وكالة شينخوا الصينية - الصين وجورجيا تعلنان الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى شراكة استراتيجية شاملة رويترز العربية - لجنة تحقيق: قوات إسرائيلية تحمي مستوطنين خلال هجومهم على فلسطينيين قناة التليفزيون العربي - توغل إسرائيلي واعتقال شاب بريف القنيطرة الجنوبي في سوريا قناه الحدث - اللون الأسود يكسو شاطئاً مصرياً.. السلطات تتحرك وتطلب بصمة كيميائية قناة الغد - تقرير أممي: الجيش الإسرائيلي بدعم هجمات المستوطنين بالضفة قناه الحدث - إذاعة القرآن الكريم في مصر تنفي إيقاف المقرئ المفضل للس الجزيرة نت - كم مرة أعلن ترمب قرب التوصل لاتفاق مع إيران؟ العربي الجديد - هل انفجرت فقاعة شركات البرودباند الأوروبية بعد ذروتها خلال الجائحة؟ وكالة شينخوا الصينية - الخارجية الصينية: الصين لن تسمح لليابان والفلبين بانتهاك حقوقها البحرية الجزيرة نت - هآرتس: حكومة إسرائيل اختلست أكثر من مليار شيكل لشرعنة الاستيطان
عامة

موسم الهجرة إلى الشمال وتبديد االأوهام

سودانايل الإلكترونية

قبل أن ينتقد إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” 1978 صورة الشرق في الذهنيّة الأوروبية ويصفها بأنّها صورة متخيلة ولا تمثّل الشرق الحقيقي، كان تحطيم صورة الشرق المتخيل في الذهنيّة الأوروبية وكشف العلاقة ا...

قبل أن ينتقد إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” 1978 صورة الشرق في الذهنيّة الأوروبية ويصفها بأنّها صورة متخيلة ولا تمثّل الشرق الحقيقي، كان تحطيم صورة الشرق المتخيل في الذهنيّة الأوروبية وكشف العلاقة الوهمية بين الشرق والغرب، أقوى دوافع الطيّب صالح لكتابة رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) والتي صدرت سنة 1966.

يقول الطيب صالح في ذلك بحوار نشر بكتاب (الطيب صالح عبقري الرواية العربية) الذي صدرت طبعته الأولى، سنة 1976 اي قبل صدور كتاب (الاستشراق) بسنتين:“حينما فكرت في كتابة، رواية موسم الهجرة إلى الشمال، كانت تدور في ذهني فكرة العلاقة الوهميّة بين عالمنا العربي الإسلامي والحضارة الغربية.

إنّ هذه العلاقة تبدو لي من خلال مطالعاتي ودراساتي علاقة قائمة على أوهام من جانبنا ومن جانبهم.

والوهم يتعلّق بمفهومنا عن أنفسنا أولاً، ثمّ ما نظنّ في علاقتنا بهم، ثمّ نظرتهم إلينا من ناحية وهمية”.

غير أن الطيب صالح قد اتبع في بناء الرواية استراتيجيّة معقدة، وتكنيكاً مزدوجاً للكشف عن هذه الأوهام.

ومن ذلك أنّه يوظّف هذه الأوهام في العلاقة بين العالمين، ظاهريًّا كسلاح في غزوات مصطفى سعيد الرمزيّة للثأر من المستعمر من خلال الإيقاع بنسائه في حبال فحولته، ويمضى مع هذه الأوهام حتى النهاية لا لتثبيتها؛ وإنّما لفضح زيفها وخداعها وكذبها.

فالبخور والند والصندل وريش النعام أوهام يستخدمها في اصطياد الفتيات الإنجليزيات.

إنّه يستغل ولعهن بالغرائبي والعجائبي والبدائي السحري وكل ما هو مغاير لثقافتهن الغربية.

وكان يعلم نقطة الضعف هذه فيهن فاستغلها إلى أبعد الحدود.

فكنّ يقعن في حباله بكلّ سهولة، ويعشن في الوهم لفترات قصيرة، وما يلبثن أن يفقن من الحلم الجميل، فينتهين نهايات مأساوية.

ويشرح الطيب صالح استراتيجيته المزدوجة في تعرية الأوهام بقوله إنّه قَبِل في البداية في كتابة الرواية: “بكل الافتراضات الخاطئة عند الأوروبيين.

عندما تقرأ كتب الرحالة الأوروبيين لأفريقيا خلال القرن التاسع عشر تجد أنّهم يتكلمون عن الأفريقي على أنّه كسلان، وكذّاب، وأنّه يتعامل كطفل، وأنّه ناكر الجميل، وأنّ همّه الجنس.

وهكذا فأنا وضعت هذه الافتراضات على الشخصيّة الأساسيّة؛ لكن على أمل أنّه في نقطةٍ ما يضطر القاريء الأوروبي إلى أن يراجع هذه الاتهامات.

كما أنّ القاريء العربي أيضًا لا يستسلم للوهم”.

أي أنه عمد في البداية، في رسم شخصية مصطفى سعيد، أن يجاري ظاهريًّا الصورة الوهمية للشرقي والأفريقي في المخيلة الأوروبية ليكشف القارئ العربي والأوربي في النهاية من خلال تطور الأحداث في الرواية زيف وكذب هذه الصورة.

غير أن الكثير من القرّاء العرب خيّب ظنّ الطيّب صالح فاستسلموا للوهم، وتوقّفوا عند الجانب البوهيمي من شخصيّة مصطفي سعيد، ولم يفطنوا إلى الاستراتيجية المزدوجة والملتبسة التي كتب بها الطيّب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”؛ فأساءوا قراءة الرواية، واختزلوها في الجنس.

إنّ الجنس في الرواية ليس مقصودًا في ذاته، إنّه دالة رمزيّة لكشف صورة الآخر في الوعي الأوروبي.

فالطيّب صالح لم يكتب عن الجنس بغرض الإغراء والإثارة السطحيّة المجانيّة، كما يُخيل إلى البعض.

ولم يكتب قصّة مصطفى سعيد لإغواء الشباب المهاجرين إلى أوروبا ليفعلوا كما فعل مع الفتيات الإنجليزيّات، بل العكس هو الصحيح.

إنّه يكتب ليقول للأنا وللآخر، لا، ليست هذه هي الطريقة الصحيحة في التعاطي مع الآخر.

فهذا الطريق لا يقود إلا إلى المأساة، كما قاد مصطفى سعيد إلى القتل والسجن.

والواقع أن الوهم لا يقتصر على الجانب الأوروبي فقط، فالشرق له أوهامه عن الغرب.

فكما أن للأوروبيين أوهام عنّا، فنحن أيضاً لنا أوهام عنهم كما يقول الطيّب صالح.

لقد كان مصطفى سعيد واهمًا حينما ظنّ أنّ الانتقام من المستعمر عن طريق الغزوات النسائيّة يمكن أن يردّ له بعض كرامته.

فهو يتصوّر أنّ مفهوم الشرف عند الشرقي العربي هو نفسه عند الغربيين.

لذلك أوحت له غريزته الفحولية ومفهومه الشرقي للشرف أنّ التفوّق الأكاديمي والنبوغ العلمي ليس كافيًا لإشباع إحساسه بالتفوّق وردّ الاعتبار لبلده.

فهدت مصطفى سعيد عقليته الذكوريّة إلى أن يطلب الثأر بهتك عرض الأوروبيين، فذهب لينغمس في حياة بوهيميّة مع الفتيات الإنجليزيات، ولسان حاله يقول: “نعم يا سادتي، إنّني جئتكم غازيًا في عقر داركم.

قطرة من السمّ الذي حقنتم به شرايين التاريخ”.

ولكن سرعان ما يتكشّف له وهم الفحولة ووهم الشرف الشرقي عند الغربيين.

فقد جاء ذوو الضحايا اللائي أراد أن ينتقم منهن بانتهاك شرفهن وكرامتهن، جاءوا إلى المحكمة، لا ليطالبوا بالقصاص منه، ولكن ليصفحوا عنه، ويتلمّسوا له الأعذار.

فزوج إيزابيلا سيمور، جاء شاهد دفاع لا اتهام: “حين خطا إلى منصة الشهادة في المحكمة تعلّقت به الأبصار.

كان رجلاً نبيل الملامح، رأسه أشيب يكلّله الوقار.

وتجلس على سمته مهابة لا مراء فيها.

قال في الصمت الذي خيّم على المحكمة: “الإنصاف يحتمّ عليَّ أن أقول إنّ إيزابيلا زوجتي كانت تعلم بأنّها مريضة بالسرطان.

كانت في الآونة الأخيرة قبل موتها تعاني من حالات انقباض حادّة.

قبل موتها بأيّام اعترفت لي بعلاقتها بالمتهم؟ قالت إنّها أحبّته وأنّه لا حيلة لها.

كانت طوال حياتها معي مثال للزوجة الوفيّة المخلصة.

وأنا بالرغم من كلّ شيء لا أحسّ بأيّ مرارة في نفسي، لا نحوها ولا نحو المتهم.

إنّني فقط أحسُّ بحزن عميق لفقدها”.

انتهى.

وعلى ذات المنوال جاءت شهادة الكولونيل همند والد آن همند: “ذكر لهم زيارتي لهم في ليفربول، وأنّني تركت في نفسه أثرًا حسنًا، وقال إنّه يعتبر نفسه إنسانًا متحرّرًا ليس عنده تحيّز ضدّ أحد، ولكنّه رجل واقعي وقد كان يرى أن زواجًا من ذلك لن ينجح.

وقال أيضًا إنّ ابنته آن وقعت تحت تأثير الفلسفات الشرقيّة في أكسفورد، وكانت متردّدة بين اعتناق البوذيّة أو الإسلام، وهو لا يستطيع أن يجزم إذا كان انتحارها بسبب أزمة روحيّة انتابتها أو لأنّها اكتشفت خداع مستر مصطفى سعيد لها”.

انتهى.

ويبدي مصطفى سعيد استغرابه لهذا السلوك الحضاري؛ ولكنّه لا يملك إلا أن يفسّره في ظلّ الصراع بين عالمين.

فمثل هذه المواقف الإنسانيّة التي تتجاوز التصنيفات الثنائية الجاهزة لا مكان لها في قاموسه حيث يعلق على شهادة والدها:“كانت آن ابنته الوحيدة وقد عرفتها وهي دون العشرين فخدعتها وغرّرت بها، وقلت لها نتزوج زواجًا يكون جسرًا بين الشمال والجنوب، وحوّلت جذوة التطلّع في عينها الخضراوين إلى رماد.

ومع ذلك يقف أبوها وسط المحكمة ويقول بصوت هاديء إنّه لا يستطيع أن يجزم.

هذا هو العدل وأصول اللّعب، كقوانين الحرب والحياد في الحرب.

هذه هي القوّة التي تلبس قناع الرحمة”.

انتهى.

إنّ الوعي بطبيعة العلاقة الوهميّة بيننا والآخر الغربي هو ما يعطي “موسم الهجرة إلى الشمال” فرادتها وتميّزها عن الروايات التي سبق أن تناولت موضوع العلاقة بين الشرق والغرب، والتي كتبت في عصر النّهضة العربيّة، في مطالع القرن العشرين، مثل “عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم، و”الحي اللاتيني” لسهيل إدريس، و”قنديل أم هاشم” ليحيى حقي.

فهذه الأعمال كتبت في مرحلة يصفها الطيّب صالح بمرحلة الاندهاش بالغرب، أو ما يسمّيه هو بالمرحلة الرومانتيكيّة في العلاقة مع الغرب.

لذلك خلت هذه الروايات من صداميّة اللّقاء بين الشرق والغرب، ودراميته، بخلاف “موسم الهجرة إلى الشمال” التي جاء اللّقاء فيها بين العالمين يتّسم بالعنف والشراسة.

من هنا يأتي تمييز رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” فكريًّا وفنّيًا على الأعمال الروائيّة العربيّة التي سبقتها في تناول موضوع الصراع بين الغرب والشرق بشكل عام.

ومن ذلك أنّ بطل الرواية يرفض أن يمتثل للحضارة الغربيّة بشروطها، كما يرفض أن يمتثل لواقع مجتمعه بشروط الماضي وتقاليده.

والفارق كما يراه الطيّب هو فارق مراحل، يقول: “فهؤلاء الأساتذة الكبار كتبوا رواياتهم: يحيى حقي، وتوفيق الحكيم، وسهيل إدريس.

هؤلاء كتبوا في المرحلة التي أسميها الاندهاش بالغرب.

كانت تلك المرحلة تتميّز بأنّنا نظنّ علاقتنا بالغرب علاقة رومانتيكيّة، لم تتغلغل فيها مظاهر الفكر الأجنبي إلى أعماقنا الإنسانية”.

الصراعات بين الشرق والغرب في تلك الروايات كانت تنبني كما يقول: “على أسوأ الفرضيات، شخص يحب فتاة في باريس، أو حيثما كان، ويحزن ويودعان بعضهما بالدموع.

وكان هذا مقبولاً.

هذا لا غبار عليه.

ولا يلبث أن يدرك بأنّه ينتمي إلى بيئة، ولكن هذا الانتماء لم يكن من العمق بحيث يدرك الاختلافات الجوهريّة الحقيقيّة أو حتى وجوه الشبه.

هنالك أيضًا وجوه شبه من الناحية الإنسانيّة”.

أمّا الآن، يقول الطيب صالح، فإننا “نحطم الأوهام، وقد نجد علاقة سويّة كما يحصل الآن.

الشرق والبخور والعطور مجرد أوهام”.

فبعد جلاء الاستعمار الأوروبي وبعد أن تغلغلت الحضارة الغربية في مجتمعات البلدان المحرّرة “وأصبحت جزءًا من تكويننا السيكولوجي والثّقافي، أردنا ذلك أم لم نرد”.

وهذا صحيح إلى حد كبير، فبعد أن انقشعت الأوهام وزال التوتر بين مثقفي هذه البلدان والغرب إلى حدٍّ كبير، وصار التعاطي مع الآخر الغربي أكثر اتزانًا وسويّةً ونديةً وواقعية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك