انتشر كالنار في الهشيم في الأيام الأخيرة وباءٌ فكري متعلق بنظام تغذية للبشر، قاده طبيب توفاه الله بسبب النظام نفسه الذي ابتكره، ويُدعى" ضياء العوضي"، وأطلق عليه كذباً وزوراً نظام «الطيبات»، والذي تسبب في حالات وفاة ودخول مرضى كثيرين إلى طوارئ المستشفيات في مصر والسعودية وغيرها من الدول العربية.
ونظام «الطيبات» الخبيث الذي روَّج له العوضي قبل وفاته، لا توجد دراساتٌ علمية حتى هذه اللحظة تُثبت صحة ادعاءاته العلاجية، وقد صدرت تحذيراتٌ صارمة من جهات صحية وأطباء من تطبيقه، أو استخدامه بديلاً للعلاج الطبي.
وبسبب المشكلات الصحية الجمة التي نتجت عن اتباع هذا النظام «الخبيث»، أصدرت المملكة العربية السعودية، أمس الاثنين، تحذيراً رسمياً ومباشراً من «نظام الطيبات» عبر وزارة الصحة، التي ذكرت النظام صراحةً، وحذرت من استخدامه بديلاً عن العلاجات الطبية، بعد رصد حالات دخلت الطوارئ والعناية المركزة نتيجة إيقاف الأنسولين أو أدوية الأمراض المزمنة.
أما في مصر، فقد صدرت إجراءات وانتقادات وتحذيرات من جهات مختلفة، مثل نقابة الأطباء المصرية، ووزارة الصحة، وجامعة عين شمس، وبعض المؤسسات الإعلامية والتنظيمية، تجاه الأفكار المرتبطة بالنظام وصاحبه.
وقد حذر كبار الأطباء ومؤسسات طبية عريقة في مصر ودول المنطقة من الأضرار والمخاطر المحتملة حال اتباع هذا النظام الخبيث.
وأبرز تلك الأضرار هو نقص الفيتامينات والمعادن؛ إذ إن استبعاد بعض المجموعات الغذائية قد يؤدي إلى نقص الكالسيوم، وفيتامين «د»، وفيتامين «ب12»، والزنك، وغيرها من العناصر الأساسية.
كما أن سوء التوازن الغذائي يعد من أهم وأبرز أضرار النظام؛ فتصنيف الأطعمة إلى «طيبة» و«خبيثة» لا يستند إلى المعايير العلمية المتعارف عليها في التغذية، وقد يؤدي إلى نظام غذائي غير متوازن.
ومن الأخطار أيضاً المصاحبة لاتباع هذا النظام: ارتفاع استهلاك الدهون المشبعة، حيث إن الاعتماد بشكل كبير على الدهون الحيوانية مع استبعاد مصادر غذائية أخرى، قد يرفع خطر زيادة الكوليسترول وأمراض القلب لدى بعض الأشخاص.
ومن أهم الأخطار والمسجلة عند اتباع هذا النظام الغذائي الخطير غير المثبت علمياً، هو خطر الوفاة لمرضى الأمراض المزمنة، حيث إن المشكلة الأخطر تكمن في ترك بعض المرضى للأدوية أو تقليلها اعتماداً على النظام الغذائي وحده، وهو ما حذرت منه وزارات صحة عربية بعد تسجيل حالات صحية خطيرة.
وبحسب ما أعلنته الجهات الرسمية في مصر، لم تكن المشكلة الأساسية مع شخص الطبيب الراحل ضياء العوضي، بقدر ما كانت مع المحتوى الطبي المنسوب إلى «نظام الطيبات»، وما تضمنه من نصائح اعتبرتها المؤسسات الصحية غير مثبتة علمياً.
وبالرغم من أن نقابة الأطباء المصرية اتخذت إجراءات تأديبية بحق «العوضي» قبل وفاته، وأعلنت أن سبب ذلك الترويج لمعلومات ونصائح طبية اعتبرتها مضللة وغير مستندة إلى أدلة علمية كافية، وتحذير وزارة الصحة من اتباع نصائح تتضمن إيقاف الأدوية أو استبدال العلاج الطبي بالغذاء وحده، خاصة لمرضى الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض المناعة، وإصدار قرار من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر بحظر نشر أو تداول محتوى يتعلق بالنظام في خضم الجدل الواسع الذي أثاره؛ إلا أنه قد تم تسجيل وقائع لعدد كبير من الأشخاص الذين أوقفوا علاجاتهم الدوائية اعتماداً على نصائح مرتبطة بهذا النظام «الخبيث»، وهو ما دفع جهات رسمية وجهات معنية بحماية الطفل للتحذير والتدخل.
ورغم الادعاءات الكبيرة التي رافقت إطلاق نظام" الطيبات" الغذائي، الذي ابتكره الطبيب الراحل الدكتور ضياء العوضي، والتي تزعم تقديم منهج غذائي نقي يفرق بين" الطعام الطيب" و" الطعام الخبيث"؛ فإن الغوص في تفاصيل هذا النظام يكشف عن تناقضات علمية ومنطقية ودينية صادمة.
ولعل أبرز هذه المفارقات، وأكثرها خطورة على الصحة العامة، هو الموقف المتأرجح والمقلوب تماماً من" العصائر المعلبة" و" السجائر"، وهو ما شكل نقطة ارتكاز للانتقادات الطبية الواسعة التي وجهت لهذا النظام.
معضلة العصائر: تحريم" الفريش" وإباحة" المعلب"وتُعد القاعدة المتعلقة بالعصائر في نظام" الطيبات" من أكثر القواعد غرابة، حيث تعكس منطقاً غذائياً معكوساً يتنافى مع أبسط مبادئ التغذية السليمة.
فبينما يمنع النظام منعاً باتاً تناول العصائر الطبيعية الطازجة (الفريش)، فإنه يفتح الباب على مصراعيه لتناول العصائر المعلبة والتجارية (باستثناء بعض الحمضيات مثل البرتقال والليمون).
وهنا يبرز التناقض الصارخ: كيف لنظام يدعي أنه يبحث عن" الطعام النقي" ويحارب" المصنعات"، أن يحرم الإنسان من عصير الفاكهة الطبيعي، ويسمح له بتناول عصائر معلبة صناعية؟ تشير الانتقادات الطبية والغذائية إلى أن العصائر المعلبة تحتوي على نسب عالية جداً من السكريات الصناعية المضافة، والمواد الحافظة، والنكهات الكيميائية، وهي جميعاً عناصر تُصنف علمياً ضمن" الضارات" التي ترفع خطر السمنة، والسكري، وأمراض القلب.
وقد تساءل منتقدو النظام باستغراب عن هذا التناقض، خاصة أن العوضي برر هذا السماح بزعم أن العصائر المعلبة" مضمونة"، وهو تبرير يفتقر لأي سند علمي أو غذائي سليم.
التدخين في ميزان" الطيبات": دفاع مستميت عن" الخبائث"ولم تتوقف تناقضات النظام عند الغذاء فحسب، بل امتدت لتطال نمط الحياة، حيث أثار الدكتور ضياء العوضي غضباً طبياً ودينياً واسعاً بسبب تصريحاته المثيرة للجدل حول التدخين.
فقد ظهر العوضي في مقاطع فيديو مدافعاً عن التدخين، وذهب إلى حد الادعاء بأن" السجائر غير ضارة" بل و" مفيدة"، ونفى بشكل قاطع أن يكون التدخين سبباً في الإصابة بالسرطان.
وهذا يطرح تناقضاً دينياً ولفظياً جوهرياً: فالنظام بأكمله مستمد مسمياته من المفهوم القرآني للفرق بين" الطيبات" و" الخبائث"، وقد أجمع العلماء على أن" الدخان" يُصنف ضمن الخبائث وليس من الطيبات.
فكيف يُسمى النظام" الطيبات" بينما يدافع منشئه عن عادة تُصنف دينياً ولغوياً كـ" خبث"؟أما طبياً، فإن إنكاره للأضرار القاتلة للتدخين يتعارض مع كل الإجماعات الطبية العالمية التي تؤكد أن التدخين هو المسبب الأول لسرطان الرئة، وأمراض القلب، والجلطات.
التجربة الشخصية كدليل: حين ينهار المنطق أمام حقيقة الوفاةواستند العوضي في دفاعه عن التدخين إلى" تجربته الشخصية"، مبرراً أنه يدخن منذ نحو ثلاثين عاماً (منذ سن السادسة عشرة) ولم يصب بأذى بسبب نظامه الغذائي.
ولكن النقاد وجهوا ضربة قاضية لهذا المنطق، متسائلين: إذا كان النظام مثالياً ويحمي من كل الأضرار، فلماذا لم ينفع نظام" الطيبات" صاحبه ويوجهه لحياة صحية بعيدة عن شراهة التدخين؟ بل وذهب البعض إلى التساؤل عما إذا كان هذا النظام الغذائي القاسي، مقترناً بالتدخين المستمر، قد ساهما في تدهور صحته ووفاته في النهاية.
انقلاب المفاهيم الغذائية وتحذيرات الجهات الرسميةولم تقتصر التناقضات على هذين الملفين فحسب، بل شملت حظر النظام لأطعمة خلقها الله وتُعتبر من أساسيات التغذية السليمة مثل" الدجاج، واللبن، والبقوليات"، بحجة أنها ليست طعاماً بشرياً أو أنها مليئة بالهرمونات، بينما سمح في المقابل بتناول كميات كبيرة من الدهون الحيوانية المشبعة التي ترفع مستويات الكوليسترول.
هذا بالإضافة إلى غياب المنهج العلمي الثابت، حيث اعترف متابعون للنظام بأن قواعده تتغير باستمرار، مما يجعله يعتمد على" أهواء" صاحبها أكثر من كونه بروتوكولاً طبياً ثابتاً.
إن هذه التناقضات الصارخة هي بالضبط ما دفع جهات صحية مرموقة، مثل" وزارة الصحة المصرية"، و" نقابة الأطباء"، و" وزارة الصحة السعودية"، لإصدار تحذيرات صارمة من النظام.
فقد بات واضحاً أن" نظام الطيبات" لا يمت للعلم الطبي بصلة، بل يُعد" وباءً فكرياً" و" خديعة غذائية" تعرض حياة المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة، للخطر الحقيقي، مما يستدعي الحذر الشديد والرجوع دائماً إلى الاستشارات الطبية الموثقة علمياً.
إن ما يحدث من وجهة نظري من انسياق جماعي وراء هذا «النظام الخبيث» دون تفكير نقدي أو طلب للأدلة، يذكِّر بآلية الفتنة التي تصفها النصوص الدينية الإسلامية عن أتباع «المسيح الدجال»؛ فالمشكلة ليست في الفكرة نفسها فقط، بل في تعطيل العقل والقبول غير المشروط بأفكار كاذبة وخبيثة لا تمت للعقل بصلة، بل هي أهواء الطبيب الراحل فقط.
فعندما يتبع بعض الناس أي شخص أو فكرة أو نظاماً ما دون تمحيص أو سؤال أو طلب دليل، فإنهم يضعون ثقتهم في صاحب الفكرة أكثر مما يُقيِّمون الفكرة نفسها.
والروايات الإسلامية عن الدجال تذكرنا أن كثيراً من الناس سيفتنون به بسبب ما يظهره من أمور مبهرة أو ادعاءات كبيرة، فيتبعونه دون إدراك لحقيقة أمره.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن التسليم الأعمى لأي شخصية أو حركة أو نظام فكري، هو سلوك يشترك في بعض سماته مع الفتنة التي يصفها الإسلام بشأن الدجال، كضعف التفكير النقدي، والاعتماد على الثقة المطلقة، وإهمال التحقق من الأدلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك