كأس العالم الاقتصادي: حسابات الربح والخسارة للدول المضيفةتقترب صافرة البداية لكأس العالم 2026، الذي ينطلق في 11 يونيو/حزيران الجاري عبر 16 مدينة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لكن السؤال الحقيقي ليس: " من سيرفع الكأس؟ " بل: " من سيربح المال؟ ".
فعلى مدار عقود، رويت حكاية أن استضافة أكبر حدث رياضي في العالم تعني" نهضة اقتصادية" للدول المضيفة، إلا أن واقع الحال يكشف قصة مختلفة تماما.
في هذه التدوينة، لن نتابع تمريرات اللاعبين، بل سنتعقب تدفق الأموال، ونحلل ميزان الربح والخسارة للدول التي استضافت البطولة، وصولا إلى النسخة الحالية التي يتوقع أن تكون الأكثر ربحية في التاريخ.
تتوقع الفيفا أن تتجاوز إيراداتها في دورة 2023-2026 حاجز 13 مليار دولار، قادمة من حقوق البث التي تقدر بـ 4.
3 مليارات دولار، وعقود الرعاية التي تقترب من 2.
7 مليار دولارأرقام خيالية في 2026… لكن لمن؟تبدو الأرقام التي تطلقها الفيفا (FIFA) مبهرة للغاية.
حسب أحدث الدراسات التي شاركت فيها المنظمة نفسها مع خبراء اقتصاديين، يتوقع أن تحقق النسخة الحالية ما يلي:40.
9 مليار دولار كإجمالي تأثير على الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
30.
5 مليار دولار كعائد مادي مباشر لدول الاستضافة الثلاث مجتمعة.
824,000 وظيفة سيتم خلقها بشكل مباشر أو غير مباشر.
كما تتوقع الفيفا أن تتجاوز إيراداتها في دورة 2023-2026 حاجز 13 مليار دولار، قادمة من حقوق البث التي تقدر بـ 4.
3 مليارات دولار، وعقود الرعاية التي تقترب من 2.
7 مليار دولار.
ولكن، كما هو الحال دائما، فإن" الأرقام لا تكذب، لكن الكذابين يحبون الأرقام".
هذه الإيرادات الضخمة تذهب في جزء كبير منها إلى جيب الفيفا، وليس إلى خزائن الدول المستضيفة.
اليوم، لا تزال قطر تستخدم هذه البنية التحتية في استضافة مؤتمرات دولية وفعاليات رياضية كبرى أخرى، مما يشير إلى أن إرث البطولة قد يكون في تنشيط قطاع السياحة والخدمات على المدى البعيدجولة على" الأفيال البيضاء": دروس من الماضيلفهم معادلة الربح والخسارة بشكل أعمق، يجب أن ننظر إلى ما حدث بعد انتهاء البطولة في النسخ السابقة.
" الأفيال البيضاء" هو المصطلح الذي يطلقه الاقتصاديون على الملاعب والبنية التحتية الفارهة التي تهجر بعد انتهاء الحدث لتصبح عبئا ماليا بدلا من أن تكون مكسبا.
قطر 2022: الأغلى في التاريخعندما فازت قطر بشرف الاستضافة عام 2010، بدأت رحلة إنفاق وصفت بأنها الأضخم في تاريخ البطولة، حيث تشير التقديرات إلى أنها أنفقت حوالي 220 مليار دولار على مشاريع البنية التحتية الجديدة بالكامل.
شملت هذه الميزانية الضخمة بناء مدينة لوسيل من الصفر، وشبكة مترو أنفاق متطورة، ومطار حمد الدولي، و7 ملاعب جديدة بالكامل.
على الجانب الآخر، قدرت الإيرادات الناتجة عن البطولة بنحو 17 مليار دولار فقط، وهو فارق هائل يعكس أن العائد الاقتصادي المباشر لا يغطي سوى جزء بسيط من الاستثمارات.
لكن قطر نظرت إلى ما هو أبعد من الأرباح المباشرة، فرأت في الاستضافة أداة لتحقيق رؤية قطر، أي تنويع الاقتصاد بعيدا عن النفط والغاز.
اليوم، لا تزال قطر تستخدم هذه البنية التحتية في استضافة مؤتمرات دولية وفعاليات رياضية كبرى أخرى، مما يشير إلى أن إرث البطولة قد يكون في تنشيط قطاع السياحة والخدمات على المدى البعيد.
وإذا كان هناك من يشكك، فحسب صندوق النقد الدولي، فإن مساهمة مونديال قطر في اقتصادها بلغت ما بين 0.
7% و1% من إجمالي الناتج المحلي.
تبدو تجربة البرازيل أشبه بتحذير عالمي من مغبة" جنون العظمة" في الاستضافة.
الميزانية التي كانت مقدرة بـ 17 مليار ريال برازيلي انتهت بها الحال لتتضخم لتصل إلى 27 مليارا (نحو 11.
5 مليار دولار آنذاك)روسيا 2018: الحسابات تختلففي النسخة الروسية، أنفقت موسكو حوالي 11.
6 مليار دولار، استفادت خلالها المدن المستضيفة من ملاعب جديدة وطرق محدثة ومطارات مطورة.
من الناحية الرقمية، حققت البطولة عائدا اقتصاديا لروسيا قدره 14.
5 مليار دولار ما بين عامي 2013 و2018، مما ساهم في إضافة ما يقارب 1.
1% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لروسيا.
لكن هذه العوائد بقيت محدودة في الزمن، حيث تشير التقديرات إلى أن التأثير الإيجابي طويل المدى كان سيضيف ما بين 150 و210 مليارات روبل فقط سنويا خلال السنوات الخمس التالية، وهو مبلغ زهيد مقارنة بحجم الاقتصاد الروسي.
البرازيل 2014: درس في الفشل الاقتصاديتبدو تجربة البرازيل أشبه بتحذير عالمي من مغبة" جنون العظمة" في الاستضافة.
الميزانية التي كانت مقدرة بـ 17 مليار ريال برازيلي انتهت بها الحال لتتضخم لتصل إلى 27 مليارا (نحو 11.
5 مليار دولار آنذاك).
المشكلة لم تكن فقط في التضخم، بل في سوء التخطيط؛ إذ تم بناء 12 ملعبا في مدن لا تملك فرقا كروية جماهيرية لتستضيفها بعد المونديال.
النتيجة كانت ملاعب عملاقة تحولت إلى" أفيال بيضاء"، حيث استخدم ملعب مانيوس الضخم (بتكلفة 338 مليون دولار) مرآبا للحافلات بعد البطولة مباشرة.
ولم تتوقف الخسائر عند هذا الحد، حيث كشفت تحقيقات لاحقة عن فساد مستشر ودفع ثلاثة أضعاف السعر الطبيعي للخرسانة في ملعب ماراكانا الأسطوري.
وفي النهاية، وبخلاف الهزيمة التاريخية أمام ألمانيا 7-1 في نصف النهائي، بقي للشعب البرازيلي ديون متراكمة وبنية تحتية غير مكتملة أو مهجورة.
في كأس العالم 2026 وحدها، خصصت الحكومة الفيدرالية الأمريكية 625 مليون دولار لتأمين المدن المستضيفة، وهي مبالغ لا تشمل التكاليف الأخرى التي تتحملها البلدياتجنوب أفريقيا 2010: الفرصة الضائعةكانت البطولة الأفريقية الأولى واعدة جدا لجنوب أفريقيا، التي أنفقت حوالي 3.
6 مليارات دولار على الاستعدادات، لكن النتائج كانت محبطة أيضا.
صحيح أن البطولة خلقت حوالي 66 ألف فرصة عمل في قطاع البناء وساهمت في تحسين شبكات الطرق والنقل، لكن الاستفادة من الملاعب بعد الحدث كانت ضعيفة جدا.
دراسة نشرت في المجلة الأفريقية للاقتصاد والمالية عام 2016 وجدت أن" هناك تراجعا كبيرا في استخدام الملاعب بعد كأس العالم 2010"، وأن البلاد تركت مع إرث من" الزيادة في عدد الملاعب المبنية بشكل يفوق الحاجة، مما جعل بعضها غير قابل للاستمرار ماليا".
العبرة هنا أن البلدان النامية هي الأكثر عرضة لخطر" الأفيال البيضاء" لأنها تقترض لتمويل هذه المشاريع الضخمة التي لا تعود عليها بفوائد مستدامة.
لعبة الأرقام بين" فيفا" والمدن المستضيفةإذا نظرنا إلى الصورة الكاملة، يتبين لنا أن فجوة عميقة تفصل بين الطرفين.
فالمدن المستضيفة تتحمل معظم التكاليف المباشرة: الأمن، وتحديث البنية التحتية، والنقل، والتكاليف التشغيلية.
في كأس العالم 2026 وحدها، خصصت الحكومة الفيدرالية الأمريكية 625 مليون دولار لتأمين المدن المستضيفة، وهي مبالغ لا تشمل التكاليف الأخرى التي تتحملها البلديات.
وتشير تقديرات إلى أن المدن الأمريكية وحدها تواجه عجزا لا يقل عن 250 مليون دولار لتغطية النفقات الإضافية.
على الجانب الآخر، تستحوذ الفيفا على جميع تدفقات الإيرادات الكبرى: حقوق البث التلفزيوني، وعقود الرعاية، وبيع التذاكر، وتراخيص البضائع.
هذه العوائد تذهب بالكامل إلى الميزانية العمومية للفيفا، دون أن تعود على المدن المستضيفة بأي نصيب يذكر.
بالنسبة للدول العربية حديثا، تمثل الاستضافة فرصة لإعادة تموضعها على خريطة السياحة والاستثمار العالمية لسنوات قادمةإذن، لماذا تتنافس الدول على الاستضافة؟إذا كانت الأرقام لا تصب في مصلحة الدول المضيفة ماليا، فلماذا لا تزال البلدان تتنافس بشدة لاستضافة كأس العالم؟الإجابة تكمن فيما يطلق عليه خبراء الاقتصاد" عوائد القوة الناعمة" و" التسريع الاستراتيجي".
فالدول لا تستضيف البطولة لتربح مالا اليوم، بل تستثمرها كأداة لتغيير صورتها أمام العالم، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتسريع وتيرة إنجاز مشاريع بنية تحتية كانت ستنفذ أصلا.
بالنسبة للدول العربية حديثا، تمثل الاستضافة فرصة لإعادة تموضعها على خريطة السياحة والاستثمار العالمية لسنوات قادمة.
لذلك، أمام الدول التي تطمح للاستضافة سؤال أساسي: هل ترغب في" كأس عالم اقتصادي" يخدم رؤيتها للمستقبل، أم أنها ستقع في فخ بناء" أفيال بيضاء" تلتهم أموال دافعي الضرائب؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك