في الثالث والعشرين من شهر يونيو/ حزيران عام 2016، صوّت البريطانيون بأغلبية ضئيلة لأجل الخروج من الاتحاد الأوروبي، تتويجاً لحملة اعتملت لسنوات قادها الجناح اليميني في حزب المحافظين.
كانت الدعاية للخروج تركز بوضوح على خسائر بريطانيا الاقتصادية من عضويتها في التكتل الأوروبي وتتجاهل المكاسب بشكل ملحوظ.
لكن مع حلول الذكرى العاشرة لهذا الاستفتاء التاريخي، بدأت مراجعات نقدية للقرار، وبدا الحنين إلى أوروبا مسيطراً في المناقشات السياسية والاقتصادية، خصوصاً في ظل الانقسام السياسي داخل حزب العمال البريطاني الحاكم.
فاستطلاعات الرأي المتكررة تشير إلى أن غالبية البريطانيين باتت تؤيد العودة إلى الاتحاد الأوروبي لأهداف اقتصادية بحتة.
وتشير دراسة لوكالة بلومبيرغ الاقتصادية نُشرت اليوم الثلاثاء إلى أن الخيارات المطروحة، ومعظمها ينطوي على عودة مشروطة، أو" انتقائية" كما يفضل البريطانيون، لن تعوض أكثر من نصف الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها بريطانيا نتيجة الانفصال عن أكبر شريك تجاري لها.
وتكشف الدراسة أن بريكست ربما كلف الاقتصاد البريطاني ما بين 2% و4% من الناتج المحلي الإجمالي حتى الآن.
ويقدر السيناريو المرجح أن الخسارة طويلة الأمد تبلغ نحو 2.
5% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعادل نحو 30 مليار جنيه إسترليني من الإيرادات الضريبية المفقودة سنوياً، وهو مبلغ يكفي لتغطية كامل ميزانية الإنفاق الرأسمالي لوزارة الدفاع البريطانية.
وبيّن استطلاع للرأي أجرته شركة" إبسوس" Ipsos ما بين 14 و 15 مايو/ أيار الماضي، أن 52% من البريطانيين يعتقدون أنه يتعين على بلادهم العودة للاتحاد الأوروبي، وسبق أن أظهر استطلاع منفصل أجرته" إبسوس" في إبريل/ نيسان أن معظم البريطانيين (51%) يرون أن" بريكست" أثبت فشله، وأن المملكة المتحدة وأوروبا تتشاركان مصالح في قضايا مثل الدفاع والتجارة وتغير المناخ، ويتوقعون بشكل متزايد أن يعمل الطرفان معاً بشكل وثيق، بينما ترى أغلبية تعارض مصالح الطرفين في ما يتعلق بالهجرة غير النظامية.
وطفت قضية العودة إلى أوروبا على سطح النقاشات العامة في الآونة الأخيرة، بسبب التحدي الذي يواجهه رئيس الوزراء كير ستارمر على مستوى قيادة حزب العمال.
فأحد المنافسين المرتقبين لستارمر، وهو وزير الصحة المستقيل، ويس ستريتينغ، يقر بوضوح بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي كان" خطأً كبيراً".
أما عمدة مانشستر، آندي بورنهام، وهو المنافس الأقوى، فلم يعلن موقفاً قاطعاً من القضية، رغم مطالبته بإعادة النظر في العلاقة بين الجانبين.
وفي المقابل، يواصل السياسي اليميني نايجل فاراج، أحد أبرز مهندسي بريكست، تعزيز موقعه السياسي بعد أن أعاد تشكيل حزب استقلال المملكة المتحدة تحت اسم" ريفورم يو كيه"، الذي يتصدر استطلاعات الرأي منذ أكثر من عام.
يُجمع أغلب البريطانيين، على اختلاف انتماءاتهم السياسية، على أن الوضع الاقتصادي خلال السنوات العشر الماضية أصبح أسوأ، وليس أفضل، كما وعدت طروحات بريكست.
وحسب بيانات حصلت عليها بلومبيرغ، فإن المناطق التي صوتت للخروج من الاتحاد الأوروبي، مثل شرق ميدلاندز وغرب ميدلاندز وشمال شرق إنكلترا وويلز، أصبحت أكثر تخلفاً عن لندن من حيث مستويات المعيشة.
ومنذ بريكست، نما الناتج المحلي الإجمالي للفرد في بريطانيا بنسبة 5.
5% فقط، أي نحو ربع معدل النمو الذي كانت تسجله البلاد قبل الأزمة المالية العالمية.
كذلك إن نمو الاقتصاد البريطاني منذ عام 2016 جاء أبطأ من نمو اقتصادات مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، بينما كان قبل الاستفتاء ينمو بوتيرة أسرع من معظمها.
ويكشف تقرير صادر عن مؤسسة أبحاث (المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة) في الأسبوع الماضي، عن أن الشراكة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي التي جاءت بعد بريكست ضمن" اتفاقية التجارة والتعاون" والتي ضمنت عدم فرض رسوم جمركية على معظم السلع والتجارة، لم تُبقِ على أي شيء قريب من العلاقة الاقتصادية التي كانت قائمة عندما كانت بريطانيا عضواً في السوق الموحدة والاتحاد الجمركي.
فالشركات البريطانية، تواجه الآن إجراءات جمركية، ومتطلبات قواعد المنشأ، وعبئاً إضافياً من الأوراق التنظيمية، إضافة إلى فقدان الاعتراف التلقائي المتبادل بالمعايير.
كذلك فقدت شركات الخدمات، خصوصاً في القطاعات المنظمة، وصولاً مهماً إلى أسواق الاتحاد الأوروبي.
وانتهى أيضاً مبدأ حرية التنقل.
هذه التغييرات أدت إلى زيادة كلفة التعامل التجاري مع أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة.
ووفقاً للنظرية التجارية القياسية، كان من المتوقع أن تؤدي هذه التطورات إلى تراجع في حجم التجارة والاستثمار، ومع مرور الوقت إلى انخفاض في الإنتاجية.
خيارات التعاون بعد بريكستومكن هذا الحنين المتزايد للعودة إلى الاتحاد الأوروبي، حكومة ستارمر من طرح مبادرات للتعاون لا ترقى إلى استعادة العضوية الكاملة، فقد طرحت الحكومة تشريعاً يسمح بتبني القوانين الأوروبية الجديدة دون تصويت من البرلمان البريطاني، في ما يعرف بـ" المواءمة الديناميكية"، وهي خطوة كانت ستُعتبر غير مقبولة سياسياً قبل سنوات قليلة فقط.
وكشفت صحيفة" ذا غارديان" اليسارية في الثالث والعشرين من الشهر الماضي، أن لندن تسعى لاتفاق مشروط يضمن لها بعض المنافع الاقتصادية من الاتحاد دون العودة الكاملة بما تحمله من كلفة سياسية.
وحسب" ذا غارديان"، تبدو هذه الخيارات مستحيلة في ظل" الخطوط الحمراء" التي وضعها ستارمر في عام 2024، حين تعهد بعدم عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي أو السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي خلال حياته.
أما الشركاء الأوروبيون، فيرون أن السماح لبريطانيا بالحصول على المكاسب الاقتصادية للاتحاد دون تحمل مغارمه، ومن بينها الهجرة وحرية السفر والانتقال، قد يرسل إشارة خاطئة للتيارات اليمينية والشعبوية في أوروبا تجعلها تحذو النموذج نفسه.
وتشير تقديرات بلومبيرغ إلى أن هذه الخيارات يمكن أن تعوض ما بين 0.
4 و1.
2 نقطة مئوية فقط من الناتج المحلي الإجمالي المفقود، أي ما يعادل بين 5 مليارات و14.
4 مليار جنيه إسترليني من الإيرادات الضريبية السنوية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك