Independent عربية - الأمم المتحدة: القوات الإسرائيلية تحمي عنف المستوطنين فرانس 24 - الحرب في الشرق الأوسط: نتانياهو بين الضغوط الداخلية والخارجية الليوان - ليلة اختطاف ياسر وكالة سبوتنيك - إعلام إسرائيلي: إصابة قاعدة عسكرية إسرائيلية بأضرار فادحة جراء صاروخ إيراني Independent عربية - إنقاذ 1000 مهاجر قبالة سواحل موريتانيا خلال 10 أيام العربية نت - الجيش الإيراني يتوعد: أيدينا على الزناد وسنرد على أي اعتداء الجزيرة نت - "لا تحرجوا كينيدي" .. هل تكون مخرجا لمضيق هرمز؟ قناة القاهرة الإخبارية - سباق مع الزمن.. تواصل جهود الوسطاء لتنفيذ اتفاق شرم الشيخ وخطة ترامب في غزة Juventus - يوفنتوس - SIDE BY SIDE - Inside the Coppa Italia Primavera Final قناة القاهرة الإخبارية - البارود يسبق الدبلوماسية.. كيف يهدد اشتعال لبنان صفقات طهران وواشنطن؟
عامة

وليد جنبلاط المتعب من مآسي الحروب يكتب مذكراته بالفرنسية

Independent عربية
Independent عربية منذ ساعتين

يختار الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، النائب والوزير، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي سابقاً، صورة له مع شيوخ من طائفة الموحدين الدروز، غلافاً لكتابه" قدر في المشرق" الصادر حديثاً بالفرنسية عن دار ستوك (باريس...

يختار الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، النائب والوزير، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي سابقاً، صورة له مع شيوخ من طائفة الموحدين الدروز، غلافاً لكتابه" قدر في المشرق" الصادر حديثاً بالفرنسية عن دار ستوك (باريس).

هذه الصورة لا بد من اعتبارها" عتبة أولى"، بحسب النقد الأدبي، لولوج الكتاب، وكأن وليد جنبلاط شاء أن يغلّب هويته الدرزية على هويته الاشتراكية التقدمية، التي كثيراً ما جمع بينهما، على غرار أبيه الزعيم كمال جنبلاط، في طريقة مركبة لا تخلو من الالتباس.

فهي تجمع بين الانتماء الطائفي والانتماء العلماني واليساري، بين الجذور الإقطاعية والوجهة السياسية المتحولة.

علماً أن وليد يتحدث عن الاشتراكية بطريقة فريدة جداً، واصفاً إياها بأنها" قيمة مستقبلية ضد سلطة رجال الدين والطبقة السياسية".

لعل ما يؤكد هذا الائتمان على الهوية الأولى، إيراد جنبلاط في مطلع كتابه تعريفاً موجزاً بالطائفة الدرزية، يقول فيه: " يمارس الدروز عقيدة باطنية تُعرف باسم التوحيد، تقوم على الإيمان بالوحدانية المطلقة لله، وقد نشأت من رحم الإسلام الشيعي في القرن الحادي عشر الميلادي، خلال عهد الخلافة الفاطمية في القاهرة.

" ويضيف: " الدروز عربٌ في هويتهم الثقافية واللغوية.

وفي الوقت الحاضر، يعيشون في لبنان، لا سيما في بيروت ومنطقة الشوف، كما يعيشون في جبل الدروز في سوريا، وفي الأردن، وكذلك في إسرائيل".

لم يقل جنبلاط دروز فلسطين، وفق أدبياته السياسية والقومية العروبية، بل قال دروز إسرائيل، فهو يتوجه إلى قارئ فرنسي، يملك مصطلحات تختلف عن المصطلحات العربية.

ولعل توجهه إلى قارئ فرنسي أو فرنكوفوني، حتم عليه، الإغراق في التفاصيل والشروح، داخل النص، ليكون القارئ الأجنبي، على بينة من المعطيات التاريخية والطائفية والسياسية التي يجري الكلام حولها.

وإذا ما ترجم الكتاب إلى العربية، فهو سيخضع لصياغة مختلفة، تراعي ذاكرة القارئ اللبناني والعربي.

ليس من السهل على زعيم طائفة ورئيس حزب كان واحداً من أمراء الحرب الأهلية وما نجم عنها من حروب، أن يفتح أوراقه كلها ويكشف خفايا مسار نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، وما شهد من وقائع وأحداث كبيرة وصغيرة، وصراعات و" انقلابات" وتحولات.

لكن جنبلاط كان جريئاً حيناً، في هذه السيرة الذاتية أو" المذكرات"، فكشف وجاهر واعترف، وكان حيناً آخر، متردداً وحائراً وحذراً، فلم يكشف ولم يجاهر ولم يعترف، بل ترك كثيراً من" المسكوت" عنه، والأسرار والبواطن، حفاظاً على مصالح الطائفة وآل جنبلاط والحزب.

خلال كتابته مذكراته هذه، لا يجد وليد جنبلاط نفسه أمام مرآة نفسه وحسب، بل أمام مرآة آل جنبلاط ومرآة أبيه الذي ورث عنه الزعامة مصحوبة بما تحمل من إرث باهظ، عائلي وسياسي وطائفي.

وكذلك أمام مرآة حقبة مضطربة من تاريخ لبنان الحديث، تضم في ما تضم الحرب الأهلية التي كان جنبلاط أحد" أبطالها".

يستهل وليد هذه المذكرات انطلاقاً من السابع من أغسطس (آب) 2025، يوم عيد ميلاده، وقد بدأ عامه السابع والسبعين، وقد دفعته الأحداث الجارية إلى الخروج عن التحفّظ الذي فرضه على نفسه منذ اعتزاله الحياة السياسية عام 2023.

وهذا الخروج حفزه على فتح صفحات من الماضي، بغية التخلص مما أثقل – ويثقل - ذاكرته وربما ضميره الوطني والإنساني، مثله مثل أي زعيم لبناني طائفي.

وسعى كذلك إلى تفسير أو تبرير التناقضات التي وسمت حياته السياسية و" التبدلات" في المواقف التي ظهرت بوضوح والتي بدا خلالها كأنه ينقل البندقية من كتف إلى كتف.

وكان على علم تام بأن كثيرين يأخذون عليه هذه" التبدلات"، موظفين إياها في سجالهم معه وفي نقد سياساته.

لكنه يبرر هذا الأمر بذكاء، معتبراً نفسه لاعباً في حقل توازنات، يعتمد ما يسميه" الواقعية السياسية" التي تساعده على قراءة متأنية لأحجام القوى وأدوارها، والحفاظ على مصالح الطائفة الدرزية.

ولعل التقلب في المواقف والقرارات الذي عرف عنه، يصب في هذا القبيل يبرز الجواب الذي ليس بجواب، في جملة وليد المهمة: " إنه التاريخ، ثم التاريخ، ثم التاريخ مرة أخرى".

طبعاً كان لا بد لوليد جنبلاط من أن يتحدث عن عائلته، التي حافظت منذ القرن الـ18 على وحدة العشائر الدرزية في أوقات الأزمات، وعن جدته الست نظيرة" سيدة القصر"، وعن أمه، مي أرسلان، متوقفاً عند العلاقة التي قامت بين والديه عقب انفصالهما، وعن مربيته الفرنسية إيفون نيادو.

ويتوقف عند قصر المختارة، مقر" الزعامة الدرزية" وما يحمل من رموز، وعند نسبه الأرسلاني التاريخي.

ويبدي إعجابه الشديد بوالده، الذي عرف كيف يجمع بين الإقطاعية والاشتراكية، ممتدحاً فيه، ما يسميه" الكاريزما" التي كان يتميز بها من غير افتعال، وكذلك ثقافته العميقة والواسعة التي كان لها أثر فيه، وقدرته على التوفيق بين مخاطبة المواطنين والناس العاديين، والزعماء والقادة والمفكرين.

ويرى أن والده نجح في ترسيخ صورة القائد اليساري، ودوره الفاعل في بناء جبهة القوى الوطنية والتقدمية اللبنانية والفلسطينية، غداة اندلاع الحرب الأهلية، في مواجهة القوى الانعزالية والمسيحية.

أما المقدمة التي كتبها جنبلاط لكتابه الموصوف بـ" المذكرات" والسيرة الذاتية، فهي أشبه ببيان سياسي مهم، يعني اللبنانيين أكثر من سواهم.

وقبل الخوض في المقدمة والمادة السياسية في الكتاب، لا بد من التوقف عند الفصل الأول الذي سماه" ثقل التاريخ"، مفتتحاً إياه بمأساة آل جنبلاط التاريخية، فقليلون منهم، كما يقول، انتهت حياتهم بوفاة طبيعية، ويقول: " اغتيل والدي وجدي، أما أنا فنجوت من المصير نفسه".

ويعترف أن هذه القدرية الشخصية لازمته طوال حياته، سواء بصفته رئيس حزب، أو قائداً في زمن الحرب، أو رجل سياسة، أو وزيراً في حكومات عدة، أو أباً لأسرة.

ويضيف: " كان اغتيال والدي عام 1977 صدمة لجميع اللبنانيين الذين كانوا يؤمنون بالتغيير، وشكّل فترة عصيبة على اليسار اللبناني، وعليَّ أنا أيضاً بصفتي ابنه الوحيد".

يروي جنبلاط حكاية جذور عائلة جنبلاط التي تضرب في تربة الجبال اللبنانية التي تُعرف بالشوف، أو" الجبل"، والواقعة جنوب شرقِ بيروت.

والشوف كما يرى، هو معقل الدروز منذ أجيال كثيرة، وهي الجماعة التي ينتمي إليها والتي سعى إلى حمايتها خلال الحرب الأهلية.

و" الشوف أرضٌ للتنوع، يعيش فيها المسيحيون والسنة والشيعة جنباً إلى جنب، في روح من التعايش حرصنا على الحفاظ عليها رغم جراح الماضي".

ويتابع جنبلاط في لهجة اعترافية جميلة، قائلاً إن الوقت حان كي ينقل هذه الذكريات إلى أبنائه وأحفاده، بوصفها شهادة على ما عاشه في هذا المشرق المثقل بالعنف.

غايته أن يشرح القرارات والخيارات التي يصفها بـ" الرهيبة"، والتي اضطر إلى أن يتخذها خلال الحرب، والتي شكّلت الأساس لما أصبح عليه لاحقاً.

ويوضح كيف كان يدون طوال أعوام ملاحظات يومية، وكيف توقف من ثم، بسبب افتقاره إلى الصبر الكافي للالتزام بهذا العمل، ويقول: " الذاكرة مادة مراوغة، وقد آن الأوان للإمساك بها، أريد أن أصدق أنه لم يفت الأوان بعد، أريد أن أكون صادقاً في حديثي، وأن يُغفر لي سابقاً ما قد يشوبه من تردد أو زلل.

لقد فعلت ما استطعت، مع الاعتراف بأخطائي وممارسة قدر من النقد الذاتي، في وقت باتت فيه الطبقة السياسية التي أمثلها مرفوضة إلى حد كبير".

يعترف جنبلاط أن أهل الشوف يسمون الشوف" جبل الدروز"، للدلالة على خصوصيته في التاريخ اللبناني.

وبرأيه أن الشوف يجب أن يبقى، قبل كل شيء، ملاذاً للسلام وموئلاً للمصالحة، بسبب هشاشة الحاضر هشّ، ويجب أن يبقى موطناً للطبيعة والبيئة، بما فيه من ينابيع وغابات ومناظر طبيعية وأشجار أرز.

ويصف الشوف بكونه" مقاطعة غنية بالتناقضات، على صورة لبنان نفسه، البلد الذي أحبه كثيراً".

ويمضي جنبلاط في ما يشبه البوح الوجداني قائلاً: " أرى في هذه السيرة الذاتية ترياقاً ورسالة أمل، رغم الأوقات العصيبة التي نعيشها جماعياً.

فهذه القصة هي قصتي، وقصة لبنان، وقصة نضالي".

ويصفها بسلسلة من" اللحظات" المترابطة ضمن مشهد أوسع، في محاولة لفهم ما حصل منذ عام 1975.

يجد جنيلاط في الحرب الأهلية اللبنانية تكراراً لأحداث عام 1860، التي وقعت فيها المجازر بين المسيحيين والدروز وأغرقت، جبل لبنان في الدماء، وإن لم تعد الظروف تبدو كما كانت.

ويعترف أنه يؤمن باستمرار الانقسامات العميقة، ففي مهنة السياسة، لا بد من النظر إلى الزمن الطويل.

ويقول في هذا الصدد: " إذا كنت أميل إلى التفكير عبر الحدس والومضات السريعة، فإنني أعرف وأحترم ثقل التاريخ".

ويجاهر جنبلاط بما أصابه من تعب إزاء التكرار العبثي لدوامات العنف والمآسي، التي شهد كثيراً منها منذ اغتيال والده.

ويعترف بصراحة أنه أُلقي به في أتون المعركة وهو شاب، وربما أصغر مما ينبغي، فهو كان على مشارف الثلاثين، عندما قتل والده.

وقد بذل ما في وسعه لتصحيح الأخطاء التي ارتكبها.

وفي يونيو (حزيران) 2023، قرر أن يسلّم قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي أسسه والده عام 1949، إلى ابنه تيمور، ويقول: " كانت لحظة سلام بيني وبين ابني تيمور، وانتقال القيادة تم وسط فرح كبير.

وأنا أدرك أن ذلك ينطوي على مخاطرة بالنسبة إليه، نظراً إلى هشاشة الوضع الإقليمي".

لكنه يرى أن ابنه تيمور يمثل الجيل الحالي الذي سيكون أقدر على فهم تحديات عالم الغد.

وهذا الجيل تحتاج السياسة إليه لإعادة بناء لبنان، وإعادة بناء الشرق الأوسط أيضاً، فلبنان لا يزال يشكل نقطة ارتكاز للاستقرار الإقليمي.

ويأمل أن تسمح الظروف لتيمور بمواصلة السير على نهج التعايش والاحترام والتنوّع بين المسيحيين والمسلمين في لبنان، وأن تبقى المختارة حاملة شعار" فلسطين الحرة"، حتى وإن كانت هذه القضية العادلة تبدو اليوم قضية خاسرة في الوقت الراهن.

ويقول جنبلاط بصراحة: " أنا أمثل حقبةً تنطفئ تدريجاً مع مرور الزمن، لكن أفكاري لا تزال واضحة".

لكنه سيواصل النضال حتى النهاية من أجل مبادئه.

ويعلن موقفه الرافض لتقسيم لبنان إلى كيانات طائفية وحزبية، وللذين يروّجون له، و" هذا أمر عبثي وخطر، فالتشابك الاجتماعي والإنساني اللبناني عميق للغاية".

ويرى أن على اللبنانيين اليوم أن يتحدوا أكثر من أي وقت مضى، وأن يعيدوا التركيز على الهوية اللبنانية، وأن يصلوا إلى لبنان جديد متحرر من مؤسساته الطائفية.

وفي هذا السياق، يوجه تحية خاصة إلى مؤسس حزب الكتلة الوطنية لنائب والوزير السابق ريمون إده، " صديق عائلتنا، وأحد القلائل من السياسيين اللبنانيين الذين لم يتورطوا يوماً في الحرب الأهلية".

يوجه أيضاً تحية إلى الشباب الذين انتفضوا في بيروت عام 2019 ضد الطبقة السياسية، و" أقول لهم: لا تفقدوا إيمانكم بالمستقبل، واستمروا في فضح العقبة الأساسية أمام قيام لبنان جديد، وهي النظام الطائفي والمذهبي، فبدون كسر هذه القيود المتوارثة، لن يؤدي هذا النضال إلى أي تغيير مستدام".

يسرد جنبلاط كيف أنه قرر، في الـ16 من مارس (آذار) 2025، وفي المنزل العائلي في الشوف، أن يضع حداً للفصل المأسوي المرتبط بمقتل والده، فقد طُويت صفحة رهيبة بعد 48 عاماً من الانتظار، وهي أعوام حكم عائلة الأسد، " الحكم القاسي والمطلق".

وفي الأسبوع نفسه، ألقت سلطات النظام الجديد في دمشق القبض على اللواء إبراهيم حويجة، قاتل كمال جنبلاط،وفي المختارة، وأمام آلاف الأشخاص من الأنصار أكد جنبلاط في خطابه استمرار النضال السياسي، وقال: " لقد اغتيل كمال جنبلاط، لكننا بقينا، ناضلنا، وصمدنا، وانتصرنا".

وحيّا ذكرى الضحايا المسيحيين الأبرياء الذين قُتلوا انتقاماً يوم اغتيال والده، و" هي وصمة سوداء في تاريخنا أعيها تمام الوعي".

في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وبعد سقوط نظام الأسد، زار جنبلاط دمشق، مع وفد من الحزب التقدمي الاشتراكي والشيخ سامي أبي المنى، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في لبنان، والتقوا الحاكم الجديد أحمد الشرع.

وعبّر له جنبلاط والوفد عن مقدار الأمل في وحدة سوريا والحفاظ عليها بكل مكوناتها الإثنية والدينية، وإعادة بناء وهي موحدة، واستعادة طعم الحريات بعد أعوام طويلة من القمع.

ويعترف جنبلاط أن الهدف الأساس من هذا اللقاء كان تجنب إغراء بعض دروز سوريا بالتحالف مع إسرائيل، فهذه القضية شغلته كثيراً، خصوصاً في ما يتعلق بدروز السويداء التي تُعد العاصمة المصغرة لدروز سوريا.

وقد أسف حيال بعض الحسابات التي تراهن على تدخل إسرائيلي للحصول على حكم ذاتي للجبل.

وقد أثارت فيه مجازر يوليو (تموز) 2025، قلقاً كبيراً وكذلك الكلام عن" تفكك البلاد".

في هذا الشهر شهدت السويداء أحداثاً دامية، فشرطة النظام الجديد ارتكبت مجزرة في حق السكان الدروز، مما أدى إلى أعمال انتقامية عنيفة ضد بدو السويداء، وهم من المسلمين السنة، بعد قرون طويلة من العيش المشترك في حوران.

ويروي كيف ان النتيجة كانت في طرد البدو من السويداء على يد الدروز، وتصاعد عداوة شديدة بين الدروز والسلطة المركزية في دمشق.

أما حصيلة هذا الشهر الدامي فكانت أكثر من 1500 قتيل، مع وجود أسرى لدى الطرفين، ثم انسحاب كامل لمؤسسات الدولة السورية من المنطقة، وظهور سلطة محلية ناشئة.

وقد تشكلت هذه السلطة بقيادة الشيخ حكمت الهجري، أحد الزعماء الروحيين في السويداء، وهي ترفض أي ارتباط بالنظام الجديد في دمشق، وتطالب بحماية دوليةكان على جنبلاط أن يدين أعمال العنف في السويداء التي قام بها الجانبان، مما جرّ عليه موجة من الانتقادات الحادة والشتائم لدى شريحة من أبناء الطائفة الدرزية، ودعا إلى تشكيل لجنة تحقيق سورية ودولية لمحاكمة جميع المسؤولين، من دون استثناء.

وكان متظاهرون في السويداء قد رفعوا الأعلام الإسرائيلية والأعلام الدرزية واصفين جنبلاط بالخائن.

لكنه كما يقول، أصر على البقاء دائماً إلى جانب سوريا الموحّدة، وفاءً واحتراماً للثورة الوطنية الكبرى التي قادها عام 1925 سلطان الأطرش، ومعه الدروز والقوميون السوريون، ضد الاحتلال الفرنسي خلال فترة الانتداب.

وفي رأيه الثابت أن الحل لا يمكن أن يوجد إلا في إطار سوريا جديدة موحدة.

وفي سياق آخر يعرب جنبلاط عن شكه اليوم، في ظل التدخلات العسكرية الإسرائيلية التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤيتها الخاصة.

وبرأيه يجب" ألا نخدع أنفسنا، فلن يكون هناك سلام إسرائيلي، لأن الاستقرار ليس هدف إسرائيل، فالدولة العبرية لا تستطيع البقاء إلا بوجود جيران ضعفاء ومنقسمين".

وفي هذا السياق يتساءل إن كان ممكناً حماية لبنان الكبير الذي أنشأه الفرنسيون من مشاريع التفكيك والفوضى؟ ويقول: " بالنسبة إليّ، هذا هو التحدي الأكبر في السنوات المقبلة.

يجب أن يبقى لبنان موحّداً وأن يقاوم شبح التقسيم إلى كيانات طائفية".

أما في شأن الفيدرالية، التي يطالب بها بعض اللبنانيين، فيعتبرها صورة من صور التقسيم، مؤكداً: " نحن محكومون بالعيش معاً، النموذج اللبناني تعددي بطبيعته، والتاريخ فرض ذلك".

ويضيف: " إن استقرار لبنان يتطلب حواراً وطنياً داخلياً يجب أن نستعيده مع الشيعة، من دون التقليل من حجم إحباطاتهم ومظالمهم.

وعندما يُطرح موضوع نزع سلاح" حزب الله" في إطار تطبيق القرارات الدولية، يجب ألا ننسى الشروط الإسرائيلية القاسية: استمرار الاحتلال في الجنوب، وتدمير عشرات القرى بالكامل، وتهجير سكان بأكملهم".

عندما يُثار موضوع نزع سلاح" حزب الله" في إطار تطبيق القرارات الدولية، يجب ألا ننسى الشروط الإسرائيلية القاسية: احتلالٌ مستمر للجنوب، وعشرات القرى المدمّرة بالكامل، وسكانٌ بأكملهم أُجبروا على النزوح والتهجير.

ومن أجل تحقيق الاستقرار، لا بد من حد أدنى من السيادة، وهو أمر ينساه بعض اللبنانيين، ففي نظرهم، ما يهم اليوم هو السلام الأميركي والإسرائيلي، لكن هذا ليس سلاماً، بل هو إملاء خارجي وفرض إرادة من الخارج.

مناصرة المقاومة الفلسطينيةوفي سياق القضية الفلسطينية يقول جنبلاط إنه دعم دائماً مقاومة الشعب الفلسطيني، ولم يرفض والده يوماً مبدأ حل الدولتين، بل على العكس، كان يؤمن بإمكان تحقيقه.

لكن القادة الإسرائيليين، برأيه، ومن بينهم شمعون بيريز الذي اعتبره الغربيون رمزاً للسلام، هم الذين نسفوا فكرة الدولتين.

ويرى أن لا وجود في الفكر الصهيوني، للأمة الفلسطينية.

فمنذ تيودور هرتزل وحاييم وايزمان، مروراً بديفيد بن غوريون، وصولاً إلى بنيامين نتنياهو، ظل الخطاب واحداً: " إذا كنتم تريدون فلسطين، فابحثوا عنها في مكان آخر".

ويعترف جنبلاط أن الشرق الأوسط دخل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 مرحلة جديدة، فمنذ ذلك التاريخ، أصبحت محاولات التطبيع مع إسرائيل التي فرضها الغرب في إطار اتفاقات أبراهام بحكم المنتهية عملياً.

ويضيف: " بعض الدول العربية تقول إنها تؤيد السلام مقابل الأرض، لكن لم تعد هناك أرض أصلاً، ففلسطين التاريخية لم تعد موجودة كما كانت، والتجزئة التي أحدثها الاستيطان الإسرائيلي جعلت أي تواصل جغرافي بين الأراضي الفلسطينية شبه مستحيل، وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن دولة فلسطينية أمراً عبثياً".

وفي الأسابيع التي تلت السابع من أكتوبر، دان جنبلاط بقوة كما يقول، الرد الإسرائيلي غير المتناسب على سكان غزة، الذي اتخذ شكل عقاب جماعي، وهي ممارسة تحظرها الاتفاقات الدولية.

ويقول إن الصور القادمة من غزة قاسية وصادمة، وتذكره بغيتو وارسو أو بمدينة حمص في سوريا، و" بالنسبة إليَّ، لا فرق بين أشكال الهمجية المختلفة".

وبعد عامين من الحرب أصبح واضحاً أن الهدف النهائي هو تهجير الفلسطينيين خارج غزة، بل خارج الضفة الغربية أيضاً.

ولكن إلى أين؟ ويقول جنبلاط: " سيتم توزيعهم بين مصر وأفريقيا وربما العراق وسوريا والأردن تحت حكم الأسرة الهاشمية، حيث يمكن لأي حادث أن يشعل مواجهة بين الفلسطينيين والسكان المحليين، الذين تعود أصول قسم كبير منهم إلى القبائل البدوية، مما قد يؤدي إلى فوضى شاملة في المنطقة".

ويعترف جنبلاط أنه، بالتوازي مع دعمه حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، كان دائماً يرفض أي دعوة إلى" حرب مقدسة" ضد اليهود.

وقد أكد مراراً أن العرب والمسلمين ينتمون إلى مجتمع متعدد الثقافات والأديان، يضم اليهود والمسيحيين والمسلمين وغيرهم، ويقول إنه ندد بكل خطاب يدعو إلى إزالة دولة إسرائيل، " في نهاية المطاف، نحن جميعاً أبناء إبراهيم، الأب المشترك للديانات التوحيدية".

" كم من الحروب عشت منذ هزيمة عام 1967؟ " يسأل وليد جنبلاط نفسه، ويقول كما لو أنه يجيب: " إننا نعيش في جزء من العالم يبدو وكأنه محكوم بلعنات التاريخ.

فمنذ اتفاق سايكس ـ بيكو عام 1916 ما زلنا ندافع عن حدود فرضتها علينا حقبة الاستعمار في عشرينيات القرن الماضي، بعد سقوط الدولة العثمانية، وبعد أكثر من قرن ما زال العالم العربي يتحمل تبعات وعد بلفور".

ويتطرق جنبلاط إلى العلاقة الشائكة والمعقدة بين والده كمال جنبلاط وحافظ الأسد وشقيقه رفعت، والعلاقة بينه وبين حافظ وابنه بشار الذي ترك الحكم بعد الثورة، عام 2024.

ويتوقف عند أسباب الخلاف بين حافظ وووالده كمال الذي برز عندما قرر حافظ إدخال الجيش السوري إلى لبنان بموافقة أميركية وبغطاء عربي، وتلبية لطلب الزعماء المسيحيين كميل شمعون وسليمان فرنجية والشيخ بيار الجميل.

ومما زاد من احتدام الخلاف سعي حافظ الأسد إلى فرض وصايته على حركة" فتح" ورئيسها ياسر عرفات وعلى بقية المنظمات.

وهي" وصاية ديكتاتورية" على لبنان كما يصفها وليد جنبلاط تهدف إلى قمع الحريات والسيطرة على الساحة اللبنانية والفلسطينية.

حينذاك راح كمال يكتب مقالات نقدية ضد سياسة الأسد، وضد استباحة لبنان، ووصف التدخل السوري بكونه غزواً ذا طابع قمعي.

ولأن جنبلاط الأب كان يشعر بالتهديد الموجه ضده، حاول البحث عن مظلة حماية عربية ودولية، فزار فرنسا والاتحاد السوفياتي ودولاً عربية، منها مصر.

إغتيال كمال وزيارة دمشق لاحقاًويتوقف جنبلاط عند اغتيال والده ويتهم رفعت الأسد والاستخبارات السورية، ويؤكد أن المسؤول المباشر كان اللواء إبراهيم الحويجي الذي ألقت القبض عليه، في قرية جبلة السورية، قوات النظام السوري الجديد.

وبرأي جنبلاط أن الاستخبارات السورية اختارت قرية مسيحية لتنفيذ فعل الاغتيال بغية وقوع التهمة على المسيحيين، فحصلت أعمال انتقام حصيلتها 300 شخص علاوة على تهجير آلاف.

ويروي جنبلاط كيف أنه، بعد أشهر على اغتيال والده، اضطر، وفق قرار رهيب، إلى زيارة دمشق للقاء الرئيس الأسد.

ويقول في هذا الصدد: " قررت، بالاتفاق مع كادرات الحزب التقدمي وشيخ العقل محمد أبو شقرا التوجه إلى دمشق لإعادة إحياء التحالف الضروري لوجودنا".

ويبرر هذه الخطوة بأنه كان عليه أن يعيد تطبيع العلاقة مع النظام السوري، كخيار وحيد، فهو كان داعمهم الوحيد، كما يقول.

ويتوقف جنبلاط أيضاً عند اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري والفريق الذي كان معه ومنهم باسل فليحان، في الـ14 من فبراير (شباط) عام 2005.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وقد أحدث هذا الاغتيال، كما يقول، زلزالاً في لبنان والعالم، واتهم النظام السوري به.

ويدخل هنا في تفاصيل العلاقة بين الأسد والحريري، التي لم يغلب طابع الود عليها، والتفاصيل هذه يعرفها اللبنانيون.

وأدرك جنبلاط، كما يعبر، بعد الاغتيالات التي توالت عقب مقتل الحريري، أن بشار الأسد" يريد القضاء على كل من يعارضه"، فتم اغتيال سياسيين وإعلاميين مثل جورج حاوي، وبيار الجميل، ووليد عيدو، وسمير قصير، وجبران تويني.

وينتقد خطوة التحديث التي سعى الأسد إلى ترسيخها مع زوجته أسماء ويسخر منها.

ويقول جنبلاط إنه كان على بينة من أن" حزب الله" كان على صلة بها.

ويذكّر جنبلاط بكلمة قالها في مناسبة مرور عام على اغتيال الحريري، متوجهاً للأسد: " أنت يا طاغية دمشق، أنت يا قرداً من أسوأ الأنواع، أنت يا سمك القرش الذي لفظك المحيط.

أيها الجزار، المجرم، الكذاب".

العلاقة المضطربة مع" حزب الله"أما علاقة وليد جنبلاط بـ" حزب الله" فكانت مضطربة.

ويقول: " كان ’حزب الله‘ يراقبنا في وقت استمر فيه القضاء على كبار الشخصيات السياسية والفكرية"، لكن هذه العلاقة توترت كثيراً في مايو (أيار) عام 2008 عندما اجتاحت جماعة الحزب، أحياء بيروت وحاصروا دارتي جنبلاط والحريري وهاجمت مناطق في الجبل، وقد أسرّ حكمت الشهابي، رئيس الأركان السوري آنذاك، إلى جنبلاط في باريس، أن" حزب الله" كان يسعى إلى قتله.

ويروي جنبلاط تفاصيل من حياته في الحرب الأهلية بعدما تم انتخابه رئيساً للحزب التقدمي الاشتراكي، وكيف أقام علاقات وثيقة مع قادة الاتحاد السوفياتي السابق، فضلاً عن لقائه معمر القذافي وفيديل كاسترو مرتين في كوبا.

ويتوقف عند أبرز الأحداث التي واجهها خلال الحرب الأهلية، فقد واجه أحداثاً كبرى مثل قصف الأشرفية عام 1978، والاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ثم خروج ياسر عرفات، وانتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية، فاغتياله وانتخاب شقيقه أمين، وصولاً إلى حرب الجبل عام 1983 التي تسببت في نزوح جماعي لنحو 170 ألف مسيحي.

ولا يخفي جنبلاط لقاءاته مع أوري لوبراني وشمعون بيريز شخصياً في المختارة.

ويتحدث عن" انتصاره الاستراتيجي في بحمدون" ضد القوات اللبنانية" بدعم من قوة سورية مدرعة".

ويبرر معاركه ضد الجيش اللبناني في سوق الغرب في سبتمبر (أيلول) 1983 بحجة أنه" جيش مسيحي يمثل سلطة تستند إلى قوى اليمين والغرب".

ويعترف أنه طلب دعماً عسكرياً من الأسد لضرب هذا الجيش، فاكتفى الأسد بإرسال" قوات فلسطينية خاضعة لسيطرته".

وفي تلك المرحلة تعرض لمحاولة اغتيال دبرها إيلي حبيقة، الذي اعترف له لاحقاً قائلاً: " أنا من حاول قتلك".

وبعدما أصبح وزيراً للمهجرين في حكومة رفيق الحريري، أطلق وليد جنبلاط عملية مصالحة في الجبل تُوّجت بزيارة البطريرك صفير إلى المختارة في الرابع من أغسطس 2001، وهو حدث تاريخي يعتز به بحق.

وبعد فصل كامل يخصصه لصديقه رفيق الحريري، يتحدث عن يوم الـ14 من مارس 2005 حين اجتمع مع ملايين اللبنانيين تحت العلم اللبناني نفسه، معتبراً أن تلك اللحظة ألهمت لاحقاً الثورات في تونس ومصر وسوريا.

وفي حديثه عن انتفاضة 2019 اللبنانية، يعود إلى مطالب المحتجين الذين أرادوا إنهاء الطبقة السياسية بأكملها، بمن فيها هو، ويعترف بأنه منع مناصريه من المشاركة خوفاً من الانزلاق إلى الفوضى.

ثم يتناول انفجار مرفأ بيروت، مؤكداً أن" النيترات المستوردة كانت مخصصة للنظام السوري لتغذية آلته الحربية".

مهما اختلف اللبنانيون، على تعدد مشاربهم وانتماءاتهم ومواقعهم، حول وليد جنبلاط، فهم يظلون يكنون له محبة واحتراماً وإعجاباً بشخصه وشخصيته، حتى الأصدقاء الذين انقلبوا خصوماً له، والخصوم الذين انقلبوا أصدقاء، يحترمون وطنيته وأصالته وثقافته وحنكته ودهاءه وذكاءه وحتى" تهوراته".

يملك وليد" كاريزما" قد تفوق" الكاريزما" التي كان يملكها والده، فهو عرف كيف يكون حديثاً ومعاصراً و" شبابياً" في أحيان، ويملك ثقافة واسعة، ويجيد أكثر من لغة أجنبية، وبخاصة الفرنسية، التي يقرأ بها ويكتب.

ومعروف عنه إهداؤه الكتب إلى زواره وأصدقائه، ومتابعة حركة المطابع وما در من كتب في حقل السياسة والتاريخ والدين والأدب.

ويذكر جنبلاط في مذكراته هذه كيف" حشر" مرة السيد حسن نصر الله في اجتماع حام، متحدثاً عن كتاب أمين معلوف" سمرقند" الذي حمله معه، وعن فرقة" الحشاشين" التي يتحدث الكتاب عنها، ملمحاً إلى" حزب الله"، فأثار حفيظة السيد الذي أبدى عدم ارتياحه إلى هذه المقارنة ولو جاءت تلميحاً.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك