في مشهد حمل الكثير من الدلالات الرمزية والسياسية والسياحية والتاريخية، سجل الرئيس السوري أحمد الشرع اسمه كأول رئيس سوري يزور جزيرة أرواد منذ قيام الدولة السورية الحديثة، وذلك خلال مشاركته في افتتاح فعاليات موسم طرطوس السياحي لعام 2026.
في حين وصفت وسائل الإعلام السورية الزيارة بأنها حدث تاريخي نظراً للمكانة الرمزية للجزيرة التي بقيت لعقود بعيدة من الزيارات الرئاسية، على رغم كونها واحدة من أبرز المواقع التاريخية والسياحية في البلاد.
لكن أهمية الحدث لا تتوقف عند الزيارة الرئاسية فحسب، وإنما تعيد تسليط الضوء على جزيرة تحمل إرثاً يمتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام، وتعد الجزيرة المأهولة الوحيدة في سوريا، وهي من أقدم المدن الفينيقية في شرق البحر المتوسط وأكثرها ارتباطاً بتاريخ الملاحة والتجارة البحرية.
تقع جزيرة أرواد على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من ساحل مدينة طرطوس، وتبلغ مساحتها أقل من ربع كيلومتر مربع تقريباً، ما يجعلها جزيرة صغيرة من حيث المساحة، لكنها كبيرة من حيث الأهمية التاريخية والحضارية.
ويعود تاريخ الاستيطان البشري فيها إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، عندما أسس الفينيقيون فيها مملكة أرادوس التي تحولت لاحقاً إلى قوة بحرية وتجارية مؤثرة في المنطقة.
وقد استفادت الجزيرة من موقعها الاستراتيجي في قلب طرق التجارة البحرية بين بلاد الشام وقبرص ومصر والأناضول، ما منحها مكانة خاصة في العالم القديم.
خلال العصر الفينيقي كانت أرواد واحدة من أهم المدن البحرية المستقلة في سواحل بلاد الشام، إلى جانب مدن مثل صور وصيدا وجبيل، وتميز سكانها ببناء السفن والمهارات البحرية، حتى إن بعض المصادر التاريخية تشير إلى أن أساطيل أرواد شاركت في حملات بحرية كبرى خلال العصور القديمة تحت حكم الإمبراطوريات المتعاقبة التي سيطرت على المنطقة.
ومع انتقال السيطرة على بلاد الشام بين الإمبراطوريات الآشورية والفارسية واليونانية والرومانية، حافظت الجزيرة على أهميتها الاقتصادية والعسكرية، وفي العهدين الروماني والبيزنطي استمرت كميناء ومركز تجاري مهم، قبل أن تدخل ضمن الدولة الإسلامية بعد الفتح العربي لبلاد الشام في القرن السابع الميلادي.
ولاحقاً لعبت الجزيرة دوراً بارزاً خلال الحروب الصليبية، إذ تحولت إلى آخر معقل مهم للصليبيين على الساحل السوري قبل أن يتمكن المماليك من السيطرة عليها في عام 1302، لينهوا بذلك الوجود الصليبي المنظم في المشرق.
ولا تزال أرواد تحتفظ حتى اليوم بمعالم أثرية تعكس هذا التاريخ الطويل، فأبرز ما يلفت انتباه الزائر القلعة الصليبية الواقعة في الجزء الشرقي من الجزيرة، والتي بنيت فوق أسس أقدم تعود إلى فترات سابقة.
وتنتشر الأزقة الحجرية الضيقة والمنازل التقليدية المتلاصقة التي تعطي الجزيرة طابعاً عمرانياً مختلفاً عن بقية المدن الساحلية السورية، وأيضاً تضم الجزيرة بقايا منشآت تاريخية ومرافئ قديمة تشهد على دورها البحري عبر العصور، وقد دفعت هذه القيمة التاريخية إلى إدراجها ضمن القائمة الإرشادية الموقتة لمواقع التراث العالمي التابعة لليونيسكو.
أما سكان الجزيرة، فقد ارتبطت حياتهم بالبحر على مدى قرون، ويعتمد جزء كبير منهم على صيد الأسماك وصناعة القوارب الخشبية التقليدية التي تشتهر بها أرواد منذ أجيال.
وتعد صناعة السفن الخشبية من أبرز الحرف التراثية في الجزيرة، إذ لا يزال بعض الحرفيين يحافظون على أساليب بناء السفن القديمة التي تناقلتها العائلات الأروادية جيلاً بعد جيل، كذلك تشكل المطاعم البحرية والسياحة الداخلية مصدراً مهماً للدخل المحلي، بخاصة خلال فصل الصيف.
الأرض التي لم تصلها نيران المعاركبخلاف كثير من المناطق السورية التي شهدت معارك أو عمليات عسكرية خلال أعوام الحرب الممتدة منذ عام 2011، بقيت جزيرة أرواد بعيدة تماماً عن خطوط القتال، فلم تسجل فيها معارك عسكرية أو عمليات قصف أو دمار واسع النطاق.
ويرجع ذلك إلى موقعها الجغرافي البحري وإلى ابتعادها عن مسار العمليات العسكرية الرئيسة التي شهدتها البلاد، ولذلك احتفظت الجزيرة بمعظم بنيتها العمرانية والتراثية، بينما اقتصر تأثير الحرب عليها بصورة أساسية على الجانب الاقتصادي وتراجع النشاط السياحي والاستثماري وتقلص القدرة الشرائية للسكان، وقد انعكس ذلك على مستويات المعيشة وفرص العمل المرتبطة بالسياحة والصيد والخدمات البحرية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)خلال زيارة الشرع الأخيرة، ركزت التصريحات الرسمية على ضرورة تحويل الجزيرة إلى مركز اقتصادي وسياحي أكثر نشاطاً، وربطها بخطط تنمية الساحل السوري وجذب الاستثمارات المحلية والخارجية.
كذلك جرى الحديث، وفق ما نقلته قناة" الإخبارية" السورية الرسمية، عن مشاريع مرتبطة بالمرافئ والخدمات السياحية والبنية التحتية، في محاولة لإعادة إحياء الدور الاقتصادي للجزيرة بعد أعوام من الركود الاقتصادي الذي عانت منه سوريا عموماً.
ومن جانب آخر، يرى مراقبون أن زيارة الشرع للجزيرة تحمل بعداً رمزياً إضافياً يتمثل في كسر عزلة سياسية استمرت لعقود تجاه الجزيرة، حيث أنه لم يزرها أي رئيس سوري سابق على رغم قربها الجغرافي من البر وأهميتها الاستراتيجية والتاريخية والسياحية.
لذلك يُنظر لهذه الزيارة على أنها حدث استثنائي بالنسبة لأهالي الجزيرة الذين رأوا فيها اعترافاً متأخراً بمكانة منطقتهم ودورها في التاريخ السوري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك