في ساعة ونيف ينسى الجمهور الواقع المحيط به وينتقل إلى بيت منعزل في أريزونا ليمضي فصل شتاء مرعباً مع بطله المصاب والممرضة التي من المفترض أنها تعالجه.
غرفة نوم هادئة تستقبل كاتباً نجا من حادث سير جراء عاصفة ثلجية أنقذته عقبها ممرضة من موت محتم.
غرفة نوم لطيفة ريفية بسريرها وخزانتها وكنبتها تتحول في ساعة ونصف إلى سجن فردي يتلقى فيه البطل أقسى ألوان التعذيب الجسدي ويتعرض لضغط" أدبي" عالٍ.
يتحول هذا البطل الواهن الضعيف، وهو كاتب معروف لديه كتب منشورة ومترجمة، إلى سجين ممرضة هي قارئة نهمة تعتبر نفسها قارئته الأولى (fan number one) التي تعرف عنه كل شيء والتي تملك بعض" الآراء الإبداعية" المتطرفة أدبياً.
في ساعة ونصف يتحول حلم كل كاتب أن يجد قارئاً يعشق كتاباته ويبجله، إلى كابوس مضن قاتل يصبح فيه القارئ هو السجان والجلاد والمعذب والشيطان.
عندما كتب رولان بارت عن موت القارئ في عام 1967 بمعنى تحول القارئ إلى طرف فاعل في عملية الإبداع والكتابة من خلال تأويله للنص ومستوياته، لم يتوقع أن ستيفن كينغ سيأخذ هذه النظرية إلى أقسى حدودها محولاً القارئة النهمة إلى قارئة مهووسة تهدد الكاتب وتنص عليه ما يجب أن يكتبه وتقطع أطرافه وتعذبه إن لم يلب رغباتها.
في عزلة قسرية ذات شتاء أميركي قارس، يتحول حلم كل كاتب بالنجاح والشهرة إلى كابوس.
يُعاقَب الكاتب المبدع بول شيلدون على كتاباته ويصبح سجين قارئته الوفية الممرضة آني ويلكس.
ويكتشف الجمهور في الممرضة اللطيفة قارئة غير متوازنة تكرس نفسها سلطة أدبية عُليا تخطف الكاتب وتكبل مخيلته وتتدخل في نصه وتغير مصير شخصياته كما يحلو لها، والويل له إن لم يتجاوب مع" اقتراحاتها".
نوع من هوس وجنون بشخصية" ميزري" ومعناها بالعربية" بؤس"، يحرك هذا النص بأسره ويحرك تصرفات الممرضة.
فـ Miseryوهو عنوان العمل واسم الشخصية التي تريد القارئة تغيير نهايتها، اسم معبر على مستويات كثيرة، فهو اسم شخصية الكاتب التي بسببها يتعرض لكل ما يحصل له، وهو كذلك اسم الحالة التعيسة التي يعيشها جراء قراراته الأدبية وخياراته الإبداعية.
وعلى رغم ما في النص من عنف وتعذيب وكم هائل من الوجع الجسدي والنفسي، يلاحظ الجمهور قوة في المعاني وعمقاً في التطرق إلى العلاقة بين الكاتب ونصه وبين الكاتب وقارئه.
حوار جذاب يحاول فيه الكاتب أن يشرح خياراته الأدبية كذلك يحاول أن يبرر كتاباته ومصائر الشخصيات التي يختارها بغض النظر عن أهواء القراء.
إنما يبدو أن هذه الشروحات لم تقنع القارئة العنيدة التي لن تقبل بأي نص ولا بأي نهاية، حتى أنها تنهى الكاتب عن استعمال كلمات معينة تعتبرها بذيئة وغير لائقة على رغم أن الكاتب يدافع عن لغته التي يوظفها قائلاً: " لكنها لغة الناس، وبهذه الألفاظ يتكلمون يومياً".
علاوة على ما في النص من شحنات قوة وعمق، يأتي المسرح وديكوره ليضيفا المزيد من التألق والزخم والمتانة على العرض.
فالمسرح متحرك ويقدم للجمهور ثلاثة ديكورات مختلفة هي: غرفة النوم التي يبقى فيها الكاتب سجين قارئته، وغرفة الطعام والمطبخ اللذين يتسلل إليهما السجين متى استطاع، ومدخل البيت بحديقته الأمامية الصغيرة.
هذا التغير الذكي والمنهجي والمتماسك في الديكور يخفف كثيراً من وطأة العنف الذي تمارسه الممرضة على مريضها/ ضحيتها.
يتغير الديكور بين الفينة والأخرى ويرفع مستوى الإثارة والتشويق بخاصة مع حضور عمدة البلدة من حين إلى آخر وترقب الجمهور للحظة التي سيكتشف فيها وجود أسير مخفي داخل بيت الممرضة التي تدعي البراءة والسذاجة والنزاهة.
تأتي كذلك الإضاءة لتهذب الوقت وتصنفه، فيعرف الكاتب البطل السجين ومعه الجمهور الليل من النهار من خلال الإضاءة، كذلك يشعر الاثنان بمرور الأيام والصباحات في هذا السجن الإفرادي من خلال لعبة الإضاءة وحدها، فالممرضة/ القارئة تتحكم بكل شيء في هذا العرض، وحده الضوء يفر منها ويتحرك رغماً عنها.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)أما الفخ الأكبر فهو الموسيقى.
يشعر الجمهور في هذا العرض بالأمان والهدوء على رغم قساوة ما يشاهده بفضل الموسيقى الهادئة الجذلة.
يشعر الجمهور وكأنه يشاهد" أليس في بلاد العجائب" أو" الأمير الصغير" بينما هو في الواقع يشهد على قارئة تعذب كاتباً وتحطم قدميه وتمنع عنه المسكنات وتمنع عنه أي مخرج قبل أن يكتب لها الرواية التي تريدها كما تريدها.
تخدع الموسيقى الجمهور وتمنحه شعوراً زائفاً بالأمان وهو أمر جميل ومفيد ويخفف من وطأة قسوة الأحداث.
أما الأداء الذي لا بد من التطرق إليه فهو مبدع شديد الإبداع.
التمثيل رائع صاخب قوي مشحون مُرهق.
يشد الممثلان إليزابيث بانش وكريس هاتشيسون أعصاب الجمهور طيلة العرض، يمسكان تماماً بزمام الأحداث من خلال حركتهما وتعابيرهما وصوتهما وصرخاتهما.
يجسدان السجان والسجين بكل صرامة وعمق وإنسانية من دون أن يخلو أداؤهما من تهكم أسود أو كوميديا سوداء وخفة عفوية تريح الجمهور وتجعله يتنفس الصعداء بين الحين والآخر.
" بؤس" رواية ومسرحية وحالة رائعة من الإبداع ومن الكلام عن الإبداع، يتحول فيها فعل القص والكتابة إلى فعل نجاة بالمعنى الفعلي والحقيقي للكلمة.
يضطر الكاتب إلى أن يقص أحداث رواية" ميزري" أو" بؤس" لينجو بحياته ومن البؤس الذي ترميه فيه قارئته/ جلادته، بينما تكون قارئته هي المتلقي والحكم والجلاد.
فحذارِ أيها الكتاب مما تتمنون، قد ترغبون بجمهور قراء أوفياء إنما لا تجري القراءة كما يشتهي الكاتب، أقله ليس في أعمال ستيفن كينغ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك