للروائي ممدوح عزام عالمه الخاص، نحاول الاقتراب منه في هذا الحوار، ولا سيما عند تقاطع الفقد الشخصي بالخراب السوري العام، والإصغاء إلى كاتب يعيش تجربة من الداخل: كيف يقرأ ما حدث له ولبلاده؟ وكيف يرى الكتابة في زمنٍ لا يطاول فيه الخراب البيوت والأمكنة وحدها، بل الذاكرة نفسها.
* يكتب ألبرتو مانغويل عن صاحب المكتبة كما لو كان مربّي نحل، تربطه بكتبه علاقة رعاية وألفة يوميّة.
كيف تصف علاقتك بمكتبتك؟ وهل كانت مجرد أرشيف للقراءة، أم فضاءً حيّاً يشكّل جزءاً من حياتك الداخلية وطقوسك اليومية؟منذ انتقلت إلى الاستقرار في قريتي (تعارة) حيث بنيت بيتي، في محافظة السويداء، عام 1980 كان للكتب غرفتها، هكذا اقتضت الحاجة إلى مكان يحفظ الكتب التي بدأت اقتناءها مبكّراً، بعد تخرجي في دار المعلمين، وأنا في التاسعة عشرة، تحوّل مع الزمن إلى اسم لها، بوصفه المكان، أي: " المكتبة".
وفضاء لي قارئاً وكاتباً.
أما المكان فهو أرشيف بالفعل، إنه تراث الإنسانية، بصرف النظر عن عدد الكتب، ففي كل كتاب جاد وصادق معرفة ما، أو حلم، أو وجدان، أو حكاية، أو شعر، أو علم أنتجه البشر في تاريخهم.
لهذا تعلمت أن لا أستهين بأي مكتبة، مهما كان عدد العناوين فيها، من دون أن أتغاضى عن أن العدد يعني أننا نراكم تلك المعارف في أرشيفنا الخاص.
أعرف أصحاب مكتبات كبرى لا يكتبون، وإنما يقرؤون فقط، أما حين ينتقل صاحب المكتبة كي يكون كاتباً فالعلاقة تغتني من جديد ببعد يتجاوز الأرشيف، كي يصبح إضافة، إضافة كل كاتب إلى التراث الإنساني، هذا إذا شاء أن يكون إنسانياً، لا موظفاً لدى حاكم.
أما المكتبة فإنها تتحول إلى مكان حميم، إلى مجمع أسرار، يحتفظ فيها الكاتب بكل ما يكتبه من قصص وروايات ومسرحيات وأشعار، الجيد منها والرديء، المكتمل والناقص، بعيداً عن أي رقيب أو قريب.
وسوف تنشأ صداقة عميقة بين الكاتب والمجموع، قائمة على المعرفة والذكريات، على الحب، والاختلاف، على الرفض والقبول، على القوة والضعف.
*حين احترقت مكتبتك، هل شعرت أن ما يحدث يتجاوز خسارة شخصية أو فعل تخريب عابر إلى ما يشبه الاعتداء الرمزي على المعرفة نفسها؟ هل ترى أن المكتبات، بوصفها نقيضاً للجهل والانغلاق، تتحوّل دائماً إلى هدف في الأزمنة المضطربة؟ وهل يمكن النظر إلى إحراق المكتبة بوصفه محاولة لإخضاع الذاكرة أو إعادة كتابة الواقع بالقوة؟أعتقد أنها محاولة إعادة تغيير الواقع بقوة النار، فالسلطة في بلادنا، سواء منها مستبدة كانت راسخة مثل سلطة البعث، وحافظ وبشار، أم سلطة ناشئة عمياء القلب والنظر والروح مثل السلطة الحالية، تصل إلى كرسي الحكم وفي ذهن قادتها أن الواقع فاسد، وأنهم من يحملون راية الخلاص، فيهدمونه كاملاً، ويعيدون" بناءه" وفق الصورة الذهنية التي يحملونها.
هل شاهدت ماذا فعل الفنان البريطاني بانكسي؟ سلطة الحكم اليوم، وكل سلطة مستبدة في التاريخ، تعتبر الراية التي تحملها تمثيلاً نقيّاً وطاهراً للإيمان والإخلاص والوطنية، وتحاسب الآخرين، أو تسلك في الحكم سلوكاً موازياً لقناعاتها وحدها، ثم تمضي بكل شيء إلى الهاوية.
السلطة في عالمنا العربي، وفي سورية خاصة، منذ الاستقلال، لا ترى إلا نفسها، ولهذا ترى أنها تخبط خبطاً عشوائياً مدمّراً، تسعى به إلى تحطيم المخالف والخصم والمعارض وغير المتشابه، ثم تضع هذا كله في باب الوطنية.
كلُّ واقع في بلادنا عدو للسلطة، يسرعون اليوم إلى تغيير كل شيء، من تفاصيل العيش اليومي، إلى القضايا المصيرية الكبرى.
كأن التاريخ يبدأ من السلطة، التي ترى نفسها أبدية في الوقت نفسه.
وهذا غريب، إذ يقطع الحاكم مع التاريخ، ويسعى إلى خلق تاريخه الخاص الأبدي، أو الذي لا ينتهي إلّا يوم القيامة.
وراءه، وأمامه تتراكم النتائج في فوضى مدمرة، كما نرى من خلال كل الحكومات التي استولت على السلطة في سورية.
وفي قناعتي أن الجنود لا يحتاجون إلى التعليمات المباشرة لفهم هذا المنحى لدى السلطة، فهم يدركون ما ترغب فيه، وينفذون سياستها على الأرض، بعروض شديدة الوحشية والقسوة، فأبشع المجازر في كل مكان ارتكبها جنود، خصوصاً الذين يتباهون بجهلهم، وعلمهم القليل، بل أميّتهم في مواجهة مكتبة ممتلئة بكل أنواع الكتب.
تخيّل أنهم أحرقوا في هجومهم الهمجي نسخاً من القرآن والإنجيل والعهد القديم وشروح القرآن.
صارت المكتبة المكان الأحبّ إلي، لعدة أسباب، منها الاعتياد، ومنها التفرّغ، ومنها مجاورة الكتب، والكتابة، ومنها طبيعة الغرفة التي كانت تطل على سهل رحب راح يمتلئ بأشجار الزيتون سنة بعد أخرى* هل كانت خسارتك الأساسية في الكتب نفسها، أم في ما كانت تختزنه من زمن وعلاقات شخصية وهوامش وذكريات؟ قُلتَ إنّ الكتب يمكن تعويضها لأنّ هناك نسخاً أخرى منها، بينما لا يمكن تعويض أشياء أخرى كاللوحات الفنية والتذكارات.
ما الذي يجعل بعض الأشياء تحتفظ بروح أصحابها أكثر من غيرها؟ وهل تحزن على الأشياء لأنها جميلة، أم لأنها تحمل الزمن الذي عشته معها؟نعم قلت إن الكتاب فيزيائياً يمكن تعويضه، فمن كلّ عنوان ثمة مئات من النسخ، هذه حقيقة بسيطة لمواجهة من يشعلون الحرائق في الكتب، عمداً أو استهتاراً، إذ لا يمكن لأيّ سلطة مهما كانت طاغية أن تزيل الكتاب من الوجود، إذا نجت نسخة واحدة من قرار الحرق، لهذا فإن إحراق الكتب في بلاد وأزمنة مختلفتين عمل رمزي يستهدف المعنى لا العدد.
يعرف الطغاة وأعداء الكتب هذا، لكنّ مُشعِلي الحرائق يعرفون أمراً آخر أكثر خطورة، أنهم يحرقون الذاكرة، لا الأوراق، فلكل نسخة من كتاب اشتريته ذاكرة ممتلئة يستحيل أن تعود: لحظة شراء الكتاب، وحمله إلى البيت، وتصفّحه، وقراءته، ووضع الخطوط بالقلم الرصاص تحت الأسطر التي أراها مهمة، وأنا اعتدت أن أقرأ، وبيدي قلم رصاص، والملاحظات التي أُسجّلها على الهوامش، أو في صدر الكتاب، حيث أشير إلى الصفحات الضرورية.
بل لقد كانت أسعار الكتب، وتغيّرها عبر السنوات ذاكرة تشير إلى المتغيرات.
كل هذا لا يمكن استعادته، وكل هذا وغيره من الذكريات التي تغدو ذاكرة، هي ما تمحوه النار، وما يسعى وراءه مشعلو الحرائق، وهنا قد أشير إلى أنّ الكتب بطبيعتها حوامل ذكريات، غير أن البيت كله بأشيائه الصغيرة والكبيرة والهامشية مستودع ذاكرة ساكنيه.
أنت تعرف ماذا يعني أن تعتاد شرب القهوة بفنجان ما، أو أن تشتري أداة ما، بضعة صحون، طنجرة، علباً خشبية لحفظ السكر والقهوة والشاي، آلاف الأشياء الصغيرة، التي ترتبط باليومي الذي يخصك أنت وحدك، ثمة أشياء من هذا النوع، بعدد سكان الأرض، إنها ذاكرة الأرض نفسها، لأنها ذاكرة البشرية فرداً فرداً، أو أسرة إلى جانب أسرة.
كل هذا تمحوه النار، يمحوه أمر صادر عن قائد يفتقر إلى مثل هذه الذاكرة على الأرجح، أو يرى أنّ ذاكرته وحده هي التي يجب أن تبقى.
* تتحدّث عن المكتبة بوصفها المكان الأحب في البيت، والملاذ الذي كانت الكتابة تجد فيه إيقاعها الطبيعي.
ما الذي يحدث لعلاقة الكاتب بالكتابة حين يفقد المكان الذي كانت اللغة تجد فيه طمأنينتها؟ وهل يمكن للكتابة أن تستعيد شروطها الحميمة بعد اقتلاع البيت والمكتبة معاً؟ وكيف تبدو علاقتك اليومية بالكتابة اليوم في واقعك الجديد؟صارت المكتبة المكان الأحبّ إلي، لعدة أسباب، منها الاعتياد، ومنها التفرّغ، ومنها مجاورة الكتب، والكتابة، ومنها طبيعة الغرفة التي كانت تطل على سهل رحب راح يمتلئ بأشجار الزيتون سنة بعد أخرى.
النافذة نفسها، والشرفة، والبستان الصغير في البيت.
كل ذلك منح هذا المكان ألفة جعلته مكاناً حميماً لا بديل له.
الرابط بيني وبينه هو الكتابة، لم أكتب أيّ رواية خارج تلك المكتبة، وبمرور الزمن، لم أعد أعرف أن أكتب إلّا في مكتبتي.
هذه حالة تخصّ طقوس الكتابة، حيث يخلق المكان شكل التنفيذ، فأنا أُخطط، وأُنفّذ، هناك في ذلك المكان، ولهذا بدا لي من الصعب استعادة الطقس في مكان آخر مثل لندن، كان بالنسبة لي مكاناً عابراً في هذا المجال الروحي.
أزور لندن كل عام تقريباً منذ عشر سنوات، للقاء أولادي، والتمتع بمعالم المدينة الجميلة، ولا أكتب غير المقالات الأسبوعية لـ" العربي الجديد"، لكن الهجوم الذي شنّته قوات الحكومة السورية، أرغمني على البقاء في لندن.
فقد احترق البيت بالكامل، واحترقت القرية، ومُنِعنا، بقوة الاحتلال، من العودة إلى بيوتنا.
ما العمل؟ أول قرار اتخذناه، أنا وزوجتي، أن لا نسمح للكآبة بالتسلل إلى حياتنا.
كنا حزينين، وما زلنا، وسوف نبقى نحزن على ما فقدناه من ذكريات العمر، ولكننا سنعيش حياة عادية برعاية أولادنا.
وأنا مستقر في بيت ابنتي وزوجها في لندن، وقد أتيح لي أن أكتب كتابي الجديد عن بيتي ومكتبتي.
أخلق طقوساً جديدة مختلفة للكتابة، حتى لو كانت مؤقتة، أعمل كأنها ستدوم كل الحياة، من أجل أن تستمر الحياة نفسها، أكتب، ولكن قراءاتي تقتصر على الكتب الإلكترونية، في غياب الكتاب الورقي هنا، وأفكر في الوقت نفسه في الوقت الذي سيتاح لي فيه أن أعود إلى المكان الذي أحبّه، وأبني مكتبة أخرى بالقدر المتاح لي، وأن أواصل العمل على المشاريع الروائية التي أكتبها، أو أخطّط لها.
* بعد خسارة البيت، والمكتبة، والأشياء التي راكمتها أنت وعائلتك عبر سنوات طويلة، هل شعرت أن الكتابة أصبحت من أشكال التحدّي أو المقاومة الشخصية؟ وما الذي يمكن للأدب أن يفعله أمام واقع يبدو، أحياناً، أكبر من قدرة اللغة على استيعابه؟ وهل ترى أن الكتابة تستطيع إعادة بناء معنى ما وسط هذا الخراب، أم أنّ أقصى ما تفعله هو تأجيل السقوط الكامل في العدم؟تبدو الكتابة لي، والقراءة أيضاً، شكلاً من التحدّي، من مقاومة محاولات كل سلطة غاشمة أن تثبت الواقع، أو تصلبه.
الكتابة قوة روحية يتمكن الفرد بها من التعبير عن نفسه وأفكاره وأخيلته، وهذا ما لا تريده أيّ سلطة كما أعتقد، وليست السلطة التي تمسك بكراسي الحكم، ولهذا يندر أن تجد كاتباً يحترم نفسه مناصراً لسلطة، أو مدافعاً عن نظام، غير أنني أود القول إن من بين ما قررته لنفسي أن لا أضحي بالكتابة الفنية قط، من أجل أي أهداف أخرى منها التحدّي والمقاومة.
وحين بدأت أكتب عن دمار بيتي، واحتراق مكتبتي، كنت أنوي أن أتحدّى، وأفضح، ولكني وجدت نفسي أروي الحكايات عن البشر الذين تعرّضوا لمحنة الاقتلاع، وأكتب عن الكتب، وعن البيت، وعن الجنود أنفسهم، الذين تدفع بهم السلطات إلى التخلي عن بشريتهم والتحول إلى كائنات قاتلة.
لا معنى للمقاومة إذا لم نتقن أدواتنا الفنية، إذ ليس في وسع الأدب أن يفعل شيئاً مهماً في تغيير الواقع، إنه يُنتج واقعاً آخر مؤلَّفاً من علاقات مختلفة تتحدّى علاقات الواقع، هذه هي الجدوى، الأدب يقول، ويعرض ما تحاول السياسة أن تخفيه، أو تظهره.
خذ مثلاً حرب الداخل السوري، تريد السياسة أن تقول إنها حرب أبدية، وإنّ الطريق الوحيدة لنهاية الحرب استسلام الخصوم أمام الأقوياء.
هل يمكن لكاتب لديه ضمير أن يقبل بهذا في إبداعه؟ الأدب يبحث عن الحقيقة البشرية، وهي حقيقة ترجو وتدعو وتتمنى وتسعى إلى عيشٍ كريم وحياة طيبة، حقيقة تؤمن بلا ديمومة أي شيء، أو أي سلطة.
هل لدى البشر خارج مهام الحكام والسلطات والأحزاب، غير هذا المسعى الإنساني؟ هل يحتاج المرء الطبيعي، هل يحتاج الإنسان إلى حرب كي يبذر القمح، أو يعتني بالزيتون، أو يزرع الورود، أو يمارس الحب؟أسوأ ما في الأمر أنك تعيش في مكان ما، وليس لك فيه أي تاريخ، فتاريخ لندن للبريطانيين، وليس لي، أو لك، أو لأصحابنا الذين نعرفهم* في رواية" حبر الغراب" ثمّة مكتبة تختفي، وكتب تتبعثر، وذاكرة تُعاد كتابتها في الظل.
كيف تقرأ هذه الرواية اليوم بعد تجربتك؟ وهل شعرت، بعد ما حدث، أن الواقع أعاد تفسير الرواية بطريقة مختلفة، أو أن الأدب سبق الحياة إلى تخيّل الكارثة؟ وما الذي أضافته تجربتك الواقعية إلى فهمك الشخصي للنص؟كتبت رواية لم أنشرها، تنتهي مثل" حبر الغراب" بتدمير مكتبة أحد المعارضين لسلطة بشار الأسد، توظّف فيها المخابرات جماعات من الأيتام لتدمير المكتبة.
وثمة عشرات من الصور التي نشرها أصحاب مكتبات سوريون عن تحطيم مكتباتهم، إبان العقد الماضي من قرننا، وبسبب هذا كان هاجسي الدائم الخوف على الكتب.
هل تتخيّل أننا كنا أنا وزوجتي نظن، قبل أن نرى ما فعلوا ببيتنا، أنهم سيسرقون كل العفش، ويتركون المكتبة؟ إذْ ماذا يفعل جنديّ بمكتبة؟ لا شيء، وقد شعرنا ببعض الارتياح.
ستبقى المكتبة، ويمكن إصلاح بعض الخراب فيها، بعد خروج الجنود.
ولكن المشهد تغيّر حين وصلت إلينا الصور من أصحاب لنا، من درعا، تمكّنوا من الوصول إلى القرية.
أستعيد" حبر الغراب" بالطبع، وقد كانت هواجسي تجاه فقدان الكتب قد ازدادت، لأنّ العسكر لا يحترمون الكتاب.
وأفكر هل كنت أكتب عن حريق مكتبتي؟ ربما، وقد بدأت كتابي الجديد، الذي سجلت فيه بعض ذكرياتي عن المكتبة، بجملة تقول: أحلم كل ليلة أنهم قتلوني.
كان ذلك هو مصير فارس، قيّم المكتبة في حبر الغراب.
لقد قتلوه، وأحرقوا المكتبة.
وهكذا إذن فقد سبق أن تخيّلت الفعل، ولكني لم أتخيّل الفاعل، بل إنّ درجةً أعلى من الشعور بالأمان قد خالجتني، حين سقط نظام بشّار، وهو ما كنا نتمناه بالطبع، وحتى بعد أن سمعت باجتياح القوات قرانا وبيوتنا، افترضت، كما قلت لك، أنهم سيعفشون البيت.
لكن الواقع كذَّب قناعاتنا، وصدّق الرواية.
تلك هي الحقيقة.
أحرقوا المكتبة بالكامل، ولم ينج منها غير بضع أوراق رأيتها، في الصور التي التقطت للبيت هناك، مدفونة في الرماد الذي وصل إلى الركب.
وهذه واحدة من مفارقات تحققها الرواية، حين تتنبأ، بشكل غير محدد، وتحذّر، أو تنذر، من هؤلاء الذين يحرقون الكتب، والذاكرة.
* كيف تعيش المنفى اليوم في لندن؟ وهل تشعر أنك ما زلت تحمل مكانك الأول في داخلك، أم أنّ المنفى يفرض مع الوقت علاقة جديدة بالعالم وبالذات؟ وهل يستطيع الإنسان أن يبني، في المنفى، نوعاً آخر من الانتماء، أم أن شيئاً ما يبقى معلقاً دائماً في المكان الأول؟طوال السنوات الماضية لم أغادر سورية، بقيت هناك، على الرغم من الخوف الدائم، والقلق من الاعتقال.
كان المنفى بالنسبة لي مكاناً قسريّاً يُحنّط الذاكرة (أحسد الذين اختاروا أن ينفوا أنفسهم إلى أيّ دولة، خصوصاً إذا كانوا في أعمار متقدّمة) وهذا أخطر ما يواجه المرء في أعمارنا: تحنيط الذاكرة.
أعرف أشخاصاً متقدمين في العمر، سافروا للعمل في سن متقدمة، وحين عادوا، لم يستطيعوا إعادة بناء ذاكرة، فظلّوا يحومون حول الماضي، أو حول حكاياتهم في بلاد العمل، إذ يصعب علينا أن نبني ذاكرة جديدة، وإنما نبقى نجترُّ الماضي، أو نحتاج إلى زمنٍ كافٍ لإعادة بناء ذاكرة: أصحاب وأصدقاء وألفة مع الأمكنة، وهو أمر يحتاج إلى عمر كامل كي يتحقق، فكلّ شيء مستعار، وأسوأ ما في الأمر أنك تعيش في مكان ما، وليس لك فيه أي تاريخ، فتاريخ لندن للبريطانيين، وليس لي، أو لك، أو لأصحابنا الذين نعرفهم.
وأنت ترى ما الذي يتحدث عنه السوريون حين يجتمعون هنا في لندن؟ إنها سورية، وتاريخ سورية وحاضرها والأمنيات السورية.
غير أن أفضل ما في المنفى، كي لا يبدو المرء ناكراً للجميل، الحماية الإنسانية التي يضمنها للمنفيين.
هذه قيمة لا تعرفها بلداننا، لأنها تطرد مواطنيها، تُدمّر بيوتهم، تُحرقها، تمنعهم من العودة إليها، كما يحدث في السويداء، وهم على بعد عشرة كيلومترات منها، وليسوا في أيّ ملجأ، أو منفى، بينما يستقبلهم الغرب، إذا وصلوا إلى هنا، ويضمن لهم الحماية، وهذه قيم ينكرها سوريون أوباش يعيشون على حساب هذه البلدان، ويرفضون أن يتخلّوا عنها، ومنهم من يناصر السلطة.
أضف إلى هذا فارقاً نوعيّاً آخر أنّ أهل هذه البلاد يحافظون بما يشبه التقديس على ذاكرتهم الوطنية أو القومية، ترى أشجاراً مُعمّرة، قد يكون عمرها أكثر من أربعمئة سنة، ليس في سورية المسكينة شجرة واحدة لها مثل هذا العمر، فضلاً عن المتاحف التي تحافظ على الذاكرة في كل شيء، ليس على شكسبير وإليوت، وديكنز وحدهم، بل أيضاً على تاريخ حافلات النقل.
*في أعمالك الروائية، تبدو مصائر الأفراد دائماً متشابكة مع التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى.
إلى أيّ حدّ ترى أن خسارتك الشخصية جزءٌ من تراجيديا سوريّة أوسع، عاش فيها السوريون أشكالاً متعدّدة من الفقد والاقتلاع؟كلّ كارثة، كل خسارة، هي خسارة شخصية، لا يمكن لأحد أن يشاركك فيها.
كلمات التعاطف والمواساة، تخفف من هول المصيبة، غير أنها لا تطفئ الحرائق، ولا تعيد الذكريات، ولا ترجع البيوت إلى أصحابها، ولدينا في السويداء مثل: " الموت هو المصيبة التي تبدأ كبيرة ثم تصغر وتتلاشى بفعل الزمن".
لكن خسارة البيوت والأرض والذكريات تكبر مع الزمن، لا تتلاشى مطلقاً، وإنما تبقى فاعلة في الروح، وحين تتشابك مع مصائر الآخرين في مصابهم تصبح أكثر قسوة، ذلك أن شعباً يعاني.
وبالنسبة إلى خسارتي، سوف تبقى خسارتي أنا وزوجتي وأولادي فقط، وكذلك خسارات الآخرين، وكونها جزءاً من تراجيديا سورية، يمنحها كما قلت لك بعداً أوسع وأكثر رهبة.
غير أنني أرى أنه يكفي أن نكتب مأساة إنسان سوري واحد، أو أسرة واحدة مزقتها الحروب، أو دمرها الظلم، في المواجهة مع نظام الأسد، أو النظام الحالي، كي نكون قد كتبنا التراجيديا السورية.
أنا أتحدث هنا عن الرواية، والكتابة الروائية، إذ إنّ أعظم التراجيديات في تاريخ الأدب هي التي استطاعت أن تُجسّد مأساة الإنسان الفرد الذي يمثل في حياته مصير شعب.
وبهذا، أي بالكتابة الفنية، يرى كل سوري تعرض لنكبة أو كارثة أو مصيبة أو فقد نفسه في مصير الشخصية الروائية.
إننا نرث استبداداً وراء آخر منذ استقلّت سورية، بلا أيّ فاصل مريح يمكن لنا أن نتنفس من خلاله، وكل ما نراه من خراب تكمن أسبابه في أساليب الحكم*هل تشعر أن ما فُقد في سورية ليس الأمكنة والأشياء فقط، بل أيضاً هذا النسيج الأخلاقي اليومي الذي كان ينظم علاقة الناس بعضهم ببعض؟ وهل ما زلت ترى إمكانية لوجود ذاكرة سورية مشتركة، رغم كل ما أصاب المجتمع من تشظٍّ وانقسامات وجراح؟ ومن يملك اليوم سلطة رواية ما جرى أو إعادة تشكيل ذاكرته؟أكتب اليوم رواية عن دمشق في أول السبعينيات، كنت معلّماً في كفرسوسة، ثم انتقلت إلى حيّ العمارة، وهناك استأجرنا بيتاً عربياً كاملاً، لأسرة شامية عريقة، وكنا خمسة شبان من السويداء في خمس غرف، كان المستأجر الذي يغادر من بيننا، يسلّم غرفته لمستـأجر آخر من السويداء بموافقة صاحب البيت الدمشقي النبيل.
لم تكن الكراهيةُ موقفاً وخطاباً ولغة عامة وسلوكاً حاضرةً في حالتنا الجمعية، وأتحدى أيّ واحد من جيلنا أن يتحدث عن ثقافة كراهية، إذ كانت تسود في المجتمع لغة تخاطب تتسم بالتهذيب واللباقة ومديح الآخر، بينما كان أي محرّض طائفي منبوذاً.
في تلك الأيام كنا نتناول طعامنا أحياناً، في مطعم صغير للفول في سوق القرماني، قريباً من ساحة المرجة، وكان" مجيد الفوال" يقدّم أعظم صحن فول في التاريخ، إضافة إلى أنه يصلّح لك صحنك مجاناً إذا لم يشبعك ما دفعت ثمنه.
أمثال مجيد كانوا كثيرين في دمشق، كانت الشهامة، والصدق، والنزاهة في التعامل من صفات التاجر السوري والصانع السوري، وصاحب الفرن، وجابي الحافلة.
أذكر أنهم كانوا يتباهون برد الأمانات، أو تصحيح أخطاء الحساب.
سمعت هذه الأيام روايات عن هذا النبل المتبادل بين تجار من السويداء وتجار من دمشق.
تلك هي سورية النبيلة، وليست هذه التي تنضح بالكراهية وتبادل إنذارات القتل وشتم الأمهات.
وثمة دلالة رمزية في إزالة محلّ مجيد الفوال، وسوق القرماني الأنيق كله، من دون سبب حقيقي، في دمشق، إذ كان على نظام الأسد أن يقتلع أخلاقيات الواقع، كي تحلّ محلها أخلاقيات سلطة فاسدة، قائمة على انعدام الثقة، والاستغلال.
وبعد هدم السوق، وإزالة الفوال، بقيت سنوات أمرُّ من هناك لأرى ماذا فعلوا؟ لا شيء.
إنها مجرد إزالة.
أما عن أخلاق الناس، فإنني أذكر أننا كنا نستهجن أن يُسجَن أيّ شخص بتهمة الرشوة، كان هذا في الستينيات، كانت هذه فضيحة، وفي زمن الأسد أضحى المرتشي ذكياً وشاطراً، والنظيف حماراً.
من جانب آخر لا أحد يملك سلطة الرواية، ولكن هناك رواية السلطة، ورواية المعارضة، ورواية الخسارة، ورواية الكسور والكدمات والخدوش.
أما الرواية التي ستقترب من الحقيقة فهي تلك التي ترى الإنسان في وحدته وعزلته وفرادته بعيداً عن صراع الأفكار.
ميزة الرواية الصادقة أنها قادرة على تجاوز المكان والزمان، ولهذا نتعاطف مع شخصيات تشيخوف، وديكنز، وماركيز، ويوكيو ميشيما، وبهاء طاهر، وفؤاد التكرلي.
ولهذا يشعر القارئ أنّه محاصر بالرمل كما لو كان شريكاً لبطل رواية" امرأة في الرمال" لجونيتشيرو ناغازاكي.
فإذا استطاع الروائي أن يجسّد الكارثة السورية في أيّ بقعة من هذا البلد المنكوب، فإنه يقدم الرواية، يحوز سلطة أن يروي الحقيقة عن مأساتنا.
* يقول الراوي في" حبر الغراب" إن لا دواء لديه" للخيبة أو للأمل غير الوعود التي يخشى هو نفسه أن تكون وعوداً خلّبية.
" هل تقول الرواية هنا إن الوعود هي كل ما يستطيع الأدب والفن تقديمه في مواجهة هذا الخراب؟ وهل تخشى أحياناً أن تتحوّل الكتابة نفسها إلى نوع من العزاء الوهمي؟ ثم ماذا يبقى لنا، إذا كانت حتى اللغة عاجزة عن ترميم ما تهدّم؟ وهل ما يزال ممكناً تخيّل أفق أو مستقبل بعد هذا كله، أم أن دور الأدب اليوم يقتصر على مقاومة النسيان وتأجيل العتمة؟من الأمور الطريفة التي أصادفها في قراءاتي، من كُتّاب عاشوا في أزمان مختلفة أننا نجد في كل زمن من يلعنه، ويعتبره أسوأ السنوات.
تسمع ما يتردد على ألسنة الناس عن الزمن الجميل، أي الماضي الطاهر النقي، وقد سردت أنا في جواب سابق شيئاً ما عن سورية نبيلة، في زمن سابق.
ما يُخشى من الكتابة التي تلعن الزمن أن تتحوّل إلى حرمان البشر من الحلم والأمل، وهما متعلقان بالمستقبل، بينما يبدو الحاضر قبيحاً على الدوام.
يُحسب للماضي وحده رهان النقاء والطهارة.
وهذا غير صحيح قطعاً استناداً إلى أننا لا نعيش في مأساة حزينة طوال اليوم، إننا نغنّي ونسهر ونستمع إلى الموسيقى ونحضر الحفلات، ونفرح لنجاح أبنائنا في الدراسة أو الحياة، وأن تتحوّل الكتابة إلى عزاء من حاضر ثقيل ومرهق، أو إلى اقتراح لحلم، فهذا يحسب لها، إذا استطاعت.
أما تعميم العداوات، وجعلها أبدية، فهذه أغراض الأفراد والجماعات الحاقدة، هذه فلسفة الكراهية، والحقد، روح الطائفية التي ترى في الطائفة عبوراً أزلياً أبدياً.
وما يحدث في بلادنا لا يمثّل مصير البشرية كلها، ثمة ملايين من الناس غيرنا في هذا العالم يعيشون بأمان، و يمنحوننا الدرس الأخلاقي أولاً، والفكري، بأن ممكنات التعايش والتفاهم والحوار قائمة دائما بين البشر.
* ثمّة من يشعر اليوم بأن العلاقة بين السويداء ومحيطها السوري الأوسع دخلت في نوع من القطيعة أو التباعد العميق، سياسياً واجتماعياً ووجدانياً، هل ما حدث أوجد شروخاً يصعب ترميمها، أم ما زالت ممكنة إعادة بناء الثقة والعلاقة بين السويداء ومحيطها السوري؟ وكيف تتخيّل مستقبل هذه العلاقة بعد كل ما جرى؟السويداء كانت، وحين أذكر الاسم فأنا أعني كل المنطقة، بالنسبة لي، مثل أيّ مكان حميم لكاتب، وخصوصاً لروائي، أرض الحكايات، وقد أثرت مخيلتي إلى حد بعيد، بناسها، وأرضها، وتاريخها، وهناك من سألني عما إذا كنت قادراً على مواصلة الكتابة الروائية المستمدة من ناسها وحياتهم ومكان عيشهم، إضافة إلى الروايات التي كتبتها، فقلت: نعم.
ذلك أنهم بشر ممتلئون بالحكايات، ومكان متنوّع من حيث التضاريس تنوعاً شديد الخصوبة، رغم صغره وضيقه، فمن اللجاة، حيث قريتي، إلى التلال المجاورة للمدينة، إلى الهضاب العالية التي نطلق عليها اسم (الجبل)، وهو اسم عُمّم على المكان كله، إلى السهول في باديتها الشرقية، تُقدّم المنطقة كنزاً من الجغرافيا المتنوعة، ومن غنى حكايات الناس في الماضي والحاضر.
ولدى كلّ جد، أو أب من أجدادنا وآبائنا أكثر من رصيد لرواية، وهو ما استفدت منه إلى الحدود القصوى التي أستطيع أن أقدمها روائياً.
وبالنسبة للتحولات، الجرح الذي أصاب بعض أهالي الجبل سرعان ما أضحى طعنة أدمت الجميع، فمجتمع السويداء قائم على القرابة، والعائلة، والعشيرة التي نسمّيها" بيت" (أنا مثلاً من بيت عزّام بحسب عرف أهل الجبل).
ودلالاتها شديدة الخصوبة في حياتنا، لأسباب كثيرة، تجعل من أيّ مصيبة كدمة تعمّ المنطقة كلها، خصوصاً أنها كانت مباغتة، غير محسوبة، ومن جهة غير متوقعة، وبمشاركة واسعة من سوريين كثيرين لم يظهروا أيّ تعاطف مع الضحايا، أو أي إدانة لفعل المجزرة.
وهذه واحدة من أكبر الخيبات في حياة الأفراد والجماعات.
لهذا أتفهم مشاعر الناس، وإحساسهم بعمق السكين في أحشائهم حين لا يجدون لدى أقرب جيرانهم أيّ تعاطف مع ضحاياهم، بينما كانوا بالأمس فقط ينشئون الجمعيات لإغاثة المنكوبين من السوريين، لكن لا توجد قطيعة، ولا توجد شروخ لا يمكن ترميمها في حياة أيّ شعب.
وهذه ليست مقولة، بل استنتاج يمنحنا تاريخ البشرية صلاحيات كاملة كي نؤكد أنه صحيح، على أن تتوفر لدى الجهات المتنازعة النية الحقيقية لتجاوز المحنة، على من اعتدى، وهو يعرف أنه اعتدى، واختلق المشكلة، وكبّرها، وأقصد هنا السلطة في دمشق، أن يعتذر، وأن يعوّض الخسائر، وأن يقدّم الوسائل الصادقة لإنهاء الاحتقان.
ولكن هذا لا يحدث تجاه السويداء، والمسؤولية لا تقع على الضعيف في هذه الحالة، أي لا تقع على السويداء التي ما زالت تعاني من الطعنة الغادرة، إذ لا تزال أكثر من 180 ألف امرأة وطفل ورجل، وأنا وأهلي منهم، مهجّرين من بيوتنا، وأرضنا (قل لي من يفعل ذلك في منطقتنا؟ ) بل هي من مسؤولية القوي الحاكم، الذي لا يبدي أيّ مرونة من أي نوع في الموضوع السياسي.
مثل هؤلاء يفتقرون لأهلية الحاكم، وعقله، وحكمة إدارة بلاد.
* ما هي نظرتك إلى المسافة بين حياتك التي سبقت ما جرى في السويداء، وما آلت إليه الآن، وما الذي تعتقد أنك صرت تعرفه عن الحياة والكتابة والخسارة، ولم تكن يعرفه قبل هذه التجربة؟لا تثق بالفكرة.
لا تثق بالروائي، ثق بالرواية.
كان عليَّ أن لا أثق بأفكاري، بل بما أراه، وقد كانت نذر الهجوم تتضح يوماً بعد آخر في المحيط كله.
أكثر من كان يشعر بتلك النذر ابنتي، تخيّل أنها هي التي تسكن في لندن، كان قلبها دليلها إلى الكارثة المقبلة، ولهذا لم تزر سورية بعد سقوط الأسد.
كانت غاضبة وحزينة في كل المكالمات بيننا، وكانت تتوسّل إلينا أنا وأمها كي نأتي إلى لندن سريعاً.
ما بتّ أعرفه أننا في مشكلة عصية هي طبيعة السلطة، وما هي العوامل الضرورية لتغيير هذه الطبيعة.
إننا نرث استبداداً وراء آخر منذ استقلّت سورية، بلا أيّ فاصل مريح يمكن لنا أن نتنفس من خلاله، وكل ما نراه من خراب تكمن أسبابه في أساليب الحكم، وقد كرَّرت في كتاباتي قبل سنة مفردة تقول إننا بلاد منكوبة، لأن الناس قلّما يعترضون على المستبد، ولهذا ترى المستبدين يتناسلون بلا توقف.
أضع المسؤولية على الشعب لأن قسماً كبيراً منّا يرضى ويستسلم بسهولة لأشكال الاستبداد، بل بيننا من المثقفين، والكتاب، وهم نخبة يفترض أن تعي أنّ مسايرة المستبد تؤدي إلى الخراب فقط، من يصمت، ويؤيّد، ويمكن أن يخترع الأسباب الموجبة للاستبداد، أو يشرح وجهة نظر الزعيم، ويحرّض ضد من ينتقده، لا يخدم فكرة الوطن، بل كرسي الرئيس.
هذه هي مسؤوليتنا لأننا نخضع للرئيس وللضابط وللشيخ ولزعيم القبيلة وكبير العائلة والأب والرجل الذكر.
هذه هي الخسارة التي أدركتها في هذا العمر.
والمنتصر الوحيد لديّ هو الكتابة، إنها هي التي تتعلم من التجربة معناها هي ذاتها، ومعنى الأشياء من حولنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك