كشف تقرير للصحفية غريتيل كان" Gretel Kahn" نشره معهد رويترز للإعلام عن مفارقة متزايدة داخل صناعة الإعلام، تتمثل في انتقال عدد من الصحفيين للعمل في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التي قد تصبح مستقبلا منافسا مباشرا لهم في سوق العمل.
وأوضح التقرير أن شركات الذكاء الاصطناعي لا تبحث فقط عن مبرمجين ومهندسين، بل تحتاج بشكل متزايد إلى أشخاص يمتلكون مهارات تحريرية متقدمة، مثل تقييم جودة النصوص، والتحقق من دقتها، وتحسين أسلوبها، والحكم على ملاءمتها للجمهور المستهدف، وهي مهارات تُعد من صميم العمل الصحفي.
وأضافت الكاتبة أن كثيرا من إعلانات التوظيف الخاصة بتدريب النماذج تطلب من المتقدمين مراجعة استجابات روبوتات المحادثة والتأكد من دقتها ووضوحها وطبيعية لغتها، فيما تطلب إعلانات أخرى إنتاج محتوى أصلي عالي الجودة لتطوير أداء النماذج، وبعض الشركات تفضل بشكل صريح توظيف صحفيين ومحررين محترفين.
ورصد التقرير قصص أربعة صحفيين مستقلين من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وألمانيا والهند انتقلوا للعمل في مشاريع مرتبطة بتدريب الذكاء الاصطناعي، لأسباب تراوحت بين صعوبة العثور على وظائف إعلامية مستقرة والحاجة إلى دخل ثابت في ظل التراجع المستمر لفرص العمل الصحفي التقليدي.
ونقل التقرير تجربة داريوس أوزبورن" Darius Osborne"، الذي درس الصحافة وعمل في صحف جامعية وتدرب داخل غرف أخبار أمريكية، لكنه لم ينجح بعد تخرجه في الحصول على وظيفة صحفية دائمة.
وانتهى به المطاف للعمل لدى شركة" ميتا" في مراجعة المحتوى المستخدم لتدريب النماذج، عبر تقييم جودة مقاطع الفيديو والمخرجات التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ورغم أن أوزبورن لا يعتبر عمله الحالي امتدادا مباشرا للصحافة، فإنه أكد أن هذا النوع من الوظائف وفر له الاستقرار المالي الذي يسمح له بمواصلة العمل الصحفي الحر.
كما استعرض التقرير تجربة خالدة خان" Khaleda Khan"، التي انضمت إلى شركة" إكس إيه آي" xAI بعد أشهر من البحث عن وظيفة إعلامية.
وأوضحت أن مهامها شملت مراجعة النصوص والتفريغ الصوتي وتدريب روبوت" غروك" (Grok) على فهم لغات متعددة وتحسين جودة إجاباته.
وأكدت خان أن كثيرا من المهارات التي استخدمتها يوميا كانت مستمدة مباشرة من العمل الصحفي، خاصة التحقق من المصادر، ومراجعة المعلومات، واكتشاف الأخطاء والتضليل، مشيرة إلى أن أحد أكبر التحديات كان التعامل مع الأخبار العاجلة ومنع النماذج من اختلاق معلومات غير صحيحة.
وفي المقابل، عرض التقرير تجربة أكثر تشككا للصحفية الهندية بيسما فاروق" Bisma Farooq"، التي لجأت إلى العمل في تصنيف البيانات وتدريب النماذج كمصدر دخل إضافي، وقالت إن التجربة دفعتها إلى التساؤل حول دورها في بناء أدوات قد تؤثر مستقبلا على المهنة التي تنتمي إليها.
وأضافت أن طبيعة العمل كانت تقنية ومكررة إلى حد كبير، وتشمل توصيف الصور واكتشاف اللغات وتصنيف البيانات، وهو ما جعلها تشعر بغياب الجانب الإبداعي الذي يميز الصحافة.
أما الصحفية الألمانية بيتينا بلاس" Bettina Blass"، فأكدت أن خبرتها الصحفية كانت أساسية في تدريب نموذج ذكاء اصطناعي متخصص في تحويل البيانات والبيانات الصحفية والتنبيهات الرسمية إلى أخبار جاهزة للنشر.
وأوضحت أن مهمتها الرئيسية كانت تعليم النظام قواعد الكتابة الصحفية، مثل بناء الخبر وفق الهرم المقلوب وترتيب المعلومات بحسب أهميتها.
وتشير الكاتبة إلى أن التجارب الأربع تعكس واقعا جديدا داخل الصناعة الإعلامية، حيث باتت المهارات الصحفية نفسها تمثل موردا أساسيا لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وفي الجزء الثاني من التقرير، تناولت الكاتبة المخاوف المرتبطة بإمكانية أن تستولي هذه الأنظمة على وظائف الصحفيين الذين يدربونها، ونقلت عن بعض المشاركين اعترافهم بأنهم يفكرون باستمرار في هذه المفارقة، لكنهم يرون أن العمل في هذا القطاع يمثل حلا عمليا في ظل التحولات السريعة التي يشهدها سوق العمل.
ومع ذلك، أجمع الصحفيون الذين تحدثت إليهم الكاتبة على أن الذكاء الاصطناعي لا يزال بعيدا عن امتلاك القدرات البشرية الكاملة اللازمة لممارسة الصحافة.
فالنماذج الحالية ما زالت تعتمد على كميات كبيرة من العمل البشري في التدريب والمراجعة والتصحيح، كما أنها عرضة للأخطاء والانحيازات والهلوسة المعلوماتية.
وخلصت غريتيل كان إلى أن الجدل داخل غرف الأخبار لم يعد يدور حول ما إذا كان ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي أم لا، بل حول حدود هذا الاستخدام ودور الإنسان داخله.
وبينما يرى بعض الصحفيين أن التكنولوجيا ستتولى المهام الروتينية والمتكررة، فإنهم يؤكدون أن الإبداع والحكم التحريري والفهم الإنساني للسياق ما تزال عناصر يصعب على الآلات محاكاتها بالكامل.
ويشير التقرير إلى أن الصحفيين الذين ساهموا في تدريب هذه النماذج لا ينظرون إليها باعتبارها عدوا للمهنة، بل أداة ستفرض نفسها على مستقبل الإعلام، ما يجعل فهمها والتعامل معها ضرورة مهنية أكثر من كونه خيارا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك