في خطوة غير مسبوقة هزّت أروقة العدالة الدولية، قررت المحكمة الجنائية الدولية إيقاف مدعيها العام كريم خان عن العمل، على خلفية تحقيق في مزاعم «سوء سلوك جنسي».
إلا أن توقيت القرار وسياقه السياسي يطرحان تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان الرجل يدفع ثمن مواقفه القانونية الجريئة، خاصة فيما يتعلق بملفات حساسة مثل غزة وأوكرانيا.
يأتي هذا الإيقاف بعد تصويت أجرته اللجنة التنفيذية للهيئة الإدارية للمحكمة، المكونة من 21 دولة، بأغلبية مؤهلة، لإحالة الأمر إلى الدول الأعضاء الـ125 من أجل التصويت السري على مستقبله وعزله النهائي من منصبه في جلسة استثنائية ستُعقد في أقرب وقت ممكن، وهو ما يتطلب موافقة ثلثي الأصوات.
من جانبه، نفى كريم خان جميع هذه الادعاءات، التي ظهرت لأول مرة في مايو/أيار 2024، مؤكدًا أنها غير قانونية وغير عادلة إجرائيًا وغير مدعومة بالأدلة.
كما صرح محاموه بأن موكلهم لم يمارس أي سلوك قسري أو استغلالي ضد أي فرد.
وكان خان قد تنحى مؤقتًا ودخل في إجازة طوعية منذ مايو/أيار 2025، لمواجهة هذه القضية التي تضمنت وثائقها شهادات وأدلة بلغت أكثر من 5000 صفحة جمعها مكتب الأمم المتحدة لخدمات الرقابة الداخلية (OIOS) على مدار عام كامل، وذلك بعد مراجعات متعددة وتقارير متضاربة؛ إذ أشار تقرير أممي إلى وجود أساس واقعي للادعاءات، في حين خلصت مراجعة منفصلة لثلاثة قضاة إلى أن الأدلة غير كافية لإثبات التهم بما لا يدع مجالًا للشك.
لم تكن فترة ولاية كريم خان، التي بدأت عام 2021، هادئة، بل اتسمت بمواجهات قضائية حاسمة ضد قادة دول وأنظمة قوية، لا تعترف كثير منها باختصاص المحكمة.
ولعل أبرز تلك المواقف كان إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على خلفية الحرب في أوكرانيا، ما وضع المحكمة في قلب العاصفة السياسية.
أما الموقف الأكثر جدلًا فتمثل في تحركاته بشأن الحرب في غزة، إذ أعلن في مايو/أيار 2024 وجود أسباب معقولة للاعتقاد بمسؤولية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير جيشه آنذاك يوآف غالانت عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
كما طلب إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة في حركة حماس، بينهم يحيى السنوار وإسماعيل هنية ومحمد ضيف.
وأثارت هذه التحركات غضبًا واسعًا في إسرائيل والولايات المتحدة، حيث وصفت بأنها «مخزية» و«شائنة»، في ظل رفض لولاية المحكمة على هذه القضايا.
لم تتوقف الضغوط عند الإدانة السياسية، بل فرضت الولايات المتحدة عقوبات مالية ودبلوماسية على كريم خان، ووسّعتها لاحقًا لتشمل مسؤولين آخرين في المحكمة.
ورغم أن إسرائيل والولايات المتحدة وروسيا ليست أطرافًا في نظام روما الأساسي، تمسك خان بالولاية القضائية للمحكمة على جرائم ارتُكبت في أراضي دول أعضاء مثل فلسطين وأوكرانيا.
كما قاد تحقيقات دولية أخرى حساسة، شملت ملفات في إيران وأذربيجان وسوريا.
ولم تخلُ مسيرته من الجدل، إذ سبق أن تعرض لانتقادات بسبب قضايا قانونية تولى الدفاع فيها، كما أدرجته روسيا على قائمة المطلوبين، وتعرض لتهديدات سياسية.
ويثير تزامن إيقاف خان مع تصاعد الضغوط السياسية على المحكمة تساؤلات حول خلفيات القرار.
وفي الوقت الذي كان يقود فيه تحقيقات حساسة، برزت الاتهامات ضده بشكل مفاجئ، ما دفع بعض المراقبين إلى الحديث عن احتمال وجود حملة تشويه ذات أبعاد سياسية.
ويرى مراقبون أن تزامن القضية مع تحركاته ضد إسرائيل والعقوبات الأميركية عليه يطرح احتمال أن الأزمة تتجاوز مجرد اتهامات شخصية، وتمتد إلى صراع أوسع حول استقلال العدالة الدولية.
الرواية الرسمية تركز على «سوء السلوك»، لكن خان نفسه كان قد حذر قبل أشهر من وجود «حملة سياسية للإطاحة به» بسبب تحقيقاته في جرائم حرب، معتبراً الاتهامات «مصطنعة».
وتبقى قضية كريم خان اختبارًا حقيقيًا لاستقلال المحكمة الجنائية الدولية، وسط تساؤلات عما إذا كان القرار قانونيًا بحتًا أم نتيجة لضغوط سياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك