أصبحت مسألة رفع الحصانة في ظل غياب المحكمة الدستورية تثير جدالاً واسعاً في الأوساط البرلمانية والسياسية في تونس، بخاصة بعد ارتباط عدد من النواب بقضايا مدنية وقضائية مختلفة.
وقد أعاد هذا الوضع طرح تساؤلات قانونية ودستورية حول الجهة المخول لها البت في رفع الحصانة من عدمها.
في هذا الصدد، قرر مكتب مجلس نواب الشعب عقد جلسة عامة يوم الـ23 من يونيو (حزيران) الجاري للنظر في مطالب رفع الحصانة عن بعض النواب.
وقبل أشهر قليلة تلقى البرلمان طلبات لرفع الحصانة عن 10 نواب تعلقت بهم قضايا مختلفة منشورة لدى المحاكم.
ومن المنتظر أن تحسم الجلسة العامة في مصير حصانة النواب إما برفعها وإما برفض المطالب.
وتعد مسألة الحصانة موضوعاً دستورياً بامتياز، باعتبار أن دستور عام 2022 أقر الحصانة لفائدة عدد من الوظائف الدستورية، من بينها أعضاء مجلس نواب الشعب بمقتضى الفصلين 65 و66، وأعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم، ورئيس الجمهورية وفق الفصل 110، والقضاة بمقتضى الفصل 121.
الحصانة ليست امتيازاً شخصياً للنائبفي ذات السياق، أكد النائب صابر المصمودي، في تصريح خاص، أن" الجدال المتعلق بالحصانة طرح في مناسبات عديدة منذ بداية العهدة النيابية الحالية، سواء في ما يتعلق بإيقاف بعض النواب أو صدور أحكام قضائية في شأنهم، وهو ما كان يثير في كل مرة نقاشاً قانونياً ودستورياً حول مدى التمتع بالحصانة وحدودها".
وأشار المصمودي إلى أن" هذا الجدال يؤكد الحاجة الملحة إلى إرساء المحكمة الدستورية باعتبارها الجهة المختصة بتأويل أحكام الدستور وحسم الخلافات المتعلقة بتطبيقها".
وذكر بأنهم تقدموا منذ فترة بمقترح قانون لإرساء المحكمة الدستورية في ظل غياب مبادرة تشريعية من السلطة التنفيذية.
وأضاف أن" الفصل 65 من الدستور ينص على عدم إمكانية تتبع النائب أو إيقافه أو محاكمته طيلة مدة نيابته بسبب آرائه أو مقترحاته أو تصويته أثناء مباشرته لمهامه النيابية، مع وجود استثناءات وضوابط قانونية محددة، من بينها حالات التلبس وبعض الحالات التي لا يشملها نطاق الحصانة".
وقال المصمودي إن الدستور التونسي كان واضحاً في تحديد الجرائم التي لا يشملها نطاق الحصانة البرلمانية، ومن بينها جرائم القذف والثلب وأعمال العنف المرتكبة داخل مجلس نواب الشعب أو خارجه.
وأضاف أن مبدأ المساواة أمام القانون يظل من المبادئ الدستورية الأساسية التي تنطبق على جميع المواطنين من دون استثناء.
وفي ما يتعلق بمطالب رفع الحصانة، أشار إلى أن مجلس نواب الشعب تلقى خلال الفترة الماضية مطالب عدة في هذا الشأن، إلا أن بعضها لم يعرض بعد على أنظار اللجنة المختصة للنظر فيها.
وأكد المصمودي أن" هذا الوضع يستدعي مزيداً من النجاعة في التعاطي مع مطالب رفع الحصانة المعروضة على المجلس، مع المحافظة على احترام الإجراءات القانونية والضمانات الدستورية المقررة للنواب"، مشيراً إلى أن الحصانة ليست امتيازاً شخصياً للنائب بقدر ما هي ضمانة دستورية لحماية الوظيفة النيابية.
وأوضح أن الدستور لم ينص على رفع الحصانة بصورة آلية، بل وضع آليات وإجراءات محددة للنظر في مطالب رفعها، وهو ما يفسر عرض هذه المطالب على الهياكل المختصة، ثم على الجلسة العامة للبت فيها وفقاً لما يقتضيه القانون والنظام الداخلي للمجلس.
وأضاف أن بعض الحالات تبقى واضحة بحكم النص الدستوري، على غرار الجرائم التي استثناها المشرع صراحة من نطاق الحصانة، إلا أن بقية الملفات تستوجب دراسة كل حالة على حدة وفق المعطيات القانونية المتوفرة.
وأكد أن اعتماد الرفع الآلي للحصانة من شأنه أن يفقد هذا المبدأ الدستوري مبررات وجوده والغاية التي أقر من أجلها.
وشدد المصمودي على أن الحصانة ترتبط بحماية أداء الوظيفة النيابية وضمان استقلاليتها، وأن التعامل مع مطالب رفعها يجب أن يتم في إطار التوازن بين احترام الضمانات الدستورية من جهة، وضمان تطبيق القانون ومبدأ المساءلة من جهة أخرى، مضيفاً أن جميع مطالب رفع الحصانة تخضع لمسار قانوني ودستوري واضح، وأن الفصل فيها يبقى من اختصاص المؤسسات والهياكل المخول لها ذلك طبقاً لأحكام الدستور والقوانين الجاري بها العمل بوزارة العدل.
وأضاف أن" ما يطرح أحياناً حول وجود صراع بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في هذا السياق هو طرح غير دقيق"، مشدداً على أن" العلاقة بين السلطتين تقوم على مبدأ الاستقلالية والتكامل، وليس على الصدام أو التنازع".
وشدد على أن الدستور يحتل المرتبة العليا في هرم القوانين، وأن أي ممارسة أو تأويل يجب أن يتم في نطاق احترامه الكامل، مع ضرورة تفادي أي اجتهاد خارج الأطر الدستورية المؤسسية.
وختم المصمودي بالتأكيد أن" العودة إلى منطق المؤسسات الدستورية الكاملة، وعلى رأسها المحكمة الدستورية، يمثل ضرورة لضمان وضوح التأويل القانوني وحسن تطبيق الدستور في كل المسائل".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)من جانبه، يرى النائب المستقل حليم بوسمة أن" النظر في ملفات رفع الحصانة عن عدد من نواب الشعب يمثل محطة مهمة في تكريس دولة القانون والمؤسسات، ويعكس حرص الدولة على إيجاد التوازن بين حماية الوظيفة النيابية وضمان احترام مبدأ المساواة أمام القانون".
وأشار إلى أن" الحصانة البرلمانية لم توجد لتكون امتيازاً شخصياً أو وسيلة للإفلات من المحاسبة، وإنما هي ضمانة دستورية وقانونية تهدف إلى حماية النائب من الضغوط والتأثيرات التي قد تعيق أداء مهامه التشريعية والرقابية بكل حرية واستقلالية".
وفي المقابل، يرى بوسمة أن" مجلس نواب الشعب يظل جزءاً من مؤسسات الدولة التي تقوم على مبدأ سيادة القانون، ولا يمكن أن يكون بمعزل عن منظومة العدالة، طالما تمت الإجراءات في إطار الضمانات القانونية واحترام حقوق الدفاع وقرينة البراءة".
ويرى أن" معالجة هذه الملفات بكل شفافية وحياد، بعيداً عن التجاذبات السياسية أو الحملات الإعلامية، من شأنها أن تعزز ثقة المواطن في المؤسسة البرلمانية وفي القضاء على حد سواء، وأن تكرس مبدأ أن المسؤولية تقابلها المساءلة، وأن الجميع متساوون أمام القانون دون تمييز".
إلا أن تواتر تقديم مطالب رفع الحصانة إلى مجلس نواب الشعب اعتبره البعض نوعاً من التشفي أو الاستهداف السياسي الذي تمارسه السلطة التنفيذية ضد بعض نواب الشعب.
في هذا الصدد، اعتبر الناشط السياسي والمتحدث باسم الحزب الجمهوري، وسام الصغير، أنه" إذا صح ما يقع تداوله عن محاكمة هذا العدد من النواب، فهذا يعني أن البرلمان لم يعد بإمكانه أن يعمل ضمن صلاحياته التشريعية"، وفق تعبيره.
مستطرداً" وهذا يؤكد أن حالة الانسداد السياسي وحالة التشفي قد تصل إلى داخل المجلس".
ولم يستبعد الصغير أن" يؤدي رفع الحصانة عن هذا العدد من النواب إلى حالة من العطالة البرلمانية"، وفق تقديره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك