الجولة التي بادر إليها نتنياهو، وكان يفترض غالباً أن تنتهي بتجديد القتال مع إيران، من جانب إسرائيل على الأقل، استمرت 24 ساعة وانتهت بصوت خافت.
كانت هزيمة استراتيجية محرجة أيضًا، وكانت مثلًا على مسألة هذه الحرب الغريبة كلها.
هذه على الأرجح هي الهزيمة الحقيقية: لا يقتصر الأمر على أن خطوة هدفت، ظاهريًا، إلى صياغة قواعد جديدة، انتهت بأن يرسم ترامب حدّها، وأن يوضح الإيرانيون ما سيحدث إذا عادت إسرائيل إلى بيروت.
ولا يقتصر الأمر على أن الجولة لم تنتج حسمًا.
حتى الآن، بعد ساعات من انقشاع الغبار، يصرّ الجهاز الذي أوصلنا إلى هنا على ترديد الأغنية نفسها تمامًا.
لا يتعلم بل يروّج، ولا يفحص ما الذي اختلّ بل يصنع “ورقة رسائل”.
وفي الأثناء، يطلب منّا جميعًا قبول الجملة الأكثر عبثية في السياسة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة: إننا إذا عدنا مرة أخرى، ومرة أخرى، ومرة أخرى إلى الجولة نفسها، سيحدث في النهاية شيء آخر.
اليوم الأخير يقول العكس؛ يقول إننا أحيانًا لا نحتاج إلى لجنة تحقيق كي نفهم ما حدث، يكفي أن ننظر إلى من هاجم أولًا، ومن ردّ، ومن أوقف، ومن اضطر في النهاية إلى الظهور في الصورة من دون أن يقول كلمة “انتصار”.
لم تقع الضربة الإسرائيلية في الضاحية في فراغ، فقد نفذتها إسرائيل بعدما صار واضحًا، من تجربة الأسبوع الذي سبقها، أن ضربة إسرائيلية كبيرة في الساحة اللبنانية قد تجرّ ردًا إيرانيًا مباشرًا.
لذلك، عند الخروج إلى خطوة كهذه، كان على إسرائيل أن تأخذ في الحسبان، ومن المؤكد أنها أخذت، سيناريو ترى فيه إيران نفسها ملزمة بالرد.
معنى ذلك أن الضربة في الضاحية لم تكن مجرد عملية موضعية ضد لبنان أو حزب الله، فقد كانت خطوة يمكن أن تعيد وصل الساحة اللبنانية بالساحة الإيرانية، وقد أدت عمليًا إلى ذلك.
بدل أن تواصل إسرائيل سياسة فصل الساحات، خلقت فعليًا حالة من “وحدة الساحات” بمبادرتها هي.
لم يرد الأمريكيون فتح جبهة جديدة مع إيران، ولم يريدوا أن تفتح إسرائيل جبهة كهذه.
وحتى إن عرفوا قسمًا من التحركات الإسرائيلية، يبدو أنهم لم يفهموا الديناميكية التي قد تشعلها العملية، أو أنهم لم يتلقوا صورة كاملة عن التداعيات المحتملة.
عمليًا، نشأت فجوة حادة بين التصور الإسرائيلي للعملية وبين الخط الأمريكي.
تحركت إسرائيل بطريقة أدت إلى رد إيراني، ثم ردت هي داخل إيران، واتضح في هذه المرحلة أن الأميركيين لا يريدون السماح بالتدحرج إلى حرب أوسع.
كان الرد الإيراني مركزًا نسبيًا، وبقي داخل معادلة محسوبة.
أطلقت إيران صواريخ نحو قواعد ترتبط، بحسب الفهم الإيراني، بالعملية الإسرائيلية في لبنان.
وبذلك أرسلت رسالة واضحة: ضرب الضاحية سيقابله رد من الساحة الإيرانيةكان الرد الإيراني مركزًا نسبيًا، وبقي داخل معادلة محسوبة.
أطلقت إيران صواريخ نحو قواعد ترتبط، بحسب الفهم الإيراني، بالعملية الإسرائيلية في لبنان.
وبذلك أرسلت رسالة واضحة: ضرب الضاحية سيقابله رد من الساحة الإيرانية أيضًا، لا عبر الوكلاء فقط.
لم يهدف إطلاق الصواريخ بالضرورة إلى فتح حرب شاملة، إنما إلى تثبيت معادلة.
من وجهة نظر إيران، حملت القدرة على الرد المباشر، واختيار حجم الإطلاق وموعده وأهدافه، أهمية لا تقل عن الضرر المادي الذي وقع.
أرادت أن تنهي الجولة والكلمة الأخيرة في يدها، ونجحت في ذلك إلى حد كبير.
بعد إطلاق الصواريخ الإيرانية، هاجمت إسرائيل الداخل الإيراني، وهي خطوة لم تنفذها منذ مدة طويلة.
مع ذلك، كانت الأهداف التي اختارتها محدودة نسبيًا: رادارات وأهداف عسكرية عند عتبة منخفضة نسبيًا، إلى جانب ضربة أكثر رمزية لمصنعين.
يمكن فهم التحرك كمحاولة إسرائيلية للرد من دون إعلان فعلي عن فتح حرب شاملة.
من وجهة نظر نتنياهو، بدت هذه الضربات ردًا ضروريًا لا يتجاوز عتبة الحرب الكاملة.
لكن من وجهة نظر الأمريكيين، فقد مثّلت الضربة داخل إيران بعد إطلاق الصواريخ جزءًا من ديناميكية تصعيد خطيرة.
قال نتنياهو في التصريح القصير الذي أدلى به أمس، من دون أسئلة صحافيين: “بعد أن هاجمت إيران إسرائيل، وجّهت الجيش الإسرائيلي إلى مهاجمة أهداف عسكرية واقتصادية في أنحاء إيران.
في هذه اللحظة، النار في هذه الجبهة متوقفة، لأننا بعد أن ضربنا نظام الإرهاب في طهران، توقف عن مهاجمتنا”.
يبيّن ذلك أن الساعة وحق الكلمة الأخيرة مهمان لدى نتنياهو، ومن المؤسف أن الوقائع لا تقف إلى جانبه.
انتهت الضربات الإسرائيلية في ساعات الصباح المبكرة، بينما واصل الإيرانيون إطلاق النار بعد ذلك.
جاء الإطلاق الأخير في وقت لاحق من الصباح، وبذلك حدّدت إيران نهاية الجولة من جهتها.
هذا تفصيل مهم: لم تغلق إسرائيل الحدث، بل إيران هي التي أغلقته؛ فهي التي قررت متى تتوقف، وكم تطلق، وإلى أين تطلق.
أما على المستوى الوعيي والاستراتيجي، فهذه نتيجة إشكالية جدًا لإسرائيل، لأنها تتيح لإيران أن تقدم نفسها طرفًا للردّ، لم يرتدع، وأنهى الجولة بشروطه.
هم قالوا الكلمة الأخيرة، لا نحن.
وتوقفوا لأنهم توصلوا مع ترامب إلى تفاهم حول وقف إطلاق النار، وهو ما فُرض على إسرائيل خلافًا لرغبتها.
في موازاة ذلك، أعدت إسرائيل ردًا إضافيًا، أكبر بكثير.
لم يكن يفترض أن يكون عملية موضعية، إنما خطوة كبيرة جدًا، وكان يمكنها بلا شك أن تفتح حربًا واسعة.
بلغت الاستعدادات مرحلة متقدمة، وكانت الخطط على طاولة نتنياهو في جولة المصادقات الأخيرة، وكان الطيارون في طريقهم إلى قمرة القيادة، وكان بعضهم داخلها فعلًا.
ثم، وهو منحنٍ فوق الخرائط، قدم أحدهم إلى نتنياهو الهاتف مع مكالمة لم يستطع رفضها.
تدخل ترامب وأوقف التحرك.
كانت الرسالة الأمريكية إلى إسرائيل حادة: لا تواصلوا، لا تصعّدوا، أعيدوا المنظومة إلى الوراء.
كان معنى ذلك أن إسرائيل، بعدما قادت نفسها إلى نقطة تصعيد، اضطرت إلى التوقف، لا بسبب قرار مستقل منها، إنما بسبب فيتو أمريكي.
كشفت النتيجة مجددًا عمق الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة.
أمر المستوى السياسي في إسرائيل الجيش بالاستعداد لتحرك كبير، ولم يغمض رجال التخطيط في سلاح الجو وشعبة الاستخبارات أعينهم ليعرضوا على نتنياهو خطة هائلة الحجم، تشمل أهدافًا في البنى التحتية أيضًا.
ثم، بعد ليلة بلا نوم، تلقى قادة الجيش من المستوى السياسي أمرًا معاكسًا تمامًا.
هذه خطوة مشروعة تمامًا، ويحق للمستوى السياسي أن يقول شيئًا، ثم يندم عليه فورًا، عندما يدور الحديث طبعًا عن المستوى السياسي للدولة نفسها.
هذه المرة، كما في كل المرات الأخرى منذ شباط، اكتشف قادة الجيش أن المستوى السياسي الذي يصدر لهم الأوامر يجلس في البيت الأبيض.
من وجهة نظر هيئة الأركان، هذه وضعية صعبة خصوصًا: المستوى السياسي المحلي يدفع إلى التصعيد، لكن المستوى السياسي الحقيقي الذي يحدد حدود العمل هو الأمريكي.
بهذا المعنى، أوضح الحدث للجميع، لإيران وللولايات المتحدة ولإسرائيل، وللعالم، حدود الاستقلالية الإسرائيلية عندما يدور الحديث عن حرب واسعة ضد إيران.
من وجهة نظر إيران، العبرة المركزية من الحدث واضحة: الولايات المتحدة لا تريد حربًا، وإسرائيل لا تستطيع الخروج إليها وحدها خلافًا لرغبة أمريكية صريحة.
إذا كان هذا هو الفهم الإيراني، فقد نشأت هنا معادلة استراتيجية جديدة وخطيرة من وجهة نظر إسرائيل.
وفوق ذلك، فإن الضاحية، وهي منطقة اعترفت بها الولايات المتحدة هدفًا مشروعًا للعمل بفضل إصرار وزير الأمن السابق غالانت خلال “سهام الشمال” على أن إسرائيل تستطيع العمل ردًا على أي خرق لوقف إطلاق النار، تحصل الآن على نوع من الحماية غير المباشرة.
إذا كانت هناك ضربة قد تجرّ ردًا إيرانيًا مباشرًا، ثم تدخلًا أمريكيًا لكبح إسرائيل، فالحيز اللبناني يتغير؛ لم يعد ساحة منفصلة، إذ يتحول إلى جزء من معادلة إيرانية أوسع.
كان الحساب المحتمل لدى نتنياهو على الأرجح أن ينتج ديناميكية تصعيد تُدخل الأمريكيين إلى الداخل، وتسمح لإسرائيل باستكمال ما لم يكتمل في الجولة السابقة ضد إيران.
ربما افترض أن أيامًا عدة من القتال المكثف، حتى إن بدأت إسرائيل بها وحدها، ستجر الولايات المتحدة إلى المعركة في النهاية.
غير أن هذا السيناريو لم يتحقق، وحدث عكسه.
لم ينجرف ترامب إلى الداخل، وأوقف إسرائيل.
بدل حرب تستكمل التحرك الإسرائيلي ضد إيران، نشأ وضع معاكس: أوقفت إسرائيل، وأطلقت إيران النار أخيرًا، وأثبت الأمريكيون بصورة علنية جدًا أنهم هم الذين يحددون حدود الجولة.
يكتسب الحدث معنى أكثر خطورة على خلفية احتمال تقدم الأمريكيين نحو اتفاق مع إيران.
إذا كان ترامب، كما قال لنتنياهو في مكالمتهما الهاتفية أمس، يتجه فعلًا إلى توقيع اتفاق كهذا، فذلك تحرك لا ترغب فيه إسرائيل، وهذه صياغة لطيفة جدًا جدًا جدًا، ومن المؤكد أنها لا ترى فيه إنجازًا استراتيجيًا.
هكذا تتكون صورة مزدوجة للفشل: فإسرائيل لم تنجح في تجديد الحرب، ولم تنجح في جر الولايات المتحدة إلى مواجهة أوسع، وأعادت وصل لبنان بإيران، وسمحت للإيرانيين بقول الكلمة الأخيرة، وفي النهاية قد تجد نفسها أمام اتفاق أمريكي، إيراني تعارضه.
في حصيلة اليوم، يصعب الإشارة إلى إنجاز إسرائيلي واضح.
هذه ليست عثرة تكتيكية فقط، إنها إحراج استراتيجي.
خلال أقل من يوم واحد، اتضحت حدود القوة الإسرائيلية، وعمق الاعتماد على الولايات المتحدة، وقدرة إيران على تشكيل معادلة إقليمية جديدة، والفجوة بين الرغبة الإسرائيلية في التصعيد وبين عدم استعداد الأمريكيين للسماح بحرب واسعة.
أحد مصادر القوة المركزية لدى إسرائيل هو صورة التنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة، وصورة القدرة على التأثير في السياسة الأمريكية.
هذا الحدث مسّ بهذه الصورة.
لم يرَ العالم هنا تنسيقًا إسرائيليًا، أمريكيًا، إنما رأى العكس؛ رأي تحركًا إسرائيليًا أوقفه الرئيس الأمريكي.
حتى إذا قُدمت لاحقًا تفسيرات أخرى، تبدو الصورة الاستراتيجية واضحة: حاولت إسرائيل توسيع الجولة، وأوقفتها واشنطن.
من وجهة نظر أعداء إسرائيل، هذه صورة ذات قيمة كبيرة.
إنها تظهر متى تتوقف إسرائيل، ومن يوقفها، وما حدود قوتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك