أحدث الكشف عن اختراق إلكتروني طاول قاعدة بيانات خاصة بالمستفيدين من المساعدات الإنسانية في قطاع غزة حالة من القلق والارتباك بين مئات آلاف الأسر، بعد تداول معلومات تفيد بوصول جهات غير مخولة إلى بيانات شخصية حساسة مرتبطة بنحو 600 ألف من المسجلين في برنامج الأغذية العالمي للحصول على الدعم الغذائي والإغاثي.
وأعلن برنامج الأغذية العالمي تعرض نظام التسجيل الذاتي للمستفيدين في الأراضي الفلسطينية لاختراق إلكتروني أتاح وصولاً غير مصرح به إلى بيانات شخصية لـ600 ألف من مستفيدي المساعدات الإنسانية في قطاع غزة، موضحا أنه اكتشف الحادثة خلال شهر مايو/ أيار الماضي، وباشر فوراً إجراءات احتواء الاختراق والتحقيق في أسبابه وحجمه بالتعاون مع جهات متخصصة في الأمن السيبراني.
وبين البرنامج في بيان رسمي أن البيانات المتأثرة تشمل أسماء المستفيدين وأرقام الهوية والهواتف وبعض معلومات التسجيل الخاصة بالمساعدات الغذائية والنقدية، مؤكداً إبلاغ الجهات المعنية والمستفيدين المتضررين و" اتخاذ تدابير إضافية لتعزيز حماية الأنظمة الرقمية"، كما شدد على أن عمليات توزيع المساعدات في غزة مستمرة ولم تتأثر بالحادثة، داعياً المستفيدين إلى" الحذر من أي رسائل أو اتصالات مشبوهة قد تستغل البيانات المسربة".
وأثارت الحادثة موجة تساؤلات في الأوساط الشعبية والحقوقية حول مدى أمان المنصات الرقمية المستخدمة في تسجيل المحتاجين، خاصة أن غالبية الأسر قدمت معلوماتها الشخصية في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة أملاً في الحصول على الغذاء والمساعدات الأساسية.
وتخشى العديد من العائلات من إمكانية استغلال البيانات المسربة في عمليات احتيال أو انتحال شخصية أو استخدامها بطرق قد تمس خصوصية المواطنين وأمنهم، الأمر الذي دفع ناشطين ومؤسسات حقوقية للمطالبة بإجراء تحقيق شفاف يكشف ملابسات الاختراق وحجم الأضرار المترتبة عليه.
ويقول النازح محمود أحمد (42 عاماً) لـ" العربي الجديد" إنه صدم بعد تلقي خبر تسريب بيانات المستفيدين من المساعدات" لأننا قدمنا بياناتنا الشخصية من أجل الحصول على المساعدات الغذائية فقط، لم نتوقع أن تصبح هذه المعلومات معرضة للوصول من جهات أخرى".
ويخشى أحمد أن تُستخدم البيانات بطريقة تضر بالمواطنين وعائلاتهم، خاصة أنهم يعيشون ظروفاً صعبة ويضطروا لتقديم معلومات دقيقة عن أنفسهم وأماكن وجودهم من أجل الاستفادة من المساعدات، مطالبا بكشف حقيقة ما حدث وتوضيح حجم الأضرار، والعمل على حماية بيانات الناس بشكل أفضل، " لأن هذه المعلومات أمانة ويجب الحفاظ عليها".
ودعا مواطنون إلى توفير ضمانات واضحة بشأن كيفية جمع البيانات وتخزينها ومشاركتها، مؤكدين أن" الثقة بين المستفيدين والمؤسسات الإنسانية تعتمد بشكل أساسي على قدرة تلك الجهات على صون المعلومات الشخصية وحمايتها من أي استخدام غير مشروع".
من ناحيتها، توضح النازحة أم محمد سعد (37 عاماً) لـ" العربي الجديد" أنها شعرت بحالة من الخوف بعد الإعلان عن اختراق بيانات المستفيدين، خصوصاً أن الجميع سجلوا بياناتهم على أمل الحصول على الغذاء والمساعدات الضرورية لأطفالهم، ولم يكن أمامهم خيارات أخرى، مشيرة إلى أن الحادثة أثرت على ثقة المواطنين بالمنصات الإلكترونية للمساعدات، مضيفة: " كثير من الأسر أصبحت تتساءل عن مصير معلوماتها الشخصية وكيف يتم حفظها، وهذا خلق حالة من القلق وعدم الاطمئنان".
وتتابع: " نقدر الجهود الإنسانية التي تقدمها المؤسسات الإنسانية، لكننا نطالبها بإعطاء أولوية لحماية بيانات المستفيدين، واتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمنع أي اختراقات قد تعرض الناس للخطر مستقبلاً".
وفي أعقاب الحادثة، تصاعدت الدعوات الموجهة إلى برنامج الغذاء العالمي وكافة المؤسسات الإنسانية العاملة في القطاع لتعزيز أنظمة الحماية الرقمية وتحديث إجراءات الأمن السيبراني، بما يضمن الحفاظ على سرية معلومات المستفيدين ومنع تكرار مثل هذه الاختراقات مستقبلاً.
وشدد حقوقيون على أن حماية البيانات الشخصية للمواطنين" تمثل مسؤولية قانونية وأخلاقية لا تقل أهمية عن تقديم المساعدات نفسها"، مطالبين بضرورة إبلاغ المتضررين بكل المستجدات المتعلقة بالحادثة واتخاذ خطوات عملية للحد من أي آثار محتملة قد تنتج عنها.
وأكد مختصون أن خطورة الواقعة لا تقتصر على انتهاك الخصوصية فحسب، بل تمتد إلى احتمال تعرض أصحاب البيانات لمخاطر إضافية في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها سكان قطاع غزة، حيث ترتبط هذه المعلومات ببيانات تعريفية وشخصية دقيقة.
في الإطار ذاته، ينظر المهندس أحمد مصطفى، المختص في أمن المعلومات، إلى حادثة تسريب بيانات مئات آلاف المستفيدين من المساعدات الإنسانية في قطاع غزة بخطورة بالغة، ليس بسبب حجم البيانات فقط، وإنما بسبب طبيعة البيئة التي وقعت فيها.
ويقول مصطفى لـ" العربي الجديد": " نحن نتحدث عن سكان يعيشون أوضاعاً استثنائية ويعتمدون على المساعدات لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وبالتالي فإن أي كشف لمعلوماتهم الشخصية قد يترتب عليه مخاطر تتجاوز الأضرار المعتادة المرتبطة باختراقات البيانات".
وعن المخاطر الأمنية التي قد تنجم عن وصول جهات غير مخولة إلى هذه المعلومات، يبين مصطفى أنه" عندما تتضمن البيانات أسماء وأرقام هويات وهواتف ومعلومات مرتبطة بمكان وجود الأشخاص، فإنها قد تُستخدم في تتبع الأفراد أو انتحال شخصياتهم أو استهدافهم بعمليات احتيال وهندسة اجتماعية، وفي البيئات المتأثرة بالنزاعات تصبح هذه المخاطر أكثر حساسية، لأن أي معلومة شخصية قد يكون لها انعكاسات مباشرة على سلامة أصحابها"، مضيفا أن هناك مسؤوليات مترتبة على المؤسسات الإنسانية التي تجمع هذه البيانات، حيث تتحمل مسؤولية كبيرة في حمايتها، و" يجب أن تكون هناك أنظمة تشفير قوية، وضوابط صارمة للوصول إلى المعلومات، وتقييم مستمر للمخاطر الأمنية، كما أن الشفافية مع المتضررين والإفصاح السريع عن أي حادثة اختراق يعدان جزءاً أساسياً من المسؤولية المهنية والأخلاقية".
ويشدد مصطفى على أن" الحق في الخصوصية حق أساسي تكفله المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما أن الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها ملزمة بمبادئ حماية البيانات التي تفرض تقليل جمع المعلومات إلى الحد الضروري، وتأمينها من الوصول غير المصرح به، واتخاذ تدابير فعالة للتعامل مع أي خرق أمني".
وفي حالة قطاع غزة تزداد المخاوف، لأن البيانات لا تتعلق بمستخدمين لخدمة إلكترونية فحسب، بل بأشخاص يعيشون في ظروف حرب ونزوح وأزمة إنسانية، لذلك فإن أي تسريب للمعلومات الشخصية قد يثير مخاوف حقيقية لدى السكان بشأن خصوصيتهم وسلامتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك