حققت أفلام معينة نجاحاً هائلاً في تاريخ السينما فبقيت محفورة في الذاكرة، منها ما يبدو نجاحها مبرراً ومنطقياً، خصوصاً عندما تنقل قصة من الواقع، أو عندما يتمحور الفيلم السينمائي حول شخصية مهمة أو تاريخية ينقل قصة حياتها، لكن أفلاماً أخرى يبدو أنه ثمة أسرار خفية وراء النجاح الخيالي الذي تحققه، والضجة التي تثار حولها، والإيرادات التي تحققها في شباك التذاكر.
آخر الأفلام التي حققت نجاحاً على مستوى العالم فيلم The Devil Wears Prada بجزئه الثاني، فقد تجاوزت إيراداته العالمية 608 ملايين دولار بما يتخطى ستة أضعاف موازنته المقدرة بـ100 مليون دولار أميركي، مما يؤكد النجاح الجماهيري الكبير والاستثنائي الذي حققه منذ انطلاق عرضه في دور السينما العالمية.
أفلام عدة حققت نجاحاً استثنائياً في تاريخ السينما، وبرز نجاحها في الأرقام الكاسحة التي حققتها في شباك التذاكر، ومنها ما ارتبط نجاحه بالأثر الفني الذي لا يمحى مع مرور الزمن.
في ما يتعلق بفيلم الموضة الشهير The Devil Wears Prada بجزئه الثاني، فقد حقق بالفعل نجاحاً جماهيرياً كبيراً وأصبح من أعلى الأفلام تحقيقاً للأرباح مع عودة الثلاثي المميز فيه: ميريل ستريب، وآن هاثاوي، وإيميلي بلانت، بقصة تكشف عن التحديات التي تواجه الإعلام الرقمي.
وفي ظل هذا النجاح العالمي اللافت الذي حققه الفيلم الذي تحوّل إلى علامة سينمائية بارزة مع ارتباطه باسم العلامة التجارية" برادا"، يُطرح السؤال حول الأسرار وراء نجاحه، خصوصاً أن الجزء الثاني يأتي بعد عقدين من الطرح الأول.
ترافق الإعلان الترويجي للفيلم قبل أشهر عدة من عرضه مع توقعات كبيرة تخطت كونه مجرد نسخة جديدة ناجحة تكمل الجزء الأول منه.
علماً أن النسخة الثانية أتت في زمن اختلف تماماً، وعرض التغيير الذي حصل في قواعد اللعبة داخل بيئة العمل والإعلام بأسلوب مميز زيّنه حضور جذاب من عالم الموضة والمشاهير.
وكان التحدي كبيراً أن يتمكن الفيلم من مواكبة هذا التحوّل، وألا يبقى عالقاً في النجاح السابق الذي حققه.
ووفق ما أوضحه الناقد السينمائي إلياس دمّر، لا يمكن توقع النجاح الذي يمكن أن يحققه فيلم سينمائي دائماً.
وهو ما يفسر أن أفلاماً خُصصت لها موازنات ضخمة وشارك فيها نجوم عالميون ولكنها فشلت على عكس التوقعات.
وكان فيلم" تايتانيك" من تلك الأفلام التي شكلت مفاجأة للكل بالنجاح العالمي الذي حققه وحجم الإيرادات.
أما فيلم The Devil Wears Prada فقد كسب قاعدة شعبية جماهيرية متزايدة مع الوقت ولم يقتصر نجاحه على فترة عرضه عام 2006.
وبلغت كلفة إنتاج الجزء الثاني قرابة 35 مليون دولار، وحقق إيرادات لا تقل عن 320 مليون دولار بمعدل قارب عشرة أضعاف كلفة إنتاجه.
وبطبيعة الحال، لهذه الأفلام أسرار وأبعاد تبرر نجاحاتها الاستثنائية التي تحققها حتى بعكس التوقعات.
يتناول الفيلم قصة تعكس واقع فتاة عادية دخلت عالم الموضة لتعمل مع ميراندا التي لعبت دوراً مستوحى من شخصية آنا وينتور وتبدلت حياتها.
بحسب دمّر فـ" على رغم الخصائص العديدة التي ميزت الفيلم لا يقتصر سر نجاحه على كونه تناول قصة جذابة تحظى باهتمام الجمهور.
فما حفز الجمهور على المشاهدة المتكررة له، وعلى أن يكسر أشخاص أرقام (غينيس) القياسية في عدد المشاهدات، هو الشخصيات.
أذكر ما أشار إليه مرة المخرج مارتن سكورسيزي مرة حين أكد أننا نعود غالباً لمشاهدة الأفلام نفسها بسبب الشخصيات التي فيها".
ويضيف" سواء في جزئي فيلم The Devil Wears Prada أو في فيلم" تايتانيك" الذي حقق نجاحاً تاريخياً، كانت هناك شخصيات استثنائية مبدعة مثل شخصيتي جاك وروز في (تايتانيك)، وأيضاً شخصيات فيلم The Devil Wears Prada مثل ميراندا الصارمة والقيادية التي تجسد شخصية مديرة تحرير مجلة" فوغ" العالمية التي لم يكن أحد يجرؤ على التقرب منها.
يضاف إلى ذلك أن القصة التي طرحها الفيلم جذابة للغاية من جزئه الأول، الذي قدم فكرة التعقيدات في العمل بين الموظف والمدير والهواجس المرتبطة بذلك، وأتت الممثلة الأيقونية ميريل ستريل بدورها الرائع لتجسد هذا البعد، وقد ترشحت لـ" أوسكار" عن دورها في هذا الفيلم.
أما" تايتانيك" فتميز بقصة تاريخية رومانسية تستند إلى الواقع مع قصة حب جميلة على متن أضخم سفينة".
تميز الفيلم بكل المكونات التي تضمن نجاحه، لكن تبقى على رأسها الشخصيات التي قدمت أحد أجمل الأدوار في تاريخ السينما.
وما يبدو لافتاً أيضاً في فيلم The Devil wears Prada، بحسب دمّر، أن ميريل ستريب استطاعت أن تجسد شخصية المديرة الشريرة والحازمة من دون أن تبدو كاريكاتورية، حتى آنا وينتور بذاتها أبدت إعجابها بالدور الذي استطاعت ستريب فيه أن تساعد الجمهور على تفهم هذه الشخصية ودوافعها، وأن تعي ما تجسده من واقع في عالم الموضة وإن بدت ديكتاتورية في الظاهر.
هذا إلى جانب الأدوار المحببة لكل من آن هاثاوي وإيميلي بلانت وستانلي توتشي، التي أظهرت شخصيات عاشت الصراع بين الحياة المهنية والحياة الشخصية.
يضاف إلى ذلك، أن الفيلم عرض في توقيت مهم حين كان الجمهور العالمي متعطشاً لأعمال من هذا النوع، وهذا ينطبق على فيلم" تايتانيك".
فحين عرض كان الجمهور يتلهف لرؤية عمل يستعيد فيه أمجاد Gone With The Wind.
كذلك الأمر بالنسبة إلى فيلم The Devil Wears Prada الذي أتى في وقت يتوق العالم لرؤية شخصية شابة بسيطة تدخل إلى مجال العمل وتحقق نجاحات من دون المساومة على مبادئها.
كذا فإن كل ما قدمه كان يحاكي هواجس الشباب عند عرض الجزء الأول منه.
لذلك، بدا أن الفيلم ساعد الجمهور على تحرير مخاوفه من خلال الطرح الذي أكد على أنه يمكن التصدي للضغوط، والمواجهة في مكان العمل من الأمور الممكنة.
إضافة إلى القضية التي طرحها والشخصيات والأزياء المميزة والساحرة، وقد جذبت بشكل خاص العنصر النسائي، وكلها أسهمت في نجاحه، بما أنه يحكي عن عالم الموضة، وكيف تحصل الأمور في كواليسه، وما يتعلق بالصحافة التي تعنى بالموضة بكل ما فيها من سحر خاص، حتى إنه عند صدوره كانت المجلات التي تعنى بالموضة مؤثرة إلى حد كبير.
من العناصر التي تأتي تالية في الأهمية بعد الشخصيات والتوقيت وتسهم في أي نجاح غير متوقع لفيلم، تناقل الناس للانطباع حوله بالتشجيع على مشاهدته مما يسهم في تحقيقه مزيداً من النجاح ونسب المشاهدة.
وهذا ما حصل مع فيلمي" تايتانيك" وThe Devil Wears Prada، يضاف إلى ذلك تأثير الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تلعب دوراً أساسياً اليوم.
لكن مهما تغير شكل الدعاية التي يحققها فيلم، سواء حصل عبر آراء نقاد مهمين أو عبر آراء المشاهدين عندما يتناقلون تفاصيل عنه وينشرونها عبر وسائل التواصل، فإن ذلك يسهم في تحقيقه مزيداً من النجاح.
وفي مختلف العصور، يعتبر عنصر الإبهار أيضاً أساسياً في النجاح الذي يحققه فيلم ما، إضافة إلى بقية العناصر التي تعتبر جوهرية أيضاً.
فلا يمكن أن يخلو فيلم يحقق نجاحاً استثنائياً من عنصر الإبهار البصري والصوتي والمؤثرات كما في فيلم" تايتانيك".
أما في حال عدم وجود إنتاج ضخم كهذا، كما في فيلم The Devil Wears Prada الذي لم تتخط كلف إنتاجه ربع كلفة" تايتانيك"، بحسب دمّر، فهو يتضمن إبهاراً من نوع آخر في طريقة الإخراج، وتصميم الأزياء، وسحر الشخصيات.
ليكون هناك حتماً إبهار ما في صناعة الفيلم، أو في الموسيقى التي تلعب دوراً في جعله الفيلم يحفر في الذاكرة مع تذكر أغنية أو موسيقى خاصة به.
أفلام كثيرة أخرى حُفرت أيضاً في الذاكرة في تاريخ السينما، فتركت أثراً بارزاً لا يمحى مع مرور السنوات.
ومن لا يذكر فيلم The GodFather أو" العراب" للمخرج فرانسيس فورد كوبولا، الذي تحوّل إلى سلسلة بأجزائه العديدة.
ففي عام 1972 أتى في فترة كان الجمهور يتلهف لمتابعة قصة تتعلق بعالم المافيا بكل ما فيه من غموض.
إلا أن نجاحه لم يقتصر على نقل أسرار هذا العالم، بل تناول الصراعات في العائلة، ومبادئ الإخلاص والخيانة، وسلوكيات رئيس المافيا.
كانت هناك عناصر عدة أسهمت في النجاحات التاريخية التي حققها هذا الفيلم، بدءاً من شخصية مارلون براندو في دوره المميز الذي جسّد شخصية دون كورليوني، إلى جانب مجموعة من المبدعين مثل آل باتشينو وروبيرت دو نيرو.
واللافت أن النجاح الذي حققه هذا الفيلم لم يكن متوقعاً، وهذا ما لا يدركه كثيرون عنه باعتبار أنه أصبح من أهم الأفلام في تاريخ السينما.
وبلغت كلف إنتاجه آنذاك ستة ملايين دولار، وكان هناك جدل واسع حوله وتهديدات بوقفه لأسباب عدة وفي مرات عدة.
بعده يأتي فيلم The Exorcists الذي ينقل قصة عن طرد الأرواح، ولم يكن أحد يتوقع أنه قد يحقق كل هذا النجاح الجماهيري والانجذاب إليه والتأثر به.
ثم جاء فيلم Jaws عام 1975 للمخرج ستيفن سبيلبرغ، الذي صور المعركة بين الإنسان وسمك القرش، أو المعركة بين الإنسان والمجهول.
لكن في كافة الأفلام لم يكن الإخراج وحده المعيار، وإن كان مخرجو هذه الأفلام رائعين ومتميزين، إذ تبقى الشخصيات أهم العناصر في إنجاح هذه الأفلام من النواحي كافة، نصاً وقصة وفي ما تطرحه من قضايا تحرك الحواس.
ويعتبر فيلم الخيال العلمي Starwars أيضاً من الأفلام التي لم يكن نجاحها الضخم متوقعاً في سبعينيات القرن الماضي.
فالشخصيات الخيالية التي قدمها أصبحت عالقة في الأذهان بكل تفاصيلها، ومنها شخصية الشرير" دارث فايدر".
وعلى رغم أنه بعيد كل البعد من الواقع فهو فيلم عن الفضاء، فقد شجع الجمهور على التمسك بفكرة البطل المنتظر وكانت الفكرة الأساسية الجذابة فيه، إلى جانب فكرة الصراع بين الخير والشر التي طرحت بطريقة مغايرة تماماً في الفضاء، فضلاً عما قدمه عن السفن الفضائية والأسلحة التي أصبحت أيقونية ومسدسات الليزر.
لكن على رغم أنه تضمن شخصيات من الفضاء، فقد كانت الشخصيات الأساسية حقيقية لأشخاص عاديين.
وما يبدو لافتاً كما في كل فيلم يحقق هذا النجاح، أهمية الشخصيات فيه، فحتى شخصية الشرير جذابة فعلاً، لأن البطل لا يمكن أن ينجح ما لم تواجهه شخصية شرير أقوى بعد وأكثر جاذبية، وفق دمّر، الذي يضيف أنه بعد هذه الأفلام حققت أفلام كثيرة نجاحاً، لكن في مختلف الأزمنة بقيت معايير النجاح ذاتها، ويبدو أن هذه الأفلام التي أطلقت في سبعينيات القرن الماضي، أسست للنجاحات التي حققتها الأفلام التي أتت بعدها في السينما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك