في ظهوره أمام الكاميرات أمس، بدا نتنياهو كبالون فارغ.
إذا ما قارنتم بجملة خطابات “النصر المطلق” البطولية التي ألقاها في السنوات الأخيرة مع ما رأيناه منه أمس فستفهمون حجم الانكسار.
لا يزال يتحدث، وفي المطلة انطلق إنذار عقب تسلل حوامة إلى نطاق القرية الزراعية.
قد يربت نتنياهو على كتفه مرة أخرى.
ينقلنا من سياسة الجولات حيال حماس إلى جولات حيال إيران؛ من وضع عملت فيه إسرائيل جنوبي لبنان بحرية وقصفت الضاحية كلما لزم الأمر، أصبحنا رهائن الإيرانيين الذين أعلنوا بأنهم سيردون بصواريخ باليستية على كل جولة في الضاحية.
كل هذا يحصل فيما يواصل حزب الله إطلاق الحوامات والمُسيرات والصواريخ.
وحماس تتعاظم في غزة، وترامب على مسافة خطوة على التوقيع على اتفاق كله هزمة مع إيران.
بالفعل، نصر مطلق.
إسرائيل لن تصمد أمام إيران، ومثلها الاقتصاد، وكذلك الجمهور، ولن يصمد جهاز الأمن، وكل هذا صحيح لعهد ترامبإسرائيل لن تصمد أمام إيران، ومثلها الاقتصاد، وكذلك الجمهور، ولن يصمد جهاز الأمن، وكل هذا صحيح لعهد ترامب.
سينتهي هذا العهد بعد سنتين ونصف.
ومن بعده الطوفان.
كل ما لم ننجح في فعله الآن لن نفعله لاحقاً.
نحن الآن لا ننجح في حسم أي جبهة.
الجدول لا يكذب، بل العكس: بعد سلسلة من الإنجازات العسكرية الدراماتيكية التي تقشعر لها الأبدان، إسرائيل تتراجع في كل الجبهات.
أصبحت إيران أكثر خطراً مما كانت بكثير.
نعم، هي ضعفت عسكرياً واقتصادياً، لكن النظام يؤمن بأنه نجا من الحرب ضد كل الاحتمالات، ثمل القوة ويتطلع إلى الثأر.
سيفعلون كل ما يمكن كي يحصلوا على القنبلة، حتى لو اضطروا لشراء واحدة من كوريا الشمالية من تحت الطاولة، أو تنظيم تجربة نووية ارتجالية في الصحراء وإنهاء الموضوع.
هم الآن أقل لجماً، وأكثر تصميماً.
الضربة التي تعرضوا لها أمس كانت رمزية ولا تؤثر في أحد.
وكما يبدو، انتهت الحرب لكن التهديد لم يزل.
وربما العكس.
في ظهوره أمس، قال نتنياهو بضعة أمور مذهلة، إن لم نقل بلا أساس.
كاد لا يتطرق لترامب إلا بثلاث كلمات: “الرئيس ترامب صديقي”.
ومثلما يقال: كل كلمة إضافية زائدة؛ فقبل وقت قصير من ذلك، تحدث ترامب مع مراسل “الفايننشال تايمز” وقال له مرة أخرى، المفهوم من تلقاء ذاته: “بيبي سيوقع على كل اتفاق أجلبه.
هو لا يقرر.
هو لا يقرر.
أنا من يقرر”.
لكن الأساس أن الصداقة باقية.
لكن كانت له أقوال أخرى.
مثل: قبل سنة في حملة “الأسد الصاعد”، أوقفنا النووي الإيراني.
لو لم نعمل في الوقت المناسب وبقوة، لما كنا هنا اليوم.
رئيس وزراء إسرائيل قال، بصوته، لو لم تهاجم إسرائيل إيران في حزيران الماضي، حتى حزيران، أي حتى الآن، لأبادونا.
“ما كنا سنكون هنا”، على حد قوله.
أي أن إيران كانت قد أصبحت دولة نووية.
إذ لا يمكن تصور أن كان بإمكانها سد ثغرة التخصيب في غضون سنة واحدة فقط.
تستكمل مجموعة السلاح، تنجح في إنتاج قنبلة بحجم كرة سلة، مع سلسلة تفجير مرتبة، تركبها على رأس متفجر في صاروخ باليستي وتبيد إسرائيل.
نعم، نعم: حسب نتنياهو، كل هذا كان على الطريق.
نجونا بصعوبة؛ أي أنه هو من أنقذنا.
وقال: مثلما فعلت على مدى عشرات السنين، أصر بحزم على حقنا في العمل ضد أعدائنا.
هكذا تصرفنا الآن أيضاً”.
طوال سنواته في الحكم، يبدو مقتنعاً أنه هو من “أصر بحزم على حقنا في العمل ضد أعدائنا”.
حاولت أن أتذكر متى عمل ضد أعدائنا.
حين رتب لحماس 30 مليوناً في الشهر من قطر؟ حين تجاوز وتملص ست مرات حين طالبه “الشاباك” بتصفية قيادة حماس؟ حين حرر كل القتلة ويحيى السنوار؟ حين هرب من كل جولة مع حماس، حين ضيع فخ المترو لقاء صورة نصر زائفة في “حارس الأسوار”؟ حين احتوى تعاظم قوة حزب الله؟ حين تجاهل خيام حزب الله التي نصبها في أراضينا؟هذه القائمة طويلة كطول ضحايا 7 أكتوبر.
هذا الرجل لم يصطدم قط بأعدائنا.
قدس الوضع الراهن، اكتفى بجولات عابسة انتهت باليباب، أتاح لكل أعدائنا لبناء وحوش إرهاب حولنا، والآن يتجرأ على الكذب ويتبجح.
لا يمكن للمرء أن يتصور ذلك.
مع ذلك، بدا أنه يستحق بضع نقاط في اليوم الأخير؛ فقد هاجم ضاحية بيروت بخلاف رأي ترامب، ثم هاجم إيران دون إذن ترامب.
لكنه بعد هذه النقاط تلقى ضربة قاضية.
هجومه للضاحية كان محدوداً.
كما أن مهاجمته لإيران كانت مقنونة.
السفير الإسرائيلي في واشنطن لايتر، شدد على أن إسرائيل لم تضرب أي شيء يرتبط بإنتاج النفط، كي لا تتضرر أسعار النفط.
وبينما كان سلاح الجو يستعد لجولة هجمات ثالثة كبيرة، جاء النباح من واشنطن، فانتهى.
أسدل الستار على هذه الحرب، وبخلاف ما وعدنا به نتنياهو، لا منتصر، كما هو معتاد.
نتنياهو لا يلوم إلا نفسه.
فقد جعل نفسه خادم ترامب، وأساساً لأنه تجرأ على أن يجنده إلى الجهاد ضد جهاز القضاء الإسرائيلي ورئيس الدولة للإفلات من المحاكمة.
من رهن نفسه لجهة أجنبية، لا ينبغي له أن يشكو من الارتهان.
هنا يبدأ كل شيء وينتهي.
نتنياهو في حالة تضارب مصالح بنيوي منذ رفعت ضده لائحة الاتهام: في السلام، في الحرب، في الحياة نفسها.
رئيس وزراء معقول كان ملزماً بأن يعثر على آليات خروج معقولة من الحرب، في نقاط الذروة، لا في نقاط الدرك.
لم يرغب نتنياهو في إنهاء الحرب، بل رغب في الوصول إلى نهاية الولاية.
نجح.
هذا هو نصره المطلق الذي كله هزيمة استراتيجية رهيبة للدولة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك