تبحث الدول التي تواجه تفوقاً عسكرياً أو اقتصادياً لخصومها عن أدوات بديلة تضمن لها التأثير دون الانخراط في مواجهة مكشوفة.
وفي هذا السياق، تبرز الاستراتيجية الإيرانية كأحد أبرز النماذج التي تعتمد على الحروب غير المتماثلة لتعويض اختلال موازين القوى.
ويقوم هذا الفكر على مبدأ أساسي مفاده أن تحقيق التأثير لا يتطلب تماثل القدرات، بل يرتكز على استخدام أدوات مغايرة تفرض على الخصم أعباء أمنية وسياسية واقتصادية متزايدة وباهظة.
من هذا المنطلق، تشكل الشبكات الإقليمية والعلاقات العابرة للحدود ركيزة أساسية في هذه التحركات.
وترى طهران في بناء صلات وثيقة مع فاعلين محليين في ساحات متعددة وسيلة لحماية مصالحها وتأمين عمقها الاستراتيجي في بيئة مضطربة.
وفي المقابل، يفسر الخصوم هذه الشبكات كأداة لتوسيع النفوذ وممارسة الضغوط.
وبين هذين التفسيرين، تحولت هذه العلاقات المثيرة للجدل إلى جزء ثابت من البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، حيث يمنح صانع القرار خيارات إضافية بديلة عن الردود العسكرية التقليدية المباشرة.
وتتضاعف أهمية هذه الأدوات غير المباشرة في ظروف الاستنزاف الطويل ومتعدد الجبهات، حيث تسعى الدول لتوزيع الضغوط وتقليل المخاطر على أراضيها.
ومع ذلك، تنطوي هذه المقاربة على مخاطر بالغة ترتبط بتعدد الأطراف المنخرطة، مما يرفع احتمالات سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود نتيجة تداخل الحسابات المحلية والإقليمية.
لكن الاعتماد على هذه الأدوات يعكس أيضاً تحولاً أوسع في طبيعة الصراعات الحديثة، حيث لم يعد التنافس مقتصراً على السلاح التقليدي، بل بات يشمل الفضاء السيبراني، وأمن البنى التحتية الحيوية، والممرات الاقتصادية العالمية.
وفي تحول استراتيجي غير مسبوق، انتقلت طهران من مرحلة الغموض والإنكار إلى الإفصاح العلني عن حلفائها والالتزام بحمايتهم عسكرياً وسياسياً.
ويتجسد هذا التوجه الجديد في تأكيد قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني في ٨/ حزيران، بأن" محور المقاومة" يسعى لإنشاء حزام أمني يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب مروراً بالخليج العربي والبحر الأحمر، وأن أي هجمات إسرائيلية أو أمريكية ستواجه برد من" جبهة موحدة للمقاومة".
ولم يعد هذا الإعلان مجرد خطاب نظري، بل تُرجم عملياً عبر الهجمات الصاروخية المباشرة التي شنتها إيران ضد إسرائيل رداً على استهداف حزب الله اللبناني، لتثبت طهران جاهزيتها لتفعيل وحدة الساحات ميدانياً.
ولا يقتصر هذا التحول الاستراتيجي على البعد العسكري، بل يمتد مباشرة إلى الطاولة الدبلوماسية.
وتظهر مأسسة الصراع بوضوح في مسار المفاوضات الإيرانية مع امريكا، حيث أصرت طهران على ربط الملفات واشتراط شمول لبنان بوقف إطلاق النار كجزء لا يتجزأ من أي تسوية شاملة.
يعلن هذا الربط الميداني والسياسي عن نهاية حقبة الغموض، ويسعى لنقل كلفة الاستنزاف مباشرة إلى البيئة الدولية عبر تحويل المواجهة الإقليمية إلى أزمة تمس أمن النظام العالمي وبنيته التفاوضية بالكامل.
ملاحظة: المقال ( ٦ من ٧) من سلسلة مقالات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك