عاد ملف أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر إلى واجهة الأحداث مجددًا، عقب إعلان جماعة الحوثي، الاثنين، فرض ما وصفته بـ”حظر كامل للملاحة البحرية” على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، مؤكدة أن أي تحركات مرتبطة بإسرائيل ستُعامل كأهداف عسكرية.
ويأتي هذا التصعيد في ظل متغيرات عسكرية وأمنية تشهدها منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تختلف عن الظروف التي رافقت الهجمات البحرية التي نفذتها الجماعة خلال العامين الماضيين، ما يثير تساؤلات بشأن قدرتها على إعادة تهديد أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
ويرى الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية عاصم المجاهد أن الحوثيين لا يزالون يحتفظون بجزء كبير من القدرات التي استخدموها سابقًا في استهداف الملاحة الدولية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والصواريخ والزوارق غير المأهولة وشبكات الرصد الساحلية.
وأوضح أن التحدي لا يكمن في امتلاك هذه القدرات بقدر ما يتعلق بحرية استخدامها، في ظل الضغوط العسكرية والاستخباراتية التي تعرضت لها الجماعة نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية وعمليات المراقبة المكثفة.
وأضاف أن الحوثيين باتوا أكثر حذرًا في تشغيل قدراتهم البحرية، بعد إدراكهم أن أي تصعيد واسع ضد السفن التجارية قد يستدعي ردًا عسكريًا مباشرًا ومكلفًا.
من جانبه، أكد الخبير الاستراتيجي في الشؤون العسكرية وتكنولوجيا النقل البحري الدكتور علي الذهب أن الجماعة لم تعد تمتلك مستوى الكفاءة والفاعلية ذاته الذي ظهرت به خلال الهجمات البحرية قبل أواخر عام 2025، نتيجة تراجع قدرات الإمداد والدعم مقارنة بالفترات السابقة.
متغيرات جديدة في البحر الأحمرشهدت منطقة البحر الأحمر خلال الأشهر الماضية سلسلة من الترتيبات الأمنية والعسكرية الهادفة إلى تعزيز حماية خطوط الملاحة الدولية.
ومن أبرز هذه المتغيرات، وفقًا للذهب، دعم القوات البحرية اليمنية وظهور تشكيلات بحرية تابعة للمقاومة الوطنية، إلى جانب تعزيز قدرات خفر السواحل اليمنية.
وأشار إلى تنامي الحضور البحري الدولي في البحر الأحمر وخليج عدن، واتساع نطاق عمليات الرصد الاستخباري الأمريكية والإسرائيلية الرامية إلى الحد من تدفق الدعم العسكري إلى الحوثيين.
بدوره، أوضح المجاهد أن البيئة العملياتية التي استفادت منها الجماعة سابقًا أصبحت أكثر تعقيدًا، في ظل وجود منظومات مراقبة متطورة وشبكات إنذار مبكر وتنسيق متزايد بين القوى البحرية الدولية، ما يجعل تنفيذ هجمات مؤثرة أكثر صعوبة من السابق.
ورغم الضغوط المفروضة على الجماعة، تشير معطيات ميدانية إلى استمرار تحركاتها في المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر.
وقال الذهب إن معلومات ميدانية تفيد بوجود أعمال صيانة وإعادة تأهيل لأنفاق وخنادق في مدينة الحديدة ومناطق ساحلية أخرى، إضافة إلى مواقع استراتيجية تشمل الموانئ وجزيرة كمران ومحيط المطار.
وأوضح أن هذه الشبكات كانت تُستخدم سابقًا لنقل الأسلحة والمقاتلين وإخفاء الزوارق والطائرات المسيّرة والوسائل اللوجستية المرتبطة بالعمليات البحرية، مرجحًا أن تكون أعمال التأهيل الحالية مرتبطة بالاستعداد لأي مواجهة محتملة أو بالحفاظ على الجاهزية العسكرية في المناطق الساحلية.
تكتسب التهديدات الحوثية أهمية خاصة في ظل تنامي الدور الاستراتيجي لمضيق باب المندب بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية، خصوصًا مع تصاعد التوترات المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويشير الذهب إلى أن الاعتماد المتزايد على مسارات تصدير النفط عبر الساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية منح البحر الأحمر أهمية إضافية، مؤكدًا أن أي اضطراب أمني يستهدف ناقلات النفط أو خطوط الشحن قد ينعكس مباشرة على تدفقات الطاقة العالمية، ويؤثر في الأسواق الأوروبية ودول البحر المتوسط المعتمدة على التجارة العابرة عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
تهديد قائم دون إغلاق كاملورغم التصعيد الحوثي الأخير، يستبعد الخبراء قدرة الجماعة على فرض إغلاق كامل لمضيق باب المندب أو تعطيل حركة الملاحة بشكل شامل.
وأكد الذهب أن الحوثيين لا يمتلكون القدرة على إغلاق المضيق بصورة مباشرة، إلا أنهم قادرون على التأثير في حركة الشحن ورفع مستوى المخاطر الأمنية في المناطق الساحلية الواقعة تحت سيطرتهم.
من جهته، يرى المجاهد أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تنفيذ عمليات محدودة ومتقطعة تستهدف رفع كلفة الملاحة البحرية وإبقاء حالة القلق قائمة، دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة النطاق.
ومع استمرار التوترات الإقليمية، يظل باب المندب أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، بينما تشير المعطيات الحالية إلى أن التهديدات الحوثية لا تزال قائمة، لكنها تواجه اليوم بيئة أمنية وعسكرية أكثر تعقيدًا وتشددًا مقارنة بالسنوات الماضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك