رغم محاولات جماعة الإخوان المستمرة للاستناد إلى أسماء وشخصيات دينية كبيرة لإضفاء شرعية على خطابها، تبقى شهادة الشيخ محمد الغزالي واحدة من أكثر الشهادات إرباكًا للتنظيم، ليس فقط لأنه كان أحد أبنائه الأوائل، بل لأنه خرج منه محملًا بانتقادات قاسية اعتبرها كثيرون وثيقة إدانة فكرية للجماعة من داخل صفوفها.
فالغزالي، الذي شغل عضوية الهيئة التأسيسية للإخوان وعضوية مكتب الإرشاد خلال فترة المرشد الثاني حسن الهضيبي، لم يكتفِ بمغادرة التنظيم، ولكنه كرس جانبا من كتاباته لتحذير المسلمين من الأفكار التي ترسخت داخل الجماعة، والتي رأى أنها انحرفت عن جوهر الإسلام وحولت الانتماء التنظيمي إلى معيار للإيمان.
وفي كتابه الشهير" من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث"، شن الغزالي هجومًا حادًا على ما وصفه بإحياء منهج الخوارج في ثوب جديد، منتقدًا ثقافة السمع والطاعة العمياء التي تفرضها الجماعة على أعضائها، ومستنكرًا تصوير قادتها باعتبارهم أصحاب حق مطلق لا يجوز الاعتراض عليهم.
وكشف «الغزالي» عن خطورة هذا النهج عندما أشار إلى أن بعض شباب الجماعة باتوا يتساءلون عما إذا كان المسلم يظل مسلمًا بعد خروجه من صفوف التنظيم، في إشارة اعتبرها دليلاً على نجاح الجماعة في ربط الدين بالتنظيم وربط الإيمان بالولاء للقيادة.
ولم تتوقف انتقادات الشيخ الأزهري عند هذا الحد، إذ تحدث عن حالة من" العصبية العمياء" داخل الجماعة، والتي تجعل مجرد الإشارة إلى أخطائها أمرًا غير مقبول، وكأنه خروج على الدين نفسه، محذرًا من احتكار الحديث باسم الإسلام أو ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.
وأكد «الغزالي» أن أخطر ما يمكن أن يصيب الدين هو أن يتحول إلى أداة لتجميد العقول وإقصاء المخالفين، معتبرًا أن توظيف الدين لخدمة أهداف تنظيمية أو سياسية يسيء إلى الإسلام أكثر مما يخدمه.
ومن بين أكثر الشهادات إثارة للانتباه، روايته للقاء جمعه بمؤسس الجماعة حسن البنا قبل اغتياله بيومين فقط، حيث نقل عنه قوله: " ليس لنا في السياسة حظ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لعدت بالإخوان إلى أيام المأثورات"، وهي العبارة التي اعتبرها الغزالي اعترافًا متأخرًا بأن انخراط الجماعة في العمل السياسي فتح عليها أبوابًا من الصراعات والأزمات لم تكن في الحسبان.
وتبقى شهادة محمد الغزالي واحدة من أبرز الوثائق الفكرية التي تكشف التناقض بين الخطاب المعلن لجماعة الإخوان وبين الممارسات والأفكار التي انتقدها أحد أبرز رموزها السابقين، لتؤكد أن أخطر الانتقادات التي وُجهت للتنظيم لم تأتِ من خصومه، بل من شخصيات عايشت تجربته من الداخل ثم قررت كشف ما رأته للرأي العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك