في خضم هذه التحديات الإقليمية العاصفة، والأزمات الاقتصادية التي تضغط على عصب المواطن الأردني، لم يعد "التغيير الإيجابي" مجرد ترفٍ فكري نناقشه في الصالونات السياسية، بل أصبح فريضة وطنية ملحة، وصمام أمانٍ لا غنى عنه لتسكين هواجس الشارع وتمتين جبهتنا الداخلية التي هي الضامن الأقوى لاستقرارنا.
** ولكن، لنتحدث بصراحة ووضوح؛ إن الأزمة في الأردن لم تكن يوماً أزمة تبديل أسماء فحسب، بل هي في جوهرها أزمة "عقليات" ونهج عقيم يدير المشهد الداخلي.
نحن بحاجة ماسة إلى ثورة بيضاء تتجاوز عقلية الوصاية وإدارة الأزمات بالمسكنات، إلى عقلية ترى في المواطن شريكاً حقيقياً.
وهنا يبرز التساؤل المشروع الذي يدور في ذهن كل أردني حر: هل يمكننا، من باب التغيير الجاد، أن نرى أشخاصاً في مواقع المسؤولية، أو يتصدرون الشاشات، أو يُدعون للقاءات مع كبار المسؤولين، دون أن يمروا عبر مقصلة "الفلاتر الأمنية" المسبقة، أو معايير "الفلاتر الشخصية" والمزاجية القائمة على مبدأ (بحبه وما بحبه)؟؟! ** إن الاستمرار في تفصيل المسؤولين والقيادات على مقاسات ضيقة، واحتكار المناصب والمنابر لمن يجتازون هذه الفلاتر التقليدية التي أثبتت فشلها، هو إقصاء متعمد للكفاءات الوطنية الحرة التي تملك الرؤية والجرأة على قول كلمة الحق.
الولاء للوطن لا يُقاس بالبصم والموافقة العمياء، بل بالصدق في النصيحة والقدرة على الإنذار المبكر.
** ولكي يقتنع الأردنيون بجدية التغيير، فإن البداية الحتمية يجب أن تنطلق بإزاحة تلك الوجوه المستهلكة التي ملّ الشعب من رؤيتها.
لا يمكن لنهجٍ جديد أن ينجح بأدواتٍ ووجوهٍ قديمة استنفدت رصيدها بالكامل، ولا تملك سوى لغة التبرير والوعود الواهية.
** إن الاستمرار في سياسة النعامة، ودفن الرؤوس في الرمال لتجاهل غضب الشارع واحتقانه، أو الاعتقاد بأن الأردنيين سيبقون رهينة لسياسة شراء الوقت؛ هي سياسة خاسرة ولن تستمر إلى ما لا نهاية.
صبر الأردنيين على الصعاب عظيم حباً في وطنهم، لكن هذا الصبر ليس شيكاً مفتوحاً للتمادي في الأخطاء.
لذا، ومن باب الغيرة والحرص على هذا الحمى؛ انتبهوا للشعب قبل فوات الأوان!! ** رسالة مفتوحة إلى مراكز القرار: إن الموالاة الحقيقية والانتماء الصادق لا يكمنان في الترديد الأعمى وتزيين الواقع المأزوم، بل في قول كلمة الحق المجردة من أي مصلحة شخصية.
هذه صرخة محبٍ وغيور يرى حجم التحديات والمخاطر، ولا يرجو إلا نجاة سفينة الوطن.
افتحوا الأبواب الموصدة، وأزيلوا الحواجز الوهمية التي بناها المستفيدون والمتمسكون بالكراسي، لتروا الأردن بعيون أبنائه الكادحين، لا عبر تقاريرٍ معلبة تجمّل الواقع وتخفي الحقيقة.
إن الأوان لم يفت بعد، لكن عقارب الساعة لا ترحم.
بادروا إلى كسر تلك "الفلاتر" العقيمة، واحتضنوا أبناء الوطن المخلصين الذين أُقصوا ظلماً لصالح المحسوبيات.
اجعلوا من مصارحة الشعب ومشاركته حجر الزاوية في المرحلة القادمة؛ فالأردن يستحق نهجاً جديداً، وشعبه المرابط يستحق قيادات تشبهه وتضع مخافة الله ومصلحة الوطن نصب عينيها.
حمى الله الأردن، وحفظ شعبه، وقيّض له من أبنائه الأحرار من يحمل أمانة التغيير بحق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك