في ظل ضغوط متزايدة على المالية العامة وتحديات متصاعدة في إدارة ملف الطاقة، كشف تقرير رقابي مشترك بين ديوان المحاسبة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، نُشر يوم أمس، عن اختلالات مالية وإدارية واسعة في منظومة توريد وتوزيع الوقود في ليبيا، محذراً من أن استمرار الاعتماد الكبير على الاستيراد وتراجع القدرات المحلية على التكرير يفرضان أعباءً متزايدة على المالية العامة ويعرّضان أمن الطاقة في البلاد لمخاطر متنامية.
وقال التقرير إن ليبيا أنفقت نحو 9.
2 مليارات دولار على واردات الوقود خلال عام 2024، وهو ما يعادل نحو 1200 دولاراً لكل مواطن، في وقت تعتمد فيه السوق المحلية على الواردات لتغطية نحو 76% من احتياجاتها من المشتقات النفطية.
ورأى معدّو التقرير أن منظومة دعم الوقود الحالية تنطوي على مخاطر مالية واقتصادية متزايدة، في ظل ارتفاع فاتورة الاستيراد واستمرار الاعتماد على الخارج لتأمين الجزء الأكبر من احتياجات السوق المحلية، الأمر الذي يجعل البلاد أكثر عرضة لتقلبات الأسواق الدولية والاضطرابات الجيوسياسية التي قد تؤثر في إمدادات الوقود.
وأشار التقرير إلى أن الميزانية العامة لم تتضمن مخصصات مباشرة لدعم المحروقات خلال عامي 2023 و2024، بعدما تجاوزت هذه المخصصات 5.
2 مليارات دينار في عام 2022، موضحاً أن اللجوء إلى ترتيبات المقايضة في تمويل الواردات النفطية أدى إلى إخفاء جزء من التكلفة الحقيقية للدعم وتشويه صورة الإنفاق العام.
وفي جانب الإنتاج، أظهر التقرير اتساع الفجوة بين احتياجات السوق وقدرات التكرير المحلية، إذ لا تلبي المصافي الوطنية سوى نحو 24% من الطلب المحلي، فيما تُستورد النسبة المتبقية من الأسواق الخارجية، ولفت إلى أن استمرار توقف مصفاة رأس لانوف منذ عام 2013 حرم البلاد من نحو 58% من طاقتها التكريرية، مقدّراً الخسائر الإنتاجية الناجمة عن ذلك بنحو 1.
2 مليار دولار سنوياً.
كما سجل التقرير تفاوتاً كبيراً بين تكلفة الإنتاج المحلي والاستيراد، معتبراً أن استمرار الاعتماد على الواردات يحرم الاقتصاد الليبي من الاستفادة الكاملة من موارده النفطية ويزيد الأعباء الواقعة على الخزانة العامة.
وفي ملف التحصيل المالي، كشف التقرير عن تراكم ديون مستحقة على جهات عامة وخاصة بلغت 5.
8 مليارات دينار بسعر صرف 6.
3 دنانير للدولار خلال الفترة الممتدة بين عامي 2018 و2023، بالتزامن مع تراجع معدل تحصيل المستحقات العامة من 44% عام 2022 إلى 25% عام 2024.
كذلك أشار إلى وجود قصور في آليات تقدير احتياجات السوق من الوقود، موضحاً أن تقديرات الاستيراد استندت في كثير من الأحيان إلى كميات التوزيع السابقة بدلاً من بيانات استهلاك فعلية، الأمر الذي أدى، بحسب التقرير، إلى تضخم الواردات وارتفاع تكلفتها.
وفي جانب التوريد، أظهر التقرير تركزاً كبيراً في قاعدة الموردين، حيث استحوذت ست شركات فقط على كامل واردات الوقود خلال عام 2024، بينما حصلت إحدى الشركات على ما يقارب 43% من إجمالي قيمة العقود المبرمة.
وسجل التقريرملاحظات تتعلق بالحوكمة وتضارب المصالح داخل منظومة التعاقدات، مشيراً إلى تركز بعض الصلاحيات الإدارية والفنية لدى عدد محدود من المسؤولين، رغم وجود لوائح تنص على توزيع الاختصاصات بين لجان متعددة.
كما رصد خسائر مالية تُقدَّر بنحو 596 مليون دولار سنوياً نتيجة ارتفاع العلاوات المضافة إلى الأسعار المرجعية لعقود التوريد، موضحاً أن هذه العلاوات شهدت زيادات كبيرة خلال السنوات الأخيرة رغم تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية.
وتحدث التقرير عن مؤشرات وصفها بأنها مقلقة في استهلاك الوقود لدى بعض الجهات العامة، إذ ارتفعت سحوبات قطاع الأمن العام من البنزين بنسبة 621% خلال عام 2024 مقارنة بعام 2021، فيما زادت سحوبات الديزل بنسبة 441% خلال الفترة نفسها.
كما سجل استهلاك القوات المسلحة من الديزل ارتفاعاً بنسبة 1527% مقارنة بعام 2021، في حين ارتفع استهلاك قطاع الكهرباء من الديزل بنسبة 203%، والزيت الثقيل بنسبة 125%، مع تسجيل زيادات استثنائية في بعض محطات التوليد.
ورأى التقرير أن هذه الزيادات تستدعي مراجعة أنظمة الرقابة والمتابعة، خصوصاً في ظل غياب آليات تربط بين كميات الوقود المسحوبة ومستويات الإنتاج أو الخدمات المقدمة من الجهات المستفيدة.
وفي ملف التخزين، كشف التفتيش الميداني عن تعطل معدات القياس في عدد من المستودعات الرئيسية والاعتماد على القياس اليدوي في بعض المواقع، فيما أظهرت نتائج الجرد السنوي لعام 2024 فروقات بين السجلات والكميات الفعلية بلغت نحو 2.
9 مليون لتر من البنزين و20 مليون لتر من الديزل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك