في قلب المغرب الأقصى، حيث تتلاقى خيوط الزمان بنسيج المكان، تتربع مدينة فاس كجوهرة متلألئة في جيد التاريخ؛ لذا أُطلق عليها عدة ألقاب، منها" العاصمة العلمية للمغرب" لمكانتها التاريخية وضمها لجامعة القرويين أقدم جامعة في العالم، و" أثينا إفريقيا" تشبيهاً لها بالمدينة اليونانية العريقة؛ نظراً لغناها الثقافي والحضاري، و" مدينة الألفية" لأنها من أقدم مدن المغرب، و" قلعة الأولياء" لكثرة الأضرحة والعلماء الذين احتضنتهم.
فاس ليست مجرد مدينة عادية، أو بقعة جغرافية عابرة على خارطة الحضارة الإنسانية؛ بل هي كتاب مفتوح، ومخطوطة حية تخطها قرون من المجد، والعلم والروحانية والفن، إنها الشريان النابض الذي ضخ الحياة في عروق الدولة المغربية، وموئل العلماء، ووجهة القصاد، وملاذ العارفين بين أزقتها الضيقة المتعرجة، التي تشكل أكبر منطقة خالية من السيارات في العالم، يتنفس الزائر عبق قرون خلت.
هناك يمتزج صدى التاريخ بخرير المياه المتدفقة من وادي فاس، لتشكل سيمفونية ساحرة تأسر الألباب، تأسست المدينة على ضفتي هذا الوادي؛ فجاءت عدوة القرويين لتعانق عدوة الأندلسيين، معلنة بذلك ميلاد حاضرة استثنائية جمعت بين عبقرية المشرق وإبداع الغرب الإسلامي، ومنذ أن غرس الإمام إدريس الثاني بذورها الأولى.
منذ تأسيسها، أبت فاس إلا أن تكون منارةً تشع بنور المعرفة، وقاعدة صلبة قامت على أكتافها دول تعاقبت على حكم المغرب، تاركة بصمات لا تمحى في سجلات العمارة والسياسة، ذوتتجلى عظمة فاس في روحها العلمية الوثابة؛ فهي تحتضن جامعة القرويين، أقدم جامعة في العالم والتي لا تزال تواصل رسالتها الإشعاعية إلى يومنا هذا، ولقد كانت وما زالت قبلةً لطلاب العلم، وملتقى لأقطاب الفقه والفلسفة والطب، والفلك، ومن بين دروبها ومدارسها العتيقة كالمدرسة البوعنانية ومدرسة العطارين تخرج جهابذة الفكر وصناع التاريخ، ليساهموا في بناء صرح الحضارة الإسلامية.
ولم تقتصر مكانتها على العلوم الشرعية والأدبية فحسب، ولكن كانت حاضنة للصناع التقليديين والحرفيين المهرة الذين أبدعوا في فنون الزخرفة، والنقش على الخشب، وصناعة الجلود، وفنون الزليج، ليصبح الصانع الفاسي رمزا للإتقان والجودة عبر العصور، إن تاريخ فاس هو سلسلة من الحلقات المتصلة التي تعكس غنى الهوية المغربية، فكل حجر في أسوارها التاريخية العظيمة يحكي قصة ملحمية، وكل مسجد من مساجدها العريقة يشهد على عمق الإيمان والتشبث بالقيم الأصيلة.
وعلى الرغم من تقلبات الزمن وتعاقب العصور، حافظت المدينة العتيقة على رونقها وأصالتها، لتصبح بحق متحف حي مصنف ضمن التراث العالمي، ونستلهم من عبق تاريخها دروساً في الصمود والإبداع، إنها رحلة عبر الزمن لاستكشاف مدينةٍ لا تشيخ، مدينةٍ تتجدد مع كل إشراقة شمس لتظل دائما وأبدا فاس؛ ذاكرة الروح وأنفاس المكان.
لعل أشهرها الروايات التاريخية المرتبطة بتأسيس حيث تذكر المصادر أنه عند الشروع في حفر أساسات المدينة الأولى على يد إدريس الثاني سنة 189هـ/805م، عثر على فأس حديدية كبيرة، فأُطلق اسم فأس على المدينة تيمناً بذلك، وهناك روايات أخرى تشير إلى أن الاسم مشتق من جذر الكلمة الأمازيغية أو العربية التي تدل على الحفر والشق.
يعود التأسيس الفعلي لمدينة فاس إلى عهد الأدارسة، ففي عام 172هـ/789م، وضع إدريس الأول النواة الأولى للمدينة على الضفة اليمنى لوادي فاس، وفي عام 192هـ/807م، أسس ابنه إدريس الثاني مدينة العالية على الضفة اليسرى، وفي عام 818م، استقبلت المدينة هجرتين تاريخيتين شكلتا هويتها الحضرية، وهجرة الأندلسيين وهجرة القرويين من تونس، وظلت المدينتان منفصلتين حتى عهد المرابطين في القرن الحادي عشر الميلادي، حيث قام يوسف بن تاشفين بإزالة الأسوار الفاصلة بينهما، لتتوحد فاس وتصبح حاضرة كبرى.
تقع مدينة فاس في شمال وسط المغرب، وتتميز بموقع استراتيجي فريد؛ لموقع فاس ميزة ذات أهمية في المغرب، وهي غزارة مياهها حيث تمتص الطبقات الكلسية في الأطلس المتوسط لتكون منطقة من المياه الجوفية تتفجر منها في سهل يسمى سهل سايس ينابيع كثيرة تتجمع وتتحد لتغذي نهر فاس أو على الأصح أنهار فاس، يُضاف إلى ذلك الينابيع التي تتفجر من العدوات الشديدة الانحدار التي حفرها نهر فاس مسيلا له، وتمتد بمدينة فاس قنوات المياه مثل الشرايين لتصل إلى كل مسجد ومدرسة وبيت، وتتفجر فيها عيون نهر سبو وروافده، وهو ما جعل المدينة ذات موقع إستراتيجي واستطاعت أن تصمد تحت الحصارات المتتالية عبر التاريخ.
وتقع مدينة فاس في وادٍ خصيب وكأنها واسطة العقد بين التلال المحيطة بها من كل الجهات، ويوجد قُرب المدينة الغابات التي تتوفر فيها أشجار البلوط والأرز والتي يستخرج منها أخشاب عالية الجودة، وتحيط بها أراضٍ كثيرة صالحة لكافة أنواع الزراعة حيث تنمو الحبوب والكروم والزيتون وأنواع عديدة من أشجار الفاكهة، ولكثرة بساتين البرتقال والتين والرمان والزيتون بصورة خاصة تبدو المدينة زمردية اللون محاطة بعقود من الحدائق والبساتين وبجبال خضراء داكنة متوجة بشجر الأرز والصبير وزهر عود السند.
ومن الارتفاعات العالية يبدو اللون الأخضر هو الغالب على كل الألوان بينما تتخلله نقاط بيضاء ما هي إلا الخراف والماعز والأبقار التي تنتشر في المراعي، كما منحها مناخاً متوسطياً شبه قاري يتميز بصيف حار وجاف وشتاء بارد وممطر.
تلعب فاس دورًا محوريًا في تاريخ المغرب، وتُشكل مدينة فاس جزء أساس من التراث الوطني المغربي، وقد وفد إلى مدينة فاس عشرات العائلات العربية من القرويين ليقيموا أول الأحياء في المدينة والذي عُرف باسم عدوة القرويين، كما وفد إليها الأندلسيون الذين أرغموا على الهجرة من الأندلس ليكونوا حي عدوة الأندلسيين.
وكان هناك حي خاص لليهود وهو حي الملاح، وصارت القاعدة الحربية الرئيسية في شمال المغرب للدول المتتالية التي حكمت المنطقة، بالإضافة لكونها مركزًا دينيًا وعلميًا في شمال أفريقيا، وأُسست فيها جامعة القرويين عام 245هـ/859م التي كانت مقصد الطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي وأوروبا، والتي تعد من أقدم الجامعات في العالم.
كانت مدينة فاس أحد ركائز الصراع بين الأمويين في الأندلس والفاطميين الذين حكموا مصر وليبيا وتونس، وظلت المدينة تحت سيطرة الأمويين في الأندلس لمدة تزيد على الثلاثين عاما وتمتعت خلال تلك المدة بالازدهار الكبير.
وعندما سقطت الخلافة الأموية بقرطبة وقعت مدينة فاس تحت سيطرة أمراء زناتة الحكام المحليين للمغرب في تلك الفترة، سيطر بعدها المرابطون على المدينة، وتلاهم الموحدون الذين حاصروا المدينة تسعة أشهر ودخلوها في عام 540هـ/1146م.
قام بنو مرين بالسيطرة على المدينة بعد سقوط دولة الموحدين واتخذوها مركزا لهم بدلا من مراكش، وأنشؤوا مدينة ملكية وإدارية جديدة عرفت بالمدينة البيضاء، وفي عهد المرينيين عرفت مدينة فاس عصرها الذهبي، إذ قام أبو يوسف يعقوب المنصور ببناء فاس الجديدة سنة 1276 م وحصنها بسور وخصها بمسجد كبير وبأحياء سكنية وقصور وحدائق.
أصبحت فاس مركزًا للدولة العلوية في المغرب في 1649م، وبقيت مركزا تجاريا هاما في شمال أفريقيا.
ظلت المدينة المصدر الوحيد للطربوش الفاسي حتى القرن التاسع عشر الميلادي، عندما بدأ يُصنع في كل من تركيا وفرنسا.
في التاريخ الحديث أي منذ عهد المولى الحسن الأول 1872-1894م، بدأت الوسائل الحديثة بالدخول إلى المدينة فزودت بالطرق الإسفلتية وبخطوط الكهرباء والهاتف، وكانت فاس عاصمة للمملكة المغربية حتى عام 1912م فترة الاحتلال الفرنسي والتي استمرت حتى 1956م، وتم فيها تحويل العاصمة إلى مدينة الرباط.
وقد هاجر العديد من سكان فاس إلى المدن الأخرى وخاصة يهود المدينة، إذ أفرغ حي الملاح تماما من ساكنيه، وكان لهجرة السكان من المدينة أثرا اقتصاديا سيئا على هذه الأخيرة.
تعد مدينة فاس العاصمة العلمية والروحية للمغرب، وهي مدينة تاريخية عريقة صنّفتها منظمة اليونسكو كتراث إنساني عالمي، أنجبت فاس عبر تاريخها الممتد لأكثر من 12 قرن نخبة من ألمع الأعلام في شتى المجالات، والذين أسهموا في تشكيل الهوية الثقافية والدينية والعلمية للمدينة، ومن أبرز أعلام مدينة فاس:- فاطمة الفهري: التي تُلقب بأم البنين، ولقد ساهمت في تأسيس جامعة القرويين عام243هـ/ 857م، لتصبح واحدة من أقدم وأعرق الجامعات في العالم، ويظل اسمها محفورًا كرمز للعطاء العلمي والوقف الخيري الإسلامي.
- القاضي عياض: وُلد في سبتة وعاش في فاس، ويعد من أبرز أعلام الفقه المالكي، ومؤلف كتاب" الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، الذي يعد مرجع أساسي في السيرة النبوية والشمائل المحمدية.
- ابن رشد: ابن رشد الحفيد تخصصه في الفلسفة والطب والفقة، ولد في قرطبة، غير أن مسيرته العلمية ارتبطت بفاس ارتباط وثيق، حيث تولى فيها منصب القضاء وألف العديد من الشروحات الفلسفية لأرسطو التي أثرت في الفكر الإنساني.
ـ الإدريسي: ينحدر من سلالة الأدارسة ملوك فاس، ويعد من أعظم الجغرافيين في التاريخ البشري، وله مؤلفه الشهير" نزهة المشتاق في اختراق الآفاق".
- ابن خلدون: مؤسس علم الاجتماع الحديث، عاش في مدينة فاس، ودرس في جامع القرويين، واستفاد من مكتباتها الغنية في صياغة مشروعه الفكري التاريخي الرائد.
- المقري التلمساني: عالم ومؤرخ عاش في فاس، وترك موسوعة تاريخية وأدبية عظيمة تعد مرجعاً في تاريخ الأندلس والمغرب، وهي" نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب".
ـ أبو عمران الفاسي: من كبار فقهاء المالكية، وكان لفتواه ودوره أثر كبير في قيام دولة المرابطين.
ـ ابن البنّاء المراكشي: عالم الرياضيات والفلك الشهير الذي قضى فترة من حياته يدرس ويدرّس في فاس.
ـ أحمد المنجور: من أبرز علماء القرن العاشر الهجري، وكان متبحرًا في الحديث، والفقه، والحساب، والمنطق.
ـ محمد ميارة: عالم وفقيه فاسي شهير (القرن الحادي عشر الهجري)، وله مصنفات فقهية معتمدة مثل" الدر الثمين".
ـ عبد الله كنون: علامة ومؤرخ وشاعر حديث ولد في فاس، وساهم بقوة في النهضة الأدبية والثقافية.
- مسجد وجامعة القرويين: أُسس عام245هـ/ 857م على يد فاطمة الفهرية، ويُعد أقدم جامعة لا تزال تعمل في العالم، ويضم مكتبة تاريخية نادرة ومئذنة تُعد الأقدم في المدينة.
- مسجد الأندلسيين: شُيد على يد مريم الفهرية أخت فاطمة، ويتميز ببوابته الخشبية المنقوشة وزخارفه الأندلسية البديعة.
- المدرسة البوعنانية: تعُد تحفة معمارية بنيت في عهد المرينيين 750هـ/ 1350-1355م، وهي المدرسة الوحيدة بفاس التي تضم صومعة لمسجد.
- مدرسة العطارين: جوهرة معمارية بنيت عام 723هـ/ 1325م، وتشتهر بدقة الزخارف الجبسية والفسيفساء والخشب النقوش.
الأسوار والأبواب التاريخية- باب بوجود: المدخل الرئيسي والأشهر للمدينة القديمة فاس البالي، يتميز بقواسه الثلاثة وزخارفه الجميلة من الخارج باللون الأزرق والداخل (باللون الأخضر).
- أسوار فاس البالي: تمتد لمسافات طويلة وتضم أبواباً تاريخية أخرى بالغة الأهمية مثل باب الفتوح وباب الكيسة.
- القصر الملكي دار المخزن: يعود تاريخه إلى القرن الثالث عشر ويقع في فاس الجديد، ويتميز بضخامته وأبوابه النحاسية الشهيرة.
- متحف النجارين: فندق تاريخي يعود للقرن الثامن عشر، وتم تحويله إلى متحف متخصص في فنون وحرف الخشب.
- متحف دار البطحاء: قصر تاريخي يعود للقرن التاسع عشر، يضم حديقة أندلسية رائعة ومعروضات من التحف والفخار والخزف.
المعالم الاقتصادية والصناعية- مدابغ الجلود" دار الدباغ": تعد مدابغ الشوارة الأشهر في فاس، وتعمل بالطرق التقليدية التي توارثها الحرفيون منذ قرون لصبغ الجلود.
ـ حدائق جنان سبيل: واحة خضراء هادئة تعود للقرن التاسع عشر، تضم نوافير ومساحات خضراء، وتُعد أقدم حديقة عمومية في فاس.
- ضريح مولاي إدريس الثاني: مؤسس المدينة، ويقع في قلب المدينة العتيقة ويتميز بعمارته وزخارفها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك