" إلى الذين على رؤوسهم المغمورة بمياه السد بُنيت أمجاد وازدهرت حظوظ إلى المغمورين أهدي روايتي هذه".
بهذا الإهداء المرير الذي بدا أقرب إلى مرثية مبكرة للمغمورين والمنسيين، افتتح المرحوم عبد السلام العجيلي حكايته عن الفرات في روايته" المغمورون" (1979)، لا بوصفه نهراً فحسب، بل قوة تصنع الحياة وتبتلعها في آن واحد.
وفي قصته" النهر سلطان" بدا النهر سيداً يفرض سطوته على الناس ويفيض عليهم بالخصب حين يهدأ، ويستعيد قسوته حين يغضب.
لكن مأساة أهالي الفرات اليوم لم تعد مأساة نهر وحده، بل مأساة بشر تركوا بين الجفاف والطوفان، وبين الوعود الرسمية وغياب الحماية وسرعة الاستجابة الفورية.
في وادي الفرات لا تأتي الكارثة دفعة واحدة.
تبدأ بنهر يُسرق ماؤه بصمت، ثم بمحاصيل تموت عطشاً، ثم بمياه تقتحم القرى بلا حماية كافية.
كما كان المغمورون قديماً أساساً لأمجاد الآخرين لا تزال رؤوس أبناء الفرات تستخدم مداميك تبنى فوقها سرديات الإنجاز، فيما يظل الفلاح الذي خسر أرضه وبيته وحياته خارج الصورة إلا بوصفه ضحية جديدة في تاريخ طويل من الغرق وبينما كان الأهالي ينتشلون محاصيلهم الغارقة بأيديهم، اكتفت السلطة بزيارات سريعة لالتقاط صور المواساة، ووزير يتباهى بأنه قطع إجازته في دولة أوروبية، وآخر يبرر الكارثة بالقول: " لم نكن نتوقع هذه الكميات"، وكأن الفرات بكل تاريخه وسدوده وتحذيراته، لا يزال يدار بعقلية المفاجأة لا بعقلية الدولة.
لفهم ما جرى، لا يكفي النظر إلى الفيضان حادثاً طبيعياً، بل تجب العودة إلى الصراع السياسي والقانوني على مياه الفراتالفيضان الذي كسر ذاكرة الفراتشهدت ضفاف الفرات في سورية إحدى أعنف موجات ارتفاع المنسوب خلال العقود الأخيرة، نتيجة زيادة الواردات المائية القادمة من تركيا، بالتزامن مع أمطار غزيرة وذوبان كثيف للثلوج، ما دفع البحيرات والسدود إلى حافة الامتلاء الحرج.
وفي لحظة مفصلية، فتحت تركيا بوابات مفيض سد أتاتورك للمرة الأولى منذ سبع سنوات، تحت عنوان" حماية المنشآت المائية التركية"، لكن النتيجة الفعلية كانت نقل الخطر مباشرة إلى مناطق المصب السورية.
بدأ التدفق بحدود ألف متر مكعب في الثانية، قبل أن يقفز إلى ما بين 1800 و2000 متر مكعب مقارنة بمتوسط طبيعي لا يتجاوز 290 متراً مكعباً.
وخلال ساعات، تحول الفرات من نهر يختنق بالجفاف إلى كتلة مائية جارفة تبتلع الحقول والقرى.
وامتدت الأضرار من الرقة إلى دير الزور والحدود العراقية، وسط مخاوف من اتساع رقعة الغمر، وغمرت المياه المنازل والأراضي الزراعية، خصوصاً في الحوائج والجزر النهرية والمناطق المنخفضة فيما خرجت عشرات محطات المياه عن الخدمة، وباشرت فرق الطوارئ إقامة سواتر ترابية في مناطق مهدّدة.
لكن السؤال اليوم: كيف شهد الفرات عام 1988 فيضاناً أعنف بلغت تدفقاته نحو 3600 متر مكعب في الثانية، مع تشغيل عنفات المفيض الثماني في سد الفرات، من دون أن يخلّف حجم الكوارث والانهيارات التي شهدها هذا الشهر؟من نهر مشترك إلى سلاح جيوسياسيلفهم ما جرى، لا يكفي النظر إلى الفيضان حادثاً طبيعياً، بل تجب العودة إلى الصراع السياسي والقانوني على مياه الفرات.
فتركيا التي تسيطر على معظم منابع النهر عبر مشروع" غاب" وسد أتاتورك، تمتلك عملياً القدرة على التحكّم بتدفق المياه نحو سورية والعراق، ما حوّل الفرات من مجرى مائي إلى أداة نفوذ تتحكم بالزراعة والطاقة والاستقرار الاجتماعي في دول المصب.
ومنذ إنشاء سد أتاتورك في تركيا أواخر الثمانينيات، تراجع التدفق التاريخي للنهر إلى سورية بشكل كبير، فيما تصر أنقرة على اعتبار الفرات" مياهاً عابرة للحدود"، مقابل تمسّك دمشق وبغداد بمبدأ" النهر الدولي المشترك".
وفي هذا السياق، يرى المستشار القانوني علي النايف أن جوهر الأزمة لا يرتبط بالطبيعة وحدها، بل بـ" غياب اتفاقية ثلاثية ملزمة بين تركيا وسورية والعراق"، موضحاً أن بروتوكولات التفاهم السابقة" بقيت في إطار الترتيبات المؤقتة غير القابلة للتنفيذ الإلزامي، مع غياب واضح لآليات الرقابة أو الجزاءات".
ويضيف أن أحكام محكمة العدل الدولية كرست مبدأ عدم الإضرار بالدول المتشاطئة وواجب تبادل المعلومات الهيدرولوجية، إلا أن غياب إطار قانوني ملزم أبقى أي تفاهمات" عرضة للاهتزاز السياسي"، ما جعل النهر يُدار بمنطق القوة أكثر مما يُدار بمنطق القانون.
ومن هنا، يؤكد أن الحل لا يكمن في تفاهمات مؤقتة، بل في" بروتوكول ثلاثي ملزم يقوم على إدارة مشتركة للمنافع"، مدعوماً بآليات رقابة وتحكيم وتعويضات بيئية واضحة.
سد الفرات القلعة التي أنهكتها الحربوفي ظل تداخل الضغوط المناخية مع الإنهاك التشغيلي، يبرز سد الفرات نقطة اختبار حقيقية لقدرة المنظومة المائية السورية على الصمود.
لكن الأزمة لا تتعلق فقط بسياسات المنبع التركية، بل أيضاً بالبنية السورية المنهكة التي استقبلت الموجة الفيضانية.
وفي قلب هذه المعادلة يقف سد الفرات، أكبر منشأة مائية في سورية.
ويقول المهندس عبد الرزاق العليوي، الخبير في السدود والموارد المائية، إن السد يعد" الخزان الاستراتيجي الأهم في البلاد"، موضحاً أنه يضم ثماني عنفات كهرومائية باستطاعة تقارب 880 ميغاواط، فيما تبلغ السعة التخزينية لبحيرته نحو 14.
1 مليار متر مكعب.
ويشير العليوي إلى أن السد يواجه تحديات تشغيلية كبيرة، إذ تعمل حالياً أربع عنفات فقط، بينما تحتاج البقية إلى صيانة شاملة، لافتاً إلى أن منسوب البحيرة وصل بعد الموجة الفيضانية إلى أكثر من 98% من الخزن الأعظمي.
كما يكشف أن المخزون الاستراتيجي للبحيرة تعرض خلال السنوات الماضية إلى" استنزاف جائر" أدى إلى فقدان أكثر من ستة مليارات متر مكعب من المياه، قبل أن تعود الواردات المائية للارتفاع أخيراً بفعل الأمطار والتدفقات القادمة من تركيا.
ويؤكد العليوي أن إدارة هذا المورد الحيوي تتطلب إعادة تأهيل السدود والعنفات المتوقفة، إلى جانب إنشاء منظومة إنذار مبكر للفيضانات بين تركيا وسورية والعراق، محذراً من أن السد الذي صُمم لحماية سورية من العطش والفيضانات بات يعمل اليوم عند حدود الإنهاك.
ويختم العليوي بالتأكيد أن" أي تأخر في الصيانة والتحديث يعني تضخّم المخاطر بدل احتوائها".
وثيقة إلى تراجع واضح في الكادر العامل بسد الفرات، حيث انخفض عدد المهندسين والفئة الأولى من 300 عام 2012 إلى 117 فقط عام 2025مع اتضاح حجم التدفقات القادمة من تركيا، برز سؤال جوهري بشأن غياب التفريغ الوقائي المبكر لبحيرة سد الفرات، رغم ورود إشعارات مسبقة بتدفقات قد تصل إلى ألفي متر مكعب في الثانية.
وكان مسؤولون فنيون قد أشاروا إلى أن إدارة السدود الكبرى تقوم على" الموازنة المائية الاستباقية" لا على الاستجابة المتأخرة، عبر خفض المناسيب مسبقاً لاستيعاب الذروة، وهو ما لم يظهر بوضوح خلال الأزمة، حيث وصلت البحيرات إلى درجات شبه امتلاء قبل موجة التدفق القصوى.
ولا يمكن فصل هذا الخلل عن السياق البنيوي الأوسع، إذ لم تكن الأزمة مجرد خلل ظرفي، بل وقعت فوق منظومة تشغيل منهكة.
فقد تعرض سد الفرات خلال سنوات الحرب لأضرار في غرف التحكم وبوابات التصريف، إضافة إلى أعطال متراكمة في أنظمة التشغيل المرتبطة ببنية قديمة تحتاج إلى تحديث، ما قلّص من كفاءة الاستجابة في لحظة الضغط.
وفي هذا السياق، تشير وثيقة إلى تراجع واضح في الكادر العامل بسد الفرات، حيث انخفض عدد المهندسين والفئة الأولى من 300 عام 2012 إلى 117 فقط عام 2025، كما تراجع إجمالي العاملين من 2350 إلى 1232 موظفاً، ما يعكس فقداناً تدريجياً للخبرات الفنية والقدرة التشغيلية.
ويأتي ذلك ضمن سياق أوسع من تراجع البنية التشغيلية للسد، بما في ذلك تآكل التجهيزات واعتماد أنظمة قديمة محدودة التحديث.
لم يكن ما حدث مجرد اصطدام كتلة مائية بسد، بل اصطدام كارثة متوقعة بمنظومة تشغيل فقدت تدريجياً جزءاً كبيراً من قدرتها على التنبؤ والسيطرة والاستجابة.
لم تكن الأضرار هندسية فقط، بل كشفت الفيضانات انهيار التوازن البيئي والعمراني الذي راكمته سنوات الحرب.
ويقول خبير التنمية البيئية المستدامة عواد جاسم الجدي إن ما حدث في دير الزور" لا يفسره منطق مناخي أو إيكولوجي" بل يعكس هشاشة النظام البيئي برمته، لافتاً إلى أن المدينة بدت كأنها" صورة مصغرة لمدن ابتلعتها الكوارث فجأة".
ويحدد الجدي أسباب الغمر في تراكم العوائق داخل مجرى النهر، من جسور ترابية بديلة عن المدمرة، إلى نفايات الحرب والآليات العسكرية، ما رفع منسوب المياه وأغرق مساحات واسعة امتدت على طول نحو مائتي كيلومتر من التبني حتى البوكمال.
ويؤكد أن هذه التعديات حولت مجرى الفرات إلى حواجز اصطناعية رفعت المياه أكثر من خمسة أمتار، كاشفة ما يسميه" غضب الفرات المفتعل" بعد عقود من التدهور.
كما ينتقد إقصاء الخبرات البيئية المتراكمة، متسائلاً عن غياب رؤية استراتيجية شاملة لإدارة الوادي.
وفي جوهر المشهد، لم يكن الفيضان مجرّد حادث طبيعي، بل لحظة انفجار متأخرة لكل التشوّهات البيئية والعمرانية التي تراكمت على ضفاف الفرات خلال العقدين الأخيرين.
بعيداً عن لغة الأرقام والسياسات، تكشف شهادات السكان الوجه الأكثر قسوة للكارثة.
يقول جوان محمود الذخيرة من الرقة إن حويجة الذخيرة، التي لا تتجاوز مساحتها الزراعية 500 دونم، شهدت فيضانات جزئية عامي 1988 و2004 بفضل التنسيق بين إدارات السدود في سورية وتركيا، والذي ما كان يتيح للسكان الاستعداد وتخفيف الأضرار.
لكن ما حدث عام 2026 كان مختلفاً تماماً إذ داهم الفيضان المنطقة فجأة، دون تنسيق أو إنذار فعّال، لتُغمر الحويجة بالكامل خلال 48 ساعة فقط.
ويضيف أن نحو 300 دونم من القمح المروي، و71 دونماً من الأشجار المثمرة، و17 دونماً من العنب، و11 دونماً من الخضار والفول والفصة دمرت بالكامل، إلى جانب غمر 12 محركاً زراعياً بالمياه، مؤكداً أن الخسارة الحقيقية لم تكن في موسم زراعي واحد، بل في أشجار انتظر المزارعون عشر سنوات لجني ثمارها قبل أن تُمحى خلال يومين.
ومع اتساع الفيضان، لم تتهاوَ الزراعة وحدها، بل انهارت البنية الخدمية أيضاً، إذ خرجت أكثر من 60 محطة مياه عن الخدمة، وغمرت المياه مئات الخيام في مخيمات النازحين بمناطق واسعة من الرقة ودير الزور، ما دفع آلاف السكان إلى النزوح وسط تحذيرات أممية من أزمة مياه وصحة وأمن غذائي متصاعدة.
ولم تتوقف الكارثة عند المنازل والمحاصيل، بل امتدت إلى أرواح السكان، خصوصاً الأطفال الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع المياه.
وقال رئيس لجنة الاستجابة الطارئة في دير الزور الدكتور فايز عباس إن" إجمالي عدد حالات الغرق ارتفع إلى 22 حالة، توفي منها 15 شخصاً، بينهم 12 طفلاً"، مشيراً إلى تسجيل ثلاث حالات غرق جديدة خلال يوم واحد.
وبذلك، لم يعد الفيضان مجرد أزمة مياه أو زراعة أو بنية تحتية، بل كارثة إنسانية مفتوحة تركت آثارها في كل بيت على ضفاف الفرات.
ما كشفه طوفان الفرات يتجاوز حدود كارثة طبيعية أو خلل إداري عابر؛ فالمياه التي غمرت القرى والحقول لم تظهر فقط هشاشة البنية التحتية، بل أعادت تعرية علاقة معقدة بين الإنسان والنهرتكشف تصريحات المسؤولين السوريين في أثناء فيضان نهر الفرات أخيراً حجم التناقض بين الخطاب الرسمي وواقع الكارثة.
فقد قدم وزير الطاقة محمد البشير الفيضان بوصفه نتيجة تدفقات تركية مفاجئة رغم إقراره بأن إنذاراً مسبقاً ورد في 22 أيار بزيادة كبيرة في الواردات بعد أمطار وذوبان ثلوج، ما ينسف عملياً سردية" المفاجأة الكاملة"، إذ إن إدارة السدود لا تقاس بردّ الفعل اللحظي، بل بقدرتها على التنبؤ الهيدرولوجي قبل وصول الذروة بأسابيع، اعتماداً على بيانات الهطل ومخزون السدود في المنبع.
وفي السياق نفسه، جاءت تصريحات مدير سد الفرات هيثم بكور ومحافظ الرقة عبد الرحمن سلامة لتكشف اختلالاً أعمق من مجرد إدارة أزمة.
فحديث بكور عن" استيعاب المياه حتى الحد الأقصى" لم يفسّر غياب التفريغ الوقائي المبكر رغم توفر مؤشرات الارتفاع، فيما بدا تحميل التعديات على حرم النهر مسؤولية مباشرة للكارثة تفسيراً ناقصاً، لأن ضبط هذه التعديات هو جزء أساسي من واجبات الإدارة المائية.
أما قول المحافظ إن تركيا أبلغت بزيادة التدفق" دون معرفة الكميات" فيعكس هشاشة واضحة في قنوات التنسيق والإنذار الفني.
بدت مؤسسات إدارة المياه وكأنها تتحرك خلف الحدث لا أمامه، في أزمة كشفت فجوة عميقة بين خطاب الاحتواء وقدرة الدولة الفعلية على الاستشراف والسيطرة وقلة الخبرة.
الطوفان الذي فضح فشل الإدارة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك