلم حينها أنني تجاوزت الأمر بشكل كامل، إنما حصلت فقط على هدنة مؤقتة.
فبعد سنوات من الألم والمعاناة والعلاجات المتعاقبة، عدت إلى النقطة نفسها، لأجد نفسي مضطرا إلى اتخاذ القرار الذي تأجل طويلا: استئصال القولون.
بدأت رحلتي مع المرض مطلع عام 2017، عندما عدت إلى غزة بعد أن أنهيت درجة الدكتوراه، أحمل أحلاما كبيرة وطموحا أكبر، وأتطلع إلى بداية جديدة في العمل الأكاديمي والجامعي.
كنت أظن أن الطريق الذي ينتظرني قد رُسمت ملامحه بالفعل.
لكن القدر كان يخبئ مسارا آخر تماما.
في أحد الأيام، لاحظت نزول دم مع البراز.
مجرد علامة صغيرة بدت عابرة في ذلك الوقت.
لكنها كانت اللحظة الأولى في قصة طويلة لم أكن أعرف أنها ستغير حياتي كلها.
بعد تشخيصي بالقولون التقرحي، أدركت أنني دخلت علاقة طويلة مع المستشفيات، علاقة لا تنتهي بوصفة دواء ولا بموعد مراجعة.
كان المرض مزمنا، يرافقني أينما ذهبت، ويطالبني بحضوري الدائم.
كانت المسافة بين منزلي ومستشفى جراح باشا تستغرق نحو ساعة ونصف في الظروف العادية، أما في إسطنبول، حيث الزحام جزء من تفاصيل الحياة اليومية، فكانت الرحلة تمتد أحيانا إلى ما هو أبعد من ذلك.
أتحدث عن رحلة لم تكن يوما أو أسبوعا أو شهرا.
سنوات من المواعيد الطبية والتحاليل والمناظير وتجديد الوصفات وانتظار النتائج.
وسنوات من الحافلات والقطارات وزحام إسطنبول والممرات الطويلة داخل المستشفى.
كانت البيروقراطية أكثر قسوة من المرض نفسه.
فالمريض يأتي منهكا، ثم يقف في طابور التسجيل، ثم طابور المراجعة، ثم طابور المختبر، ثم طابور الصيدلية، حتى يصبح الوصول إلى العلاج رحلة علاج أخرى.
وفي وسط ذلك كله، كنت أحمل عبئا إضافيا.
لغة الناس ليست لغتي، ولهجتهم ليست لهجتي، وملامحهم ليست كملامحي.
كنت أخفض صوتي أحيانا، وأختار كلماتي بحذر، وأحاول ألا ألفت الانتباه إلى هويتي بين الواقفين في الطوابير.
لم يكن الأمر خوفا من الجميع، فالغالبية الساحقة من الناس الذين عرفتهم خلال سنوات المرض كانوا طيبين ومتعاونين، لكن التوتر الذي تصنعه ساعات الانتظار الطويلة كان يجعل بعض النفوس أكثر ضيقا وأقل احتمالا للآخر.
أشياء صغيرة جدا في نظر الآخرين، لكنها بالنسبة إلى المريض كبيرة، بيد أنها لا تُرى، إذ يعيش المريض محنته مع نفسه، وربما مع أقرب الناس إليهمضت السنوات، سنة بعد أخرى.
وفي السنة العاشرة اقتربت من القرار الذي ظل يؤجل نفسه سنوات طويلة.
قرار استئصال القولون.
لكن الله كان يدبر أمرا آخر.
أمرا لم أفهم حكمته يومها، لكنني أدركت لاحقا أنه كان بداية الدروس الأعمق في حياتي كلها.
بدأت أكتشف أن المرض كان شيئا أكبر مما كنت أتخيل.
كنت أتصوره زيارة طبيب وإجراء تحليل وتناول دواء ثم يمضي.
لكنني اكتشفت مع الوقت أن المرض كان قوة خفية تعيد تشكيلي من الداخل دون أن أشعر.
كان المرض يمتد إلى تفاصيل الحياة كلها.
امتد إلى علاقتي بالطعام، بعدما كان تناول وجبة عادية أمرا لا يستحق التفكير.
وامتد إلى النوم، بعدما أصبحت الليلة الواحدة رحلة من القلق والترقب والاستيقاظ المتكرر إلى الحمام.
وامتد إلى العمل، وإلى المواعيد، وإلى أبسط القرارات اليومية التي يتخذها الناس دون أن يشعروا بقيمتها.
كان المرض يدخل بهدوء إلى كل زاوية من زوايا الحياة، ويعيد ترتيبها على طريقته الخاصة.
شيئا فشيئا، أصبحت أبسط الأمور تحتاج إلى حسابات طويلة.
قبل أن أغادر المنزل، كنت أفكر في الطريق.
وقبل أن أسلك الطريق، كنت أفكر في أماكن الحمامات.
وقبل أن أقبل دعوة أو أرتب موعدا، كنت أحسب أشياء لا يحسبها الآخرون.
أشياء صغيرة جدا في نظر الآخرين، لكنها بالنسبة إلى المريض كبيرة، بيد أنها لا تُرى، إذ يعيش المريض محنته مع نفسه، وربما مع أقرب الناس إليه.
يرون شابا يمشي في الشارع.
لكنهم لا يرون المعركة الدائرة في داخله.
كان أصعب ما في المرض أن تحمل وجعك داخلك وتمضي.
أن تجيب عن سؤال: كيف حالك؟ بكلمة: بخير الحمد لله، وأنت تعلم أن الحقيقة أكثر تعقيدا بكثير.
أن تتعلم ممارسة الحياة في الوقت الذي تكون فيه منهكا إلى أقصى حد.
وأن تستطيع أن تمارس دور الإنسان المعافى دون أن يظهر عليك شيء يسبب القلق لمن أحبوك.
ذلك السؤال الثقيل الذي ظل يتردد في رأسي: كيف يشعر الإنسان حين يصبح المستشفى نفسه مكانا غير آمن؟يوم أن أنقذتني الفاشر السودانيةأذكر يوما كنت أجلس فيه في غرفة أخبار موقع الجزيرة، أمام شاشة الحاسوب، أتابع الأخبار المتدفقة كعادتي.
في تلك الأثناء طلب مني المشرف إعداد تقرير إخباري عن مدينة الفاشر السودانية.
كانت الأخبار تتحدث عن اقتحام مستشفى من قبل عناصر الدعم السريع، وعن مرضى وجدوا أنفسهم فجأة في قلب مواجهة لا ترحم، بعدما كانوا يظنون أن جدران المستشفى آخر ما تبقى لهم من الأمان.
خلف كل فقرة كتبتها كانت هناك مآس حقيقية.
أناس احتموا بالمستشفى من الموت، فوجدوا الموت يلاحقهم إلى داخله.
حين انتهيت من كتابة التقرير وأرسلته للنشر، أغلقت شاشة الحاسوب، ثم التفت إلى معركتي الخاصة.
في ذلك اليوم كان المرض قد اشتد علي من جديد.
وكان النزيف يزداد.
وكان علي أن أتوجه إلى المستشفى.
خرجت من غرفة الأخبار وسرت في طريقي المعتاد.
كانت صور الفاشر تلاحقني طوال الطريق.
وحين وصلت إلى المستشفى، رأيت الأطباء يتحركون في الممرات، والممرضين يؤدون أعمالهم، والمرضى يتلقون العلاج، والأجهزة تعمل، والأدوية متوفرة، والأسرّة مصطفة في أماكنها.
كل شيء كان طبيعيا.
كل شيء كان مألوفا.
لكنني شعرت بشيء يشبه الخجل من نفسي.
في تلك اللحظة أدركت أنني أقف وسط نعمة عظيمة.
وشعرت أن الله يبعث إلي رسالة خفية وسط الألم.
كأن الله سبحانه وتعالى ألقى في روحي سكينة خاصة لتلك الساعة.
وكأن السنوات الطويلة من المرض والتعب والمعاناة كانت قد أوصلتني إلى درجة من الرضا جعلتني أسلم أمري كله إليهنحو غرفة العمليات المخيفةعندما بدأت الممرضة تدفع سريري باتجاه غرفة العمليات، كنت أشعر بطمأنينة يصعب وصفها بالكلمات.
كانت الممرات البيضاء تمر أمام عيني بهدوء.
وكانت الأضواء تتوالى فوق رأسي واحدة تلو الأخرى.
أما قلبي فكان ساكنا على نحو عجيب.
لم أسمع فيه ارتجافة خوف.
ولم أشعر بذلك الاضطراب الذي يسبق عادة اللحظات الكبرى.
كأن الله سبحانه وتعالى ألقى في روحي سكينة خاصة لتلك الساعة.
وكأن السنوات الطويلة من المرض والتعب والمعاناة كانت قد أوصلتني إلى درجة من الرضا جعلتني أسلم أمري كله إليه.
في تلك اللحظات لم أكن أفكر في العملية ولا في المضاعفات أو الاحتمالات.
كنت أفكر في معنى واحد فقط: أن ما يختاره الله لعبده خير مما يختاره العبد لنفسه.
وحين استقرت تلك الحقيقة في القلب، تلاشى كل شيء آخر.
ثم غبت عن الدنيا.
سبع ساعات كاملة في غرفة العمليات.
وحين فتحت عيني مجددا، كان أول ما رأيته وجوها أعرفها.
وجوها أحببتها.
رأيت أوفياء وقفوا إلى جانبي ساعة الضعف.
وكان ذلك رسالة خفية تقول إن الإنسان، مهما اشتدت عليه المحن، لا يزال يملك من النعم ما يستحق أن يحمد الله عليه.
شيئا فشيئا بدأت أستعيد وعيي.
ثم بدأت أستعيد قوتي.
ثم بدأت أستعيد حياتي.
وكان شعورا متزايدا بأن نعم الله تحيط بي من كل جانب.
هناك، فكثير من الناس لا يجدون إلا الطعام المعلب.
ولا يملكون رفاهية اختيار ما يناسب أجسادهم المرهقة.
بل إن بعضهم يبحث فقط عن شيء يسد به جوعهبعد العملية، كانت صور أخرى تتسلل إلى ذهني كلما نظرت حولي.
كنت أفكر في المرضى الذين يعيشون اليوم في خيام النزوح في قطاع غزة في ظل الإبادة المتواصلة.
كنت أفكر في أولئك الذين يواجهون المرض تحت جحيم القصف.
وفي الذين لا يجدون سريرا في مستشفى، ولا طبيبا يتابع حالتهم، ولا دواء ينتظرهم بعد العملية.
ماذا لو أن المرض داهمني في مكان لا توجد فيه غرفة عمليات مجهزة؟ماذا لو احتجت إلى هذا التدخل الجراحي في بقعة لا يتوفر فيها الحد الأدنى من الرعاية الطبية؟كيف كان يمكن أن تجرى عملية بهذا الحجم؟وكيف كان يمكن أن تبدأ رحلة التعافي بعدها؟فالمريض بعد استئصال القولون يحتاج إلى متابعة دقيقة، وإلى أدوية، وإلى نظافة، وإلى غذاء مناسب يساعد جسده على استعادة عافيته.
أما هناك، فكثير من الناس لا يجدون إلا الطعام المعلب.
ولا يملكون رفاهية اختيار ما يناسب أجسادهم المرهقة.
بل إن بعضهم يبحث فقط عن شيء يسد به جوعه.
كلما فكرت في ذلك، ازداد شعوري بأنني غارق في نعم عظيمة.
وشعرت أن شكر تلك النعم يستوجب علي ألا أنسى معاناة هؤلاء الناس، وأن أسدد الدين المعنوي الذي أشعر به تجاههم.
علمني المرض معنى الامتنان، علمني أن الإنسان قد ينشغل بما فقده حتى ينسى ما بقي لديه، وعلمني أن النظر إلى النقص وحده يجعل الحياة أكثر ضيقاعلمني المرض أن الشفاء ليس غياب الألم فقط، بل أن يفتح الله للإنسان أبوابا من الرعاية والرحمة واللطف الخفي تحيط به من حيث لا يشعر.
كشف لي المرض كم أن الإنسان هش مهما ظن نفسه قويا.
وكم أن العافية نعمة لا يدرك قيمتها إلا من فقدها.
وكم أن الصبر امتحان يومي قد يمتد سنوات طويلة.
أن تستيقظ كل صباح حاملا الهم نفسه، ثم تواصل السير.
أن تبتلع خوفك مرة بعد أخرى.
وألا تسمح لنفسك أن تتعثر.
وأن تجعل استحضار النعمة محفزا لتنهض بعد كل كبوة.
علمني المرض معنى الامتنان.
علمني أن الإنسان قد ينشغل بما فقده حتى ينسى ما بقي لديه.
وعلمني أن النظر إلى النقص وحده يجعل الحياة أكثر ضيقا.
كما علمني المرض فضيلة الإحسان.
الإحسان عند تلقي خبر المرض، وفي رحلتك معه، وعند الوجع، وعند التعافي.
وأن تعرف فضيلة الحمد وسبيل الشكر على الوجه الذي ينفعك ويرضيه.
﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك