في خضم التصعيد العسكري الأخير بين إيران وإسرائيل، اتسعت تداعيات المواجهة لتشمل البعد السياسي أيضاً، حيث برزت الخلافات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بصورة أكثر وضوحاً، فبينما كان ترامب يسعى للحفاظ على فرصة التوصل إلى اتفاق يضع نهاية للحرب، بدا نتنياهو مصمماً على مواصلة سياسة الرد العسكري، ما كشف عن تباين متزايد في الرؤى بين الحليفين ومنح إيران فرصة نادرة للمناورة السياسية.
تباين في المواقف بين واشنطن وتل أبيبوتشير التطورات الأخيرة إلى أن القيادة الإيرانية نجحت في استثمار تمسك ترامب بإمكانية التوصل إلى تسوية، لإقناعه بضرورة كبح جماح إسرائيل ومنعها من توجيه ضربات جديدة إلى إيران، الأمر الذي وضعه في مواجهة مباشرة مع نتنياهو، وفق مقال رأي لصيحة التليجراف البريطانية.
وبحسب ما ذكره ديفيد بلير، كبير المعلقين في الشؤون الخارجية بالصحيفة، بدأت ملامح هذا الخلاف بالظهور بوضوح، الاثنين الماضي، عندما نشب توتر حاد بين ترامب ونتنياهو على خلفية إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي على مواصلة قصف حزب الله في لبنان، رغم المساعي الأمريكية لمنع أي خطوات قد تؤدي إلى انهيار فرص التفاهم مع طهران.
وجاء ذلك بعد ساعات من الهجوم الصاروخي الإيراني على إسرائيل، الأحد، والذي أجبر تل أبيب على استخدام صواريخ اعتراضية لإسقاط صواريخ باليستية قالت إن كل واحد منها كان قادراً على إحداث دمار واسع داخل المناطق السكنية، غير أن رد فعل ترامب اتجه نحو احتواء التصعيد، إذ سارع إلى مطالبة نتنياهو بعدم الرد، خشية أن يؤدي ذلك إلى نسف أي فرصة لاتفاق يمكن أن يعلن من خلاله إنهاء الحرب.
حسابات الانتخابات تعقد المشهدلكن حسابات نتنياهو بدت مختلفة تماماً، فمع اقتراب الانتخابات المقررة نهاية أكتوبر، لا يملك رئيس الوزراء الإسرائيلي هامشاً واسعاً للتراجع عن العقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على الرد السريع والقاسي على أي هجوم، ما جعله يرفض عملياً الضغوط الأميركية.
وفي غضون ساعات فقط، شنت إسرائيل غارات استهدفت مواقع داخل إيران، من بينها مجمع ماهشهر للبتروكيماويات في محافظة خوزستان، في خطوة عكست توجهاً نحو ضرب قطاعات تمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد الإيراني، بعدما استهدفت البنية التحتية المرتبطة بصناعات النفط والغاز والبتروكيماويات.
ولم يتأخر الرد الإيراني، إذ أطلقت طهران موجة جديدة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، قبل أن تعلن لاحقاً تعليق هجماتها مؤقتاً بشرط وقف الغارات على لبنان، في محاولة لفرض معادلة جديدة تربط بين الجبهتين اللبنانية والإيرانية.
رسائل سياسية تتجاوز المواجهة العسكريةوفي الوقت ذاته، حمل الهجوم الإيراني رسالة سياسية وعسكرية تتجاوز الرد التقليدي، إذ جاء دفاعاً عن حزب الله في لبنان، في تحول لافت عن القاعدة التي حكمت العلاقة بين الطرفين لعقود، حيث كان يُنظر إلى الحزب باعتباره ذراعاً داعمة لإيران، لا أن تتحرك إيران عسكرياً لحمايته.
ويبدو أن طهران تسعى من خلال هذا السلوك إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك مع إسرائيل، وإثبات أن صواريخها لن تُستخدم فقط للدفاع عن أراضيها، بل أيضاً للدفاع عن حلفائها في المنطقة، كما تحمل هذه الرسالة بعداً آخر موجهاً إلى واشنطن، مفاده أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يتم وفق شروط تأخذ في الاعتبار النفوذ الإقليمي الإيراني وحساباته الاستراتيجية.
وبين رغبة ترامب في إغلاق ملف الحرب عبر تسوية سياسية، وإصرار نتنياهو على مواصلة سياسة الردع العسكري، تبدو إيران وكأنها نجحت في تحقيق أحد أهم أهدافها السياسية خلال الأزمة، عبر دفع الحليفين إلى مسارين متباعدين، ومع إمكانية تجدد التصعيد، يطرح المقال سؤالًا مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الفجوة ستتسع أكثر، أم أن المصالح المشتركة ستنجح في إعادة توحيد الموقف الأمريكي الإسرائيلي في مواجهة طهران.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك