تجمع سوريا مساحة واسعة من التباينات الطبيعية، ففيها البادية شديدة الحرارة، وفيها الوديان الخصبة، وفيها الجبال الوعرة المحيطة بمدن أنهكتها سنوات حرب طويلة.
ومع ذلك، بقيت تلك المظاهر بعيدة عن متناول معظم السوريين بسبب الحواجز الأمنية وسعي الناس لكسب قوت يومهم بعيداً عن أي رفاهية.
طوال مدة قاربت 15 عاماً، بقيت الجروف الصخرية مهجورة، إلى أن حان الوقت الملائم، إذ بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، عاد ثلاثة أشقاء إلى دمشق حاملين حلمهم شبه المستحيل، وهو خلق ثقافة تسلق الجبال التي لا يمارسها أحد في سوريا.
فقد أمضى هؤلاء الأشقاء وهم معاذ، 31 عاماً، وزاهرة، 28 عاماً، وياسين، 32 عاماً، سنوات الحرب في كندا، حيث تعلموا تلك الرياضة التي تعتمد على الصبر والثقة والمخاطرة المحسوبة، وعن ذلك يقول ياسين لمجلة" Huck": " شعرنا بأن سوريا أصبحت خياراً استراتيجياً بوسعنا أن نترك فيه أثراً كبيراً، وكان سقوط الأسد هو الشرط الملائم بالنسبة لنا".
لم يكن الحنين هو الدافع وراء عودة هؤلاء الأشقاء، بل كان التوقيت هو المناسب بعد أن رأوا كيف أضحت سوريا متعطشة لكل فرصة وتجربة جديدة.
يعلق على ذلك ياسين فيقول: " سوى الأركيلة، لا توجد خيارات كثيرة أمام الشباب هنا، وخاصة الفتيات"، ولذلك يمكن لتسلق الجبال أن يصبح متنفساً أمامهم.
بدأت زاهرة بممارسة رياضة التسلق قبل ست سنوات، وعنها تقول: " اكتشفت كيف غيرت هذه الرياضة إحساسي تجاه نفسي كامرأة، إذ أصبحت أحس بالقوة والثقة"، ولكن عند زيارتها لسوريا في نيسان 2025، تغيرت نظرتها للأمور، ولذلك قالت: " اكتشفت عدم وجود أي متنفس أمام النساء يشعرهن بقوتهن وقدراتهن"، ولذلك فكرت بتوفير هذا المتنفس لنساء يشبهنها في التفكير، ومن هنا بدأ التخطيط للعمل.
في حين تختلف نظرة معاذ لهذه الرياضة، فيصفها بأنها: " ليست مجرد رياضة، بل مساحة يمكن للسوريين أن يلتقوا عندها كسواسية، وهذا أمر ثوري في بلد منقسم كسوريا".
يخبرنا معاذ بأن مشروعهم يهدف إلى وضع سوريا على الخريطة العالمية لتسلق الجبال، ولهذا فهم يطمحون لإقامة صالات للتسلق، ومسارات في الهواء الطلق.
مغامرة التسلق عند بحيرة زرزرفي 22 تشرين الثاني، عندما أصبح الهواء عند بحيرة زرزر منعشاً ومحملاً ببرودة الصخور، خرج معاذ مبكراً، وتوقف على الطريق لشراء منقوشة زعتر توفر له طاقة ليوم طويل.
وعند الساعة السابعة والنصف وصل إلى الجرف الصخري، وأخذ يخرج الحبال ويتفقد نقاط التثبيت، ويفحص المسارات.
وبحلول الساعة الثامنة، وصلت حافلة تقل 11 مشاركاً ومشاركة، بينهم أشخاص اكتفوا بالمراقبة بدافع الفضول لا أكثر.
كانت زاهرة أول من نزل من الحافلة وبدأت تعرف الناس على طبيعة المكان، فيما تولى ياسين الأمور اللوجستية مع التصوير ليوثق كل شيء في أثناء مراقبته للمجموعة.
انضمت إلى المدربين الثلاثة صديقتهم هبة جنيد التي علمت المجموعة عقدة الشكل المؤلف من ثمانية أضلاع والتي شبهتها برجل الثلج" بما أنك تلف الوشاح حول عنقه ثم تضع جزرة وسط وجهه".
أكد الفريق منذ البداية على احترام الطبيعة، وعلى عدم ترك أي مخلفات أو أخذ أي شيء من الجبل.
لم يجرب مصطفى (56 عاماً) نظام التسلق بحياته، لكنه أتى اليوم برفقة ابنته كندة، 23 عاماً، وابنة عمها مريم التي تجاريها في العمر، وتعترف بأنها تخشى المرتفعات، لكن: " الفريق يعرف ما يفعله تماماً" وهذا ما جعلها تشعر بالطمأنينة.
تعرفت كندة على هذه الرياضة عبر مقاطع فيديو نشرها الأشقاء عبر صفحتهم على إنستغرام، وتعلق على ذلك بقولها: " لقد حرمنا من جبال بلدنا، والتسلق برأيي يبدأ بكسر الحواجز الطائفية والاجتماعية، ولهذا ترافقني عائلتي اليوم إلى هذا المكان".
أما أصغر مشاركة، فهي سحر علوش وعمرها لا يتجاوز 11 عاماً، ومع أنها لا تدرك تماماً ماهية التسلق، فقد بدأت بصعود الألواح الصخرية بانسيابية وثقة أدهشت الجميع، لكنها ماتزال تنتظر الحذاء المخصص للتسلق الذي سترسله لها خالتها من فرنسا.
كان من بين المشاركين متسلق من السلفادور يزور سوريا لأول مرة، وعن ذلك قال: " لم أفكر حتى بموضوع السلامة، لأني وثقت بالفريق من حيث جديته وكفاءته".
فحص المشرفون كل حبل مرتين، أما نظم التأمين فهي تخضع للإشراف والمراقبة، بيد أن الثقة تبنى من خلال التكرار والخبرة، ويدير هؤلاء الأشقاء ثلاث مبادرات مترابطة: أولها يقوم على إعادة بناء علاقة مع الجبال السورية، وثانيها خلق ثقافة التسلق القائمة على السلامة والمعرفة بالمنطقة والرعاية الاجتماعية، وثالثها العلاقة مع الجمعية السورية للتسلق، وهي جمعية غير ربحية تركز على تدريب المدربين، وتوحيد معايير السلامة، وكسر الوصمة الاجتماعية، وخاصة بالنسبة للنساء، كما تنظم رحلات خارجية لتعريف المبتدئين بالتسلق بالحبل في مواقع يعتبرها الأهالي آمنة.
في 8 كانون الثاني من هذا العام، افتتح الأشقاء بتمويل ذاتي وبجهود شخصية صالة (جبلنا) بدمشق، وهي أول صالة لتسلق الجبال في سوريا، وقد قام معاذ بتصميم معظم ما فيها بيديه.
غير أن هذه الصالة ليست مجرد صالة رياضية، بل إنها تعبر عن موقف إنساني، ففي يوم الافتتاح، وضع الأشقاء على الطاولة وعاء يحتوي على كرات صغيرة، وكل كرة منها تمثل نصف أجرة الدخول، بحيث يمكن لمن يستطيع أن يدفع أن يشتري كرة، ويمكن لمن لا يتمكن من الدفع أن يأخذ كرة، من دون أن يسأله أحد عما يفعله، ومن دون أن يحس بأي إحراج، وعن ذلك يقول ياسين: " لا نريد أن نحول هذه الرياضة إلى رياضة طبقية أو نخبوية"، ولهذا فإن إتاحة الدخول لمن لا يملك المال ليس صدقة، بل قناعة راسخة، وهذا ما دفع ياسين إلى القول: " إن الفرح هو القوة الأساسية التي نحاول توظيفها، وهو الشيء الذي نريد إدخاله على هذا البلد، وما التسلق إلا وسيلة لخلق هذه المساحة".
بيد أن التحديات أمامهم كبيرة، إذ لابد لهم من استيراد المعدات، والحواجز الأمنية لا تدرك وظيفة أدوات مثل الأحزمة أو المثاقب أو مشابك التسلق.
وخرائط الجبال عتيقة جداً، والتمويل ضعيف، ومع ذلك دفع الأشقاء بدل إيجار لثلاث سنوات مقدماً.
والأصعب من كل ذلك النظرة الاجتماعية، إذ يقول ياسين: " من التحديات الطريقة أن الناس لا يأخذوننا على محمل الجد في بداية الأمر، لأننا بعيونهم صغار في العمر، ولكن عندما يعرفون أننا أتينا من كندا وبأننا نملك المال تتغير نظرتهم إلينا".
ومع كل تلك التحديات، يواصل الأشقاء عملهم، فقد خصصوا ساعات محددة للنساء، ووضعوا سياسات تتعامل بمرونة مع اللباس، وأخذوا يعلمون الناس بكل صبر وأناة، أي أنهم يبذلون قصارى جهدهم ليذللوا العوائق ويستقطبوا الناس.
تقول زاهرة وهي تراقب مجموعة من النساء يشجعن بعضهن: " إن المسألة لا تتعلق بتسلق الجدران، بل بالثقة، وبإيماننا بإمكانياتنا".
ويرى معاذ أن التسلق يخلق رابطة اجتماعية، ولهذا يقول: " تخيل لو كان أمام السوريين مساحات كثيرة مبنية على الثقة والتعاون.
إن هذا بالضبط ما يتعلمونه من خلال رياضة التسلق".
تتجاوز طموحات الأشقاء حدود دمشق، فهدفهم إقامة اتحاد وطني للتسلق، وإعداد خرائط جبلية محدثة، وحماية المسارات، وتشكيل فريق سوري للتسلق ينافس على المستوى العالمي، إلى جانب إقامة شراكات مع منظمات مثل" Climaid" التي تتعاون مع اللاجئين، وعن ذلك يقول ياسين: " إن المسار غير محسوم، ولكن كل مسمار للتثبيت، وكل جلسة تدريبية، وكل محاولة تسلق مترددة في البداية، تعيد بناء ثقافة كادت أن تمحى".
مع غروب الشمس فوق بحيرة زرزر، وصلت سحر إلى قمة المسار، فابتسمت وهي تلهث وتسمع التصفيق الآتي من الأسفل، في بلد وسمته الخسائر بوسمها، وبذلك تحول التسلق إلى رياضة ثورية خلقت مساحة مشتركة من الفرح بين أشخاص ينتمون لعدة أجيال.
تعلق زاهرة على ذلك بقولها: " سوريا بلدنا، وهي بلد مذهل، لكن السوريين لم يستمتعوا ببلدهم كما يجب، لأننا نستحق أن نشعر بالدهشة عندما نرى كل جديد، والتسلق يتيح لنا ذلك، ويجمع بيننا بعد كل ما عشناه".
وبذلك، ترتفع الروح المعنوية بين السوريين والسوريات كما ترتفع جبال سوريا وتحيط بمدنها المدمرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك